الربابة: موسيقى الصحراء المخملية

تم نشره في الأحد 27 كانون الثاني / يناير 2008. 09:00 صباحاً
  • الربابة: موسيقى الصحراء المخملية

أحمد الرواشدة

العقبة- تعد الربابة من الآلات العربية البدائية التي جاءت من صحراء البادية، أوجدها العرب الرحل في نجد، واستعملت من قبل الشعراء المدّاحين، وهي أكثر الآلات محاكاة للحن ولصوت الإنسان، فهي تمتاز بصوت مخملي ينساب إلى خوالج النفس ويصيب جوارحها، وتختص هذه الآلة بعزف اللون البدوي من المسحوب والناعمية والردادية والهجيني في الجزيرة العربية، وكذلك القصيد البدوي والنايل والشروقي وأبو الزلف في العراق، ودخلت مدخلاً مهماً مع الزجالين بالأخص في سورية ولبنان وفلسطين.

 وأخذ الغرب آلة الربابة عن العرب في العصر الأندلسي، وعرفوا القوس عن طريقهم، واستندوا إليها في صنع آلة الربيك Rebec والكمان ومشتقاته من الفيولا والتشيللو والكونتراباص، وقد رافقت الربابة الحياة العربية، منذ أقدم العصور، وكان شاعر الربابة ثابتا من ثوابت البداوة العربية، وله دور كبير في تشكيل الوجدان الجمعي للناس، وكان شاعر الربابة بمثابة سفير ينقل مآثر بيئته وأشعارها حيثما حل وارتحل في البيئات المختلفة، وأن الطقوس الاحتفالية التي تحدّثت عنها الأدبيات العربية والتي كانت تُقدّم فيها السِّيَر الشعبية كسيرة الهلاليين وسيرة عنترة، طقوس ضاربة في القدم، ومتوارثة في آدابنا الشعبية منذ العصر الجاهلي وحتى الآن.

 واستطاعت الربابة أن تفتح بوابة سرية على حزن العربي، وأن تتغلغل إلى أعماق روحه، وهي لا تمتلك إلا وترها اليتيم الذي عمّق اليتم في النفسية العربيّة من أول التاريخ، وحتى يومنا هذا، ولم يتم التقاط إيقاع هذه الآلة الساحر في العصر الحديث، كما تم التقاطه في الأغنية الأردنية من خلال عبده موسى، وظلت آلة ثانوية في الشام والعراق وحتى في الجزيرة العربية أمِّ الربابة ومنبعها، وهذا يسجل للأغنية الأردنية، وقدمت عشرات الأغاني التي دللت على تفرد هذه الآلة في السيطرة على مزاج البدو، وقدرتها على النفاذ إلى أعماقهم.

أشكال الربابة ومكوناتها

 تأخذ هذه الآلة الوترية اشكالاً متعددة منها الصندوق الخشبي المستطيل وهذه هي الربابة السعودية، السائدة في جزيرة العرب ومنها ما هو على شكل بيضوي وهذا الشكل السائد في المغرب العربي ومنها ما هو على شكل دائري وهذا هو الشكل السائد في العراق ومصر ومنها ما هو على شكل الكمنجة وأشكال هندسية عدة، وهناك رباب يصنع من التنك وخاصة جالون الزيت، ورباب يصنع في القديم من شن الجلدة، شن القربة.

وكما هو معروف وفي المصطلح العامي الآلة مكونة من القب والذراع والقوس، فالذراع طوله في الغالب 70 سم يأخذ الصندوق «القب» 35 سم والبقية مقسمة على ذراع الوتر والمزوى والعرش، في السابق كان يعمل من عسيب النخيل أو خشب الأثل أو الخيزران، يحز في رأسه ويثقب ايضاًَ من اجل عود الميزان «المزوى» الذي يلف عليه خيط السبيب.

أما الوتر فهو مصنوع من السلك المعدني والوتر الطبيعي من سبيب الخيل، أي ذيل الفرس أو الحصان ويستحب أن يكون طويلاً تربط أطرافه بخيط حرير من اجل أن يكون الأعلى في طرف الذراع يلف على عود الميزان «المزوى» والطرف السفلي يربط في قاعدة العود عرش الربابة ولابد أن يلامس السبيب الجلد من الأسفل.

أما القوس فيستحب أن يكون قطره يساوي الذراع أو يقصر عنه قليلاً والعازف المتمكن من فنه يزيد من طول قطر القوس الذي يعمل من عسيب النخيل ويربط فيه وتر على شكل قطر دائرة ويكون أكثر جمالاً إذا شد الوتر وكان قريباً من القوس بمسافة قدرها 12 سم، وتر السبيب تربط أطرافه بخيط من الحرير وتربط في أطراف القوس وتشد، وكلما كان مشدوداً كان أكثر عطاء للصوت الحزين.

أما المزوى فهو عود من الخشب يثقب له في طرف الذراع العلوي ويحز العود من اجل أن يشد الخيط فيه ويقال له ميزان الوتر طوله لا يتعدى 10 سم.

 الربابة وابن البادية

 أول من أوجدها العرب الرحل في الجزيرة العربية ولذلك فان علاقة ابن البادية مع هذه الآلة الوترية وثيقة جداً، وكذلك ابن القرية، وأكثر من يستعملها الشعراء المداحون وتكاد تكون السمة البارزة في مجالس شيوخ البادية وتعلق ابن البادية بهذه الآلة لأنها تتناسب مع طبيعة البادية من حيث صنعها ومن حيث ملاءمتها للمناخ الصحراوي وعلى سبيل المثال أهل الساحل لا يعتنون بها، لأنها تتطلب جواً جافاً خالياً من الرطوبة، أما ابن الصحراء فهو شديد الحرص عليها والتعلق بها لسهولة نقلها في ترحاله من مكان إلى مكان وها هو الشاعر سويلم العلي السهلي يقول بعدما صنع له ربابة من (مسامة البعير)، ولأن جلد الخروف يمنحها خاصية اشترى خروفاً من اجل عمل الربابة وبعدما أنجزها تغنى بها وكان أول بيت قاله: "ما هي خسارة لو كسرت المسامة وجلد الخروف اللي بسبعة شريناه".

فالربابة ذات وتر واحد عند ملامسته وتر القوس يحدث نغمة تشكلها أصابع اليد من اجل أن تساير الجمل الموسيقية وصوت الربابة هو الصوت الوحيد المشابه لصوت الإنسان، وأهل الشمال في الجزيرة أكثر تعلقاً بالربابة من بقية سكان الجزيرة ودائماً تكون النديم الوحيد لكل مهموم وعاشق.

حكايات الربابة

حينما جاءت الشاعرة الماز أبي نادر إلى لبنان، وجدت نفسها أمام ذلك الصوت فثارت فيها رياح القصيدة، وكتبت نصاً بعنوان «الموسيقى العربية» وكأنها تقصد أن تقول: «الصوت العربي» فهي سمعت الربابة لأول مرة في حياتها مما سبب لدمائها العربية القديمة أن تتحرك وتنبض شعراً وقصيداً، وظهرت الدماء العربية من تحت اللسان المهاجر، وانكشف الصوت العربي المتواري تحت الجنسية الاميركية، ولم تعد ألماز شاعرة اميركية من اصل عربي، ولكنها صارت أذناً عربية تتفاعل مع صوت عربي، أدركت فيه جذورها القديمة وثقافتها المطمورة وكانت الربابة لألماز هي الصوت المنبه الذي أيقظها من هجرة الروح، وأشعل فيها عروبتها، فراحت تخاطب هذا الصوت بعقيدتها تلك.

التعليق