سمر دودين تتطلع إلى تفعيل مناهج التنوير لبناء وعي عربي إشكالي

تم نشره في السبت 15 كانون الأول / ديسمبر 2007. 10:00 صباحاً

 

فريهان الحسن

عمّان- تتطلع مسرحية "كنز رحلة طفلة نحو بستان المعرفة" التي ألفتها وأخرجتها سمر دودين وتعرض في المركز الثقافي الملكي إلى تعميق معاني أثيرة لدى الطفل والمجتمع تتصل بالثقة والصدق، حيث تؤكد المسرحية أنهما أمران لا يباعان ولا يمكن شراؤهما.

وتروي المسرحية، التي تختتم عروضها اليوم، قصة طفلة عربية تدعى "كنز" تعتقد أن كل شيء يباع ويشترى، إذ تذهب في رحلة نحو الجبل فتختبر فهما جديدا لحياتها وعملها.

وتتمحور حكاية العمل حول معنى الأشياء في حياة فقيرة قائمة على الاستهلاك بعيدا عن البحث في المعرفة والتجربة واللغة.

وتلتقي "كنز" بـ"حي" و"سنونو الدار" في بستان المعرفة لتختبر فهمها للثقة وقيمة موروث الحكمة، ما يساعدها في استكشاف "المعاني" بدلا من الاستهلاك القائم على تغييب العقل والإرادة.

ويطرح العرض المسرحي، الذي شاهده زهاء4000 طفل منذ الرابع من الشهر الحالي، التنوع والاختلاف لوجهات النظر بكيفية رؤية "كنز" للعالم المحيط بها ورؤية "حي" لعالمه، إذ ينشأ تنوع واختلاف على 3 مستويات من الواقع، وهو الفقر الذي ليس ماديا فقط وانما فقر معرفي، والواقع الأقرب للطبيعة، وواقع اقرب للاتصال والتواصل مع الفكر التنويري واعمار العقل ويعتمد على التجربة والمشاهدة والبحث والاستقصاء والبحث في الموروث التنويري.

وتعمل مخرجة المسرحية سمر دودين في مجال الفنون الإبداعية والتربية. وتذكر أن  مؤسسة "تكوين" التي أسسست منذ العام 2003 أطلقت اول منتج عرض مسرحي للأطفال كان اسمه "حي".

وتتمحور هواجس دودين في مخاطبة الصغار والعمل معهم حول 3 مكونات رئيسية، الأول مفهوم التنوع والاختلاف كمفهوم "مؤسس للإنسانية التي نحتاجها ويحتاجها أولادنا"، والفكر التنويري العربي والإسلامي المعني بالفكر التنويري المرتبط بالحداثة والمبني على مرجعية تحترم الحوار عبر الديانات وتحترم اعمار العقل بفصل الدين عن الاشياء التي لها علاقة بحياتنا، اما المكون الثالث فهو التعبير والتأليف بجميع اشكاله مع الاطفال.

وكتبت قصتا "حي" و"كنز" من خلال حلقات نقاش مع الأطفال، حيث إن الفكر الموجود في النص ليس منعزلا عن المرحلة العمرية للأطفال، بل هو نهج مرتبط بمنتج ثقافي وواع للأطفال والشباب.

ولمؤسسة "تكوين" مساران، بحسب دودين، أحدهما موجه للأطفال الذي يأخذ شكل العرض المسرحي السنوي وورش عمل للفنون الإبداعية داخل صفوف الطلاب وورش عمل مع المعلمين والمعلمات لمشاركتهم بأحدث الأبحاث المرتبطة بعلاقة استثارة التفكير والنمو الدماغي وعلاقته بتوظيف الفنون كوسائط للتعلم.

أما المسار فينهض على اعتبار أن للمدرسة والجامعة أهمية بالغة في تطوير خطاب حداثي طليعي في الاردن و "إن لم نعطهم كل الجهد والاهتمام بعيدا عن الشعارات والمراسم والاحتفالات، فإننا سنفقد جيلا كاملا".

وتشير دودين إلى أن "مناهج الأولاد في المدارس تفتقر إلى الفكر العربي الإسلامي التنويري" مثل، ابن خلدون وابن رشد وابن البيطار وابن حزم الاندلسي وغيرهم من الذين كانت لهم بصمتهم في التاريخ، مبينة ضرورة أن يكون هؤلاء المفكرون منائر منهجية رئيسية للطلبة من المراحل الأساسية إلى المراحل المتقدمة.

وتعلل دودين عدم تناول المناهج أعمال التنوريين بـ"القلق من القدسية الموجودة لأي شيء مرتبط بالموروث العربي الإسلامي"، مبينة أن "جزءا كبيرا من هذا الموروث كان لفلاسفة ثائرين وباحثين تمردوا على السلطة الدينية الموجودة في عهدهم" وهم من انتجوا الفكر التنويري الذي أخذته اوروبا في العصور الوسطى وبنت على اساسه حضارتها.

وترتبط العروض المسرحية،كما تقول دودين، بنهج من المؤمل أن يقيم نوعا من أنواع الحراك الذي يربط الأجيال الأصغر بخبرات يسألون من خلالها أسئلة جوهرية لها علاقة بوجودهم وواقعهم.

وترجع دودين لمسرحية "حي" التي عرضت العام الماضي والتي تحدثت عن حكاية شاب يفقد كل شيء بسبب عاصفة اصابت منطقتهم، حيث يترافق مع سنونو الدار ويتعرض لقصة حي بن يقظان للفيلسوف "ابن طفيل" إذ يبحث عن القوة بداخله وجوهر الأشياء ومعانيها وتتكون لديه حالة الوعي بهويته.

وتضيف بأن العرض كان وجوديا، وتفاعل الأطفال معه كثيرا وتفاعلوا مع المحسوس والملموس،"وعند ذهابنا لمدرسة الطلاب الذين حضروا العرض لعقد حلقة نقاشية كانت اسئلة الطلبة اسئلة وجودية وتنم عن استيعابهم لما يشاهدونه ومحاولة تفسيره".

وتلفت دودين إلى أن العرض غير تعليمي، إذ "إننا لا نريد ان نعلم بأسلوب مباشر، فالعرض فني ويختبر عالم الطفل ليصبح لديه تمدد وتوسع بوعيه، مبينة أن نظرية أن يفهم الطالب كل شي نظرية غير سليمة نمائيا، فالطفل يجب ان يختبر الأشياء ليشكل فهمه تبعا لمرحلته العمرية.

وتجد دودين المتخصصة في مجال الاطفال والشباب منذ 25 عاما أن التواصل الحسي والحركي والروحي للطفل يغذيه الفن الذي يحمل المعنى، مشيرة إلى أن الأطفال والشباب يمرون بخبرات تتناول الأسئلة والجوهرية الملحة المرتبطة في حياتهم.

وتعطي دودين مثالