المبالغة في حب الذات طريق للمرض

تم نشره في الأربعاء 9 كانون الثاني / يناير 2008. 10:00 صباحاً
  • المبالغة في حب الذات طريق للمرض

 

وفاء أبوطه

عمّان- قد لا تكون نظرية عالم النفس الشهير فرويد (1905) عن النرجسية استرعت انتباه العلماء وقتها.

لكن الدراسات الحديثة استندت على نظريته التي تقول إن النرجسية هي مرحلة انتقالية لحب الذات المبالغ فيه والتطرف والانحراف.

وخلص فرويد إلى أن "النرجسية تعبر عن إحدى مراحل النمو التي يمر بها جميع الأفراد".

وأثبتت الدراسات فيما بعد العلاقة بين النرجسية والتربية، وأشهرها دراسة عالم النفس بولبي عن دور المنزل والمدرسة في نشوء النرجسية.

ويقول بولبي ان "التربية منذ الصغر تلعب دوراً في تعميق الإحساس عند الطفل بأنه لا يوجد أحد يقدّره أو يثني عليه، فتنشأ عنده الحاجة النفسية إلى الإطراء".

واتفق علماء النفس فيما بعد أن النرجسية هي مؤشر مهم للثقة بالنفس ولكن بحدود معينة، وأن مسألة تجاوز الحدود باتجاه الزيادة يؤدي إلى الغرور ثم إلى النرجسية.

وهذا الحال ينطبق على ديما (17 عاما) التي تدل تصرفاتها أنها تعاني من النرجسية, التي "تنعكس سلبيا على سلوكها تجاه الآخرين"، حسبما أفاد اختصاصي الإرشاد النفسي والأسري حسين أبو طويلة.

وتبدو على ديما مظاهر النرجسية بعدم التفكير إلا بذاتها, وعشقها لنفسها بصورة تفوق الوصف, بحسب ما أفادت والدتها.

"أعتقد أنني فتاة مميزة" عبارة تكاد لا تغيب عن حديث ديما التي تفتعل مواقف معينة تقارن نفسها بغيرها من الفتيات.

تقول ديما, وهي طالبة في الثانوية العامة, "أنا فتاة متفوقة في الدراسة وجميلة وأملك ميزات تفوق زميلاتي في الصف".

ويؤكد أبو طويلة على أن الشخص النرجسي يعتقد بأنه فوق كل نقد وحينما يكون الموضوع لا يتعلق به فلا يهتم به.

تؤكد أم ديما (35 عاما) ذلك. "ترتفع نبرة صوت ديما حينما يتعلق الأمر بالحديث عنها وعن جمالها وتفوقها, بينما ينخفض صوتها حينما يكون الحديث لا يتعلق بها".

وتتعمد ديما إشعار من حولها بمللها من الموضوع المطروح في رغبة كامنة منها لتغييره إلى موضوع آخر يمكن أن تبرز فيه.

وليس ذلك فقط, فديما تنظر دائما في المرآة, لتجد نفسها أجمل فتاة على وجه الأرض.

ويعرف أبو طويلة النرجسية بـ"تضخم مفهوم الذات عند الشخص والإفراط بالاعتداد بها فيعجب بنفسه وبقدراته وصفاته".

وللنرجسية مظاهر متعددة, ففي حين تملك ديما القدرة على المواجهة الصريحة بحاجتها للمديح, لا يستطيع حسين (30 عاما) ذلك, فيلجأ إلى إطلاق الشائعات والنميمة للتعويض عن ضعفه في المواجهة.

يعترف حسين, وهو أعزب ويعمل مصورا, إلى لجوئه للنميمة, فيقول "لا أتهم الأشخاص ظلما, فجميعهم مخطئون ولا يقدرون قيمتي".

ويقيم حسين علاقاته بناء على المنفعة والاستفادة الشخصية المطلقة,

وبسبب تركيزه على ذاته يحرم نفسه من التعرف على الحياة بما فيها من جوانب جمالية متعددة.

وهذا الانكفاء يجعل حسين, بحسب أبو طويلة, حبيس أفكار ثابتة وانطباعات سلبية ضد ما هو خارج ذاته, ولهذا لا يطوّر قدراته ونظرته للحياة.

فالبنسبة لحسين, الذي لم يتزوج لأنه لم يعثر على امرأة تليق به وتستحقه, "العزوبية أفضل من الارتباط بامرأة أقل قدرا مني".

أما رضوان (28 عاما) فعثر على المرأة المناسبة وتزوجها, لكن المشاكل بدأت بعد الزواج.

يقول رضوان, ويعمل محاسبا في شركة خاصة, "زوجتي لا تقدر قيمتي, فهي لن تجد زوجا أفضل وأذكى مني". لكن زوجته ترى فيه إنسانا يفتقر إلى دفء المشاعر ولا يلتزم بالسلوكيات والأخلاقيات القويمة.

تقول زوجته وداد "يفشل رضوان في إقامة علاقات اجتماعية سليمة, لأنه مفتون بحبه لذاته".

ويفسر أبو طويلة سلوك رضوان بأن الشخص النرجسي يتصور دائماً أنه على قدر أعلى من الشخص الذي ارتبط به عاطفيا.

