الكتّاب يهدون كتبهم والإهداءات تباع على بسطات الكتب المستعملة!

تم نشره في الجمعة 18 كانون الثاني / يناير 2008. 10:00 صباحاً
  • الكتّاب يهدون كتبهم والإهداءات تباع على بسطات الكتب المستعملة!

 

محمود منير

عمان- تشترى منى كتاباً شعرياً لأحد الشعراء الأردنيين من أحد محلات الكتب المستعملة لتفاجأ أن الصفحة الأولى للكتاب مطرزة بإهداء إلى شاعر آخر!

وعلى نحو فضولي تبدأ منى البحث في الكتب التي تغطي جميع رفوف المحل لتكتشف أن نسبة لا بأس بها قد مهرت بهذه الإهداءات ولكن بعضها قد تم طمسه بحبر أبيض.

وفي نظرة سريعة على عناوين الكتب ومؤلفيها، تكتشف منى تنوعها شعراً وقصة ورواية وبحوثاُ ودراسات، وشمولها على أسماء كتاب عرب وأردنيين.

بعض تلك الكتب أهديت من قبل وزارة الثقافة وهيئات ثقافية رسمية وأخرى أهلية لأفراد أو لمؤسسات ومدارس قبل أن تصل إلى محلات وأرصفة الكتب المستعملة! 

تتوقف منى عند كتاب "عند مشارف خندق الاستشهاد" للفنان العراقي المعروف شاكر حسن آل سعيد، ويظهر إهداء لإحدى الفنانات سجل في تاريخ 20 آذار من عام 1992.

أما من أهديت لهم هذه الكتب – وتخلصوا منها- فتبرز أسماء كتاب ومثقفين وصحفيين وتشكيليين ومخرجين وفنانين عرب وأردنيين، إضافة لأسماء هيئات ثقافية ودوائر حكومية.

في السؤال عن الأسباب التي تقف وراء بيع الكتب المهداة أو التخلص منها، يعتبر محمد رشيد، صاحب مكتبة الأصدقاء، أن الظاهرة عادية ودواعيها مقنعة حينما لا يجد الناس متسعاً لديهم للاحتفاظ بهذه الكتب فيكون بيعها هو الحل الأفضل.

"البعض يتلقى الإهداءات دائماً" ما يجعل الأمر عبئاً عليهم، بالنظر على عناوين كثيرة من هذه الكتب لا تكون موضع اهتمامهم، على حد قول رشيد.

إجابة أخرى لكنها قاسية جاءت على لسان حسين الزرعيني، صاحب أقدم كشك كتب في اربد، والذي يعتبر "سوء الأحوال الاقتصادية" أقوى الأسباب وراء بيع الكتب المهداة.

يقلّب حسين كتاباً في يده بعد أن طمس بالحبر الأبيض عبارات الإهداء، ثم يواصل الحديث مبتسماً "وهناك أناس لا يقرؤون" و"آخرون استغنوا عن الكتب" بعدما غدا الكمبيوتر مصدر معرفتهم الوحيد.

"الكتاب أثقل ارث" كما يقول حسين، وهو ما يدفع الورثة لبيع كتب متوفاهم على جناح السرعة ولا يبالون بالثمن، وهذا المصدر يعد من أهم مصادر بيع الكتب المهداة. 

ويضيف حسين أن مكتبات كبيرة أحيانا يجري بيعها أو التخلص منها بعد موت صاحبها، وتحتوي بعضها على عناوين منقرضة تعود إلى أكثر من نصف قرن، لذا تكون بعض الإهداءات لافتة.

ويرى حسين أن فائدة كبيرة تعود من خلال بيع الكتب إلى محلات الكتب المستعملة حيث تجد من يستفيد منها وخاصة من طلاب المدارس والجامعات.

أحياناً لا يقوم أصحاب الكتب ببيعها مباشرة قد يهبونها لآخرين يقومون هم ببيعها، أو يجري التخلص منها في القمامة، وعندها تصل لمحلات الكتب المستعملة عن طريق عمال النظافة أو بائعي الخردوات على حد قول حسين.

يتفق محمد رشيد مع ما أورده حسين، لكنه لا يغفل عن حارسي البنايات الذين يعدّون من أهم المصادر لجمع تلك الكتب بعد أن يتخلص منها أصحابها.

بعد أن تصل الكتب إلى مكتبته، يقوم محمد رشيد بشطب عبارات الإهداء بوساطة حبر الطمس، لكن كثرة الكتب التي تصل إليه تجعله يغفل عن كتاب هنا وكتاب هناك.

وفي التقصي عن ردود فعل الزبائن لما تقع عيونهم على تلك الإهداءات، يؤكد محمد رشيد عدم اكتراث بعضهم، فيما يحاول آخرون المساومة على سعر الكتاب.

ويلفت حسين إلى أن بعض الزبائن وخاصة من المثقفين يأسفون على الكتب المهداة حين تقع بين أيديهم ويعبرون عن أسفهم.

وغير بعيد عن هذا الأسف، يعلن الروائي والناشر إلياس فركوح استفزازه من ظاهرة بيع الكتب المهداة، وأنه ينظر إلى المسألة كونها مسألة أخلاقية بالدرجة الأولى.

وخارج منطق الاستفادة وعدمها لدى بائعي الكتب المستعملة، يعتبر فركوح أن الكتاب المهدى لا يمس شأنه بذلك شأن الهدية التي يتهادى بها الناس على أقل تقدير.

يجد الشاعر والمترجم تحسين الخطيب أثناء تطوافه المتكرر في "سقف السيل" و"سوق الحرامية" كتباً كثيرة تحوي اهداءات خاصّة من قبل كتاب أردنيين لأشخاص يفترض أنّ لهم منزلة خاصّة لدى هؤلاء الكتّاب.

لم يفوت الخطيب فرصة شراء هذه الكتب التي تباع بأرخص الأثمان وكثيراً ما تباع المجموعات الشعرية بثمن أقل يصل إلى ربع دينار للكتاب الواحد.

من العناوين اللافتة التي وقعت في يد الخطيب ذات يوم كان كتاب الشاعر علي العامري "كسوف أبيض"، وقد خطّ بخطّ يده الجميل وبطريقة فنيّة جميلة أيضاً عبارات استثنائية لشخص يُدعى الغافريّ.

ويروي الخطيب متندراً عن كتاب آخر وجده أيضاً لشاعرة أردنية كتبت في الإهداء إلى احداهن قائلة لها "إلى قطعة الشوكولا"، مستغرباً أن تلقي "قطعة الشوكولا" تلك بالكتاب إلى الأرصفة وبأبخس الأثمان!

وكان لطيفاً ان بعض شعراء وجد على بسطات الكتب المستعملة نسخة من ديوانه الأول الذي أهداه يوماً لأحدهم، وكان قد يئس من العثور عليه بسبب نفاد ما لديه من نسخ.

يحاول حسين الزرعيني التخفيف من صدمة الكتّاب عبر تذكيره بساحات شارع المتنبي في بغداد حيث كانت وما تزال تجري أهم مقايضات الكتب.

ويوضح حسين أن تلك المقايضات بغية الاطلاع على مزيد من الكتب من قبل أصحابها الذين لا يخجلون أن تضم مبادلاتهم كتباً مهداة.

"الكتاب مشاع" هكذا يعتقد حسين الزرعيني، لذلك لا يجد غضاضة في البحث عن قراء جدد لكتبه المستعملة والتي تزداد فيها الكتب المهداة يوماً بعد يوم.  

التعليق