"جرصة": صرخة من أعماق خشبات المسرح

تم نشره في الجمعة 18 كانون الثاني / يناير 2008. 10:00 صباحاً

عرض مونودرامي لبناني في ختام فعاليات "حكايا"

 

محمد جميل خضر

عمّان- من زاوية شخصية، وبديكور بسيط (إطاران خشبيان مفرغان ومقعد)، عاين الفنان اللبناني رفيق علي أحمد في مسرحيته "جرصة" التي قدمها تأليفا وإخراجا وتمثيلا مساء أول من أمس على مسرح مركز الحسين الثقافي في ختام فعاليات ملتقى حكايا السنوي، الحالة اللبنانية بمختلف تعقيداتها وزواريبها وتفاصيلها اليومية بين طوائف تشكل وطنا.

وعبر خروج جريء من فكرة أن العرض المونودرامي ينبغي بالضرورة أن يكون قصيرا، قدم الفنان اللبناني الذي ملأ الخشبة حيوات وصرخات وكوميديا سوداء ساخرة، على مدى ساعة ونصف الساعة، ما عكس بتجرد منعتق حاد وصادم، رؤيته لأحوال بلده الممزقة وولاءاتها بين الطائفة والحليف والصديق والشقيق ولقمة العيش ورغبة الحياة الحرة الصاخبة الجلية الناضجة.

ومرّ أحمد بلغة تعبيرية مالت للسهل الممتنع، على ما تعرض له بسبب خصوصية وضعه (شيعي متزوج من درزية ويحمل ابنه البكر اسما مسيحيا جبران)، من مضايقات وكيف حرقوا ديكوره في جونيه، وعذبه الأشقاء حدوديا واحتاج إلى فتوى ليتسنى له العرض في الضاحية، ولم يستقبله الجنوبيون.

وحكى في العرض اللافت عن عجزه، وأضاء وجوه الصراع بينه وبين ابنه المستهجن بقاء أبيه بعيدا عن لغة العصر من جهة، وبينه وبين والده الذي ما يزال متمسكا بالشعارات ووحدة الوطن وقدسية النضال من جهة أخرى.

وأعاد أحمد في العرض الذي لم يحظ بمتابعة لائقة لأسباب عديدة منها ما يتعلق بمواقف بعض المعنيين في الساحة المحلية من مجمل ملتقى حكايا وتحفظهم على بعض جهاته الداعمة (فورد فونديشن نموذجا) وما حمله فيلم المصرية نادية كامل من دعوات صريحة لمغازلة دولة الاحتلال الإسرائيلية، وتلميحها أن لا مشكلة حقيقية بيننا وبينهم، تقديمهم يومياته المنزلية بلغة درامية ومن خلال رؤية مسرحية أتاحت له التحرك في مساحة متوازنة بين إطارين خشبيين، يحملان إيحاء بالمرايا، ومقعد لاستراحة المقاتل من جولات التعب اليومية.

ولم تقتصر المؤثرات الصوتية في العمل على الموسيقى فقط، بل اشتملت على أصوات الحياة خارج منصة العرض؛ صوت التفزيون، صخب الناس في المقهى، أصوات أفراد عائلته، مقدمات برامج لبنانية (سوبر ستار وستار أكاديمي وغيرهما).

ووظفت إضاءة المونودراما (على بساطتها) بشكل مدروس، وطرح العرض إلى ذلك إشكاليات سياسية عربية قائمة.

ووصل التأثير الوجداني ذراه، عندما روى أحمد ما تعرض له ديكور عمله من بطش وحرق، ففي كل قطعة حرقت روح ممثل أو شخصية تحدث العرض عنها، فالديكور بحسب أحمد هو روح المسرح وأحلام الشخصيات المعروضة قصصها فوق خشبته.

وعن مرايا عمله الممثلة بالإطارين الخشبيين، قال أحمد أن شخصياته تسكن أنفاس تلك المرايا وتخاف أن تخرج منها، فتلك المرايا تعكس الواقع على حقيقته، والخوف من مواجهة الواقع أصبح صفة ملازمة للناس في بلادنا.

وكان استهل أحمد عرضه بسؤال حول ماذا يمكن أن يقدم بعد 20 عاما لم يقترب فيها من المسرح.

وقال احمد (نقيب الممثلين في لبنان) في تصريح لـ "الغد" إن المجتمع اللبناني ممزق إلى فئات "ودورنا أن نحاول تقريب الأشياء وتوضيحها وإعادة اللحمة عبر المسرح".

وأوضح أحمد أن "جرصة" تمثل "رأي مواطن لبناني حول ما يعانيه من ضغوطات اقتصادية وسياسية واجتماعية ونفسية"، ووصفها بأنها "صرخة تجاه ما يحصل في بلده من انقسامات ومن معاناة ومن قهر تاريخي للمواطن"، وعن جرعة الجرأة الزائدة في عمله الجديد قال أحمد "حين تكبر المصيبة يضطر الإنسان أن يسمي الأشياء بأسمائها".

وأردف خاتما "أخذت نموذج هذا الممثل اللبناني ووهبته اسمي ولكن هو بالتالي نموذج عن أي مواطن لبناني بمعاناته الحياتية في لبنان. لكن لا احد يمكن أن يحدد هذه المسرحية إلى أي فئة سياسية تنتمي. هذا النص يعني الناس مباشرة وهو بشكل أو بآخر معني بالوضع السياسي في لبنان لأنه يحكي الأشياء ويسميها".

وعلى مدى خمسة أيام ماضية قدم ملتقى حكايا تحت مظلة مشروع "حكايا" الذي يقوم على شراكات عديدة تقودها خمس مؤسسات وهي الملتقى التربوي العربي، مسرح البلد، المركز العربي للتدريب المسرحي، L'Echangeur/ France، و MS/ Denmark، وبدعم من مؤسسة آنا ليند للحوار المتوسطي ومكتب اليونيسكو/ الأردن ومؤسسة فورد، عروضا وحكايات وقصصا ومرويات من تسع دول عربية وأوروبية.

وتمحورت فعاليات الملتقى التي اختتمت أول من أمس، حول "القصة الشخصية" وقصص الناس ولقاءات متنوعة حول فن رواية الحكاية بين الحكائين والفنانين، عروض أفلام، كما ستتخلله ورشة عمل حول المرأة والحكي ستقام في جمعية رواد التنمية الواقعة في جبل النظيف.

وقدم "ملتقى حكايا السنوي" المتمحور كمشروع حول مركزية القصة في التعلم والفن والحياة من خلال استخدام "الحكاية" و"الحكي" كأداة رئيسية ومحركة في مجال تشجيع القراءة والتعبير ومحو الأمية في العالم العربي ضمن إطار ثقافي تربوي مفتوح، عروضا من مصر وفرنسا وفلسطين وتونس والدنمارك وإسبانيا وسورية ولبنان إضافة إلى الأردن.

ومنذ شهر آب (إغسطس) الماضي وحتى شهر شباط (فبراير) المقبل، يتبنى مشروع حكايا أنشطة عديدة أهمها تطوير موقع إلكتروني للمشروع، تكوين شبكة "حكائين بلا حدود"، عقد ورشات عمل وإقامة مفتوحة للحكائين، وعقد ملتقى حكايا وهو مهرجان متجول سينطلق من مسرح البلد في عمان إلى سورية ولبنان وفلسطين ومصر.

وفي اختتام فعاليات المرحلة الأولى سيعقد الاجتماع الثاني لمشروع "حكايا" بالتعاون مع الملتقى الإبداعي للفرق المسرحية المستقلة في الاسكندرية في شباط (فبراير) المقبل.

ويشارك في هذا الاجتماع مجموعة "أصحاب حكايا" وهي المجموعة الاستشارية القائمة على المشروع بالإضافة إلى عدد من المهتمين من منطقة المتوسط لنقاش المرحلة الأولى من هذا المشروع والعمل بشكل مشترك للتفكير بالمراحل المستقبلية من العمل المشترك.

التعليق