سلسلة جبال الشراة: شواهد تمتد إلى العصر الحجري

تم نشره في الأربعاء 23 كانون الثاني / يناير 2008. 09:00 صباحاً
  • سلسلة جبال الشراة: شواهد تمتد إلى العصر الحجري

أحمد الرواشدة

 

معان – تخبئ الأرض الأردنية الكثير في جوفها، فهي متحف باق للحضارات يكمن عبر رموزها معرفة الأسرار العديدة من فترات التاريخ المتعاقبة، حتى قيل انه من المستبعد أن تضرب معولاً في أي مكان من الأردن من دون أن تكشف عن دلالة أو أثر فترة تاريخية عابرة، إذ إن حركة المد والجزر والأفكار في الشرق الأردني القديم أورثت الأردن تركة أثمن من مجرد آثار، ذلك انه في هذا الرحم الخصب للثقافات القديمة تشكلت الأنظمة الدينية والأخلاقية العظيمة بالنسبة للعالم العربي الكبير.

 شواهد كثيرة تخفيها الصحارى والكهوف والأودية والجبال، وحتى في قلب مدن الأردن تكمن كنوز كثيرة تدل على أهمية هذه البقعة من الأرض.

فإلى معان عاصمة الأردن الأولى القائمة على كتف الصحراء نشد الرحال نتوقف وبالتحديد إلى الشمال الغربي من المدينة، حيث تقع(سلسة جبال الشراه) المطلة على منطقة رم السياحية. لا أحد يعرف عن الكنز الذي تحظى به من مواقع أثرية حجرية ورومانية تستحق كل الاهتمام والرعاية وتسليط الضوء، حيث تمتد هذه السلسلة من وادي اليتم شمالاً حتى سورية ومن قممها جبل مبرك ورأس أم الوزة، وجبل البطاح وجبل أم حتوانه وأم حيطان، ومن الجنوب تقع جبال حسمى وتمتد حتى الأراضي السعودية للشمال من وادي القرى مروراً بأعلى قمة في الأردن "جبل رم" وجبل أم عشرين وأبو رشراشة.

 ترتفع جبال الشراه عن سطح البحر1573 مترا، وقد عثر فيها على آثار تعود بتاريخها إلى العصر الحجري والحديدي والى الأنباط البيزنطيين والعرب، وقد عثر على مدينة قديمة تسمى"حسمى" وهي برية وجميلة من جبال عالية رملية الصخور فيها عدة أودية سحيقة بجانب تلك الجبال العامودية الارتفاع، ويمكن للمرء القادم من عمان باتجاه العقبة على الخط الصحراوي والتي تبدأ من مرتفعات "جبل أشتار" أن يرى الأودية السحيقة ويتوالى امتدادها حتى تتصل بالأراضي السعودية قريباً من منطقة المدورة إلى نقطة لا تبعد كثيراً عن جنوب العقبة "ثغر الأردن الباسم" المدينة السياحية.

 إن ما يميز تلك الجبال الشامخة والتي تشهد في فصل الشتاء ثلوجاً كثيفة صفاء الهواء النقي الذي يستنشقه المرء، إضافة إلى النباتات البرية الكثيرة وعديدة الأنواع، وتكثر فيها المراعي الخضراء في التلال والأودية بين شجر الشيح الذي تغنى به الشعراء وجو الجبال الشامخة المعتدلة طيلة أيام السنة تعطرها روائح الأعشاب لتزيد جمالاً فوق جمال.

 يؤكد السكان أن المسيحيين في الماضي القديم كانوا يقطنون هذه الجبال، وكانت آنذاك ملئية بحقول الذرة وبساتين الفاكهة والكروم تغطي الأرض وماتزال آثارها واضحة هنا وهناك، حيث توجد مساحات واسعة للفلاحين مستغلة موسمياً تدر دخلاً ذاتياً، فمن الجنوب من هذه الجبال تقع بساتين منحدرة باتجاه العقبة تعود بتاريخها إلى العصور الحجرية والرومانية والنبطية، وكانت تلقب بعصر العباسيين "بعين الإمام" أي الإمام علي بن الحسين، كما تغير اسمها اليوم إلى"عين الجمام" لوجود عين الماء التي تزود مقر الخلافة العباسية السرية في منطقة"الحميمة" على امتداد قناة تزيد على30كم، حيث كانت مجمع برك ماء تعد مصدر الحياة الوحيد في المنطقة في ذلك الوقت، وقد استخرج منها آثار رومانية ونبطية وآثار أخرى حجرية تعود إلى 9000سنة قبل الميلاد وهي من اقدم المواقع الحجرية في الشرق الأوسط إلى جانب مقابر إسلامية معروضة حالياً في مدرسة الأمير محمد بن طلال العسكرية على مقربة من جبال الشراه بمسافة لا تبعد أكثر من 5 كم، ومما يلفت الانتباه لدى الزائر بيت ريفي قديم عفا عليه الزمان يزيد عمره عن100 عام، مصمم بشكل هندسي محكم مسكون حالياً، ويكسو هذه البساتين التي يوجد فيها أيضاً أشجار معمرة كبيرة الزيتون الروماني والفاكهة بأنواعها مع استمرار تدفق عيون الماء فيها بغزارة.

التعليق