ويبرز السؤال, هل النرجسية حالة مرضية؟ وكيف يصبح الشخص نرجسيا؟.

تؤكد اختصاصية التربية فاطمة الكيالي أن الأشخاص الذين يعانون من النرجسية لديهم اضطراب في الشخصية.

ورغم الإنجاز الذي يحققونه في الحياة, تؤكد الكيالي أنهم يعانون داخلياً من عدم الاستقرار النفسي وتقلب المعنويات وسرعة انحرافها وتذبذبها بين التعالي واحتقار الذات.

ولم يتفق علماء النفس لغاية اليوم على السبب المباشر لتكون سلوك النرجسية, بيد أن الكيالي ترجح عامل "التربية" التي ينتج هذا النمط من الشخصيات.

فحين يعمد الآباء والأمهات إلى كيل المديح لأطفالهم والمبالغة في الثناء عليهم بعبارات تصفهم بالجمال والموهبة أو التميز فإنهم ينمون لديهم صفات النرجسية, بحسب الكيالي.

وتثبت دراسة أجريت حديثا في جامعة ولاية سان دييجو ذلك, وتقول ان الأطفال يصدقون عبارات المجاملة والتشجيع, فيرون أنفسهم أعلى من الأطفال الآخرين.

وأوضحت الدراسة, بقيادة البروفيسور جان توينج, أن إبلاغ الأطفال بأنهم مميزون غالبا ما يؤدي إلى خلق جيل "أناني" يحتمل أن يشب أفراده ويتحولوا إلى أشخاص نرجسيين.

وتوصلت الدراسة إلى أن الاطفال في هذه الأيام باتوا أكثر أنانية عما كانت عليه الأجيال السابقة وأن اللوم في ذلك يلقى على "حركة احترام الذات" التي ظهرت إبان الثمانينيات وأيدها الآباء والقائمون على رعاية الأطفال.

وفي السياق ذاته, تؤكد اختصاصية علم النفس سهير الدويك أن الوالدان يساهمان في تعويد الطفل على الاعتداد بذاته عن طريق مبالغتهما في إطراء يتجاوز الحد لأي عمل يقوم به الطفل.

وتقول الدويك "في السنة الأولى من العمر نجد الطفل الطبيعي يبدأ بحب ذاته, وبعد عدة سنوات ينتقل ليحب الآخرين". فيبدأ الإنسان بحب ذاته ثم حبه للآخرين.

وتؤكد الدويك أن التربية المتوازنة للطفل بتعريفه بقدراته وإمكانياته الحقيقية وتشجيعه على تطويرها يمكن أن ينتج شخصيات أقل تطرفاً في الاعتداد بالذات، وأكثر انفتاحاً على الحياة.

وتكمن المشكلة, بحسب الدويك, بأن النرجسي لا يدرك أنه مريض ويحتاج علاج رغم أنه يلاحظ جفاء الآخرين وابتعادهم عنه. لأنه يرجع السبب بذلك لسلوكهم هم وليس له.

وتعود الكيالي لتؤكد على أن "حب الذات" غريزة إنسانية موجودة لدى الجميع، ولكن هذه الغريزة تظل محكومة بمنطق اجتماعي وأخلاقي يحاول التخفيف من بروزها بشكل حاد.

ويمارس النرجسي, وفق الكيالي, تصرفات معينة، فهو يمد رجليه عند الجلوس في دلالة على ترفعه على من حوله، وينزع إلى الإكثار من حركات اليدين.

أما أبو طويلة فيرى أنه يعمد إلى لمس الآخرين حتى يجذب الانتباه إليه بالقوة, ويملك لغة عيون برّاقة حينما يكون الحديث منصباً عليه ويتحدث عن مهاراته الخارقة التي يظن أن الناس لا يعيرونها أي قيمة.

وإذا زاد به البطر من شدة الاهتمام به, يصفه أبو طويلة "عيناه تدوران في المحيط كما لو كان ينتظر أشخاصاً مهمّين غير الذين يتحدث إليهم".

ويفرق الخبراء بين النرجسي والمتكبر، فالمتكبر ينتقص من شأن الآخرين بشكل معلن بسبب شعوره بعدم الأمان وعدم الثقة في نفسه.

في حين أن النرجسي لا يملك القدرة على المواجهة الصريحة فيلجأ إلى إطلاق الشائعات والنميمة للتعويض عن ضعفه في المواجهة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حب الذات (ريم)

    الأربعاء 9 كانون الثاني / يناير 2008.
    هااااي انا جد بلاحظ انو معظم المجتمع الي احنا عايشين فيه عندو نرجسية او حب الذات بس ليش؟ احنا لازم ما نكون هيك لازم نكون اوعى واعقل بمستوى تفكير عالي لانو بلدنا امانة بايدينا واحنا لازم نساهم في رفع هاي الامة والمجتمع ازا مو النا لاولادنا بعدنا وللناس الي بحبونا ازا جد خايفين على حالنا ومجتمعنا لازم نتغير اكيج؟
    اتمنى الكل يسمعني...
  • »ما الحل؟؟¿ (reem akil)

    الأربعاء 9 كانون الثاني / يناير 2008.
    هنا تم طرح المشكله لكن اين الحل؟؟¿
    الحل لمن نشعر انهم يتصرفون بنرجسيه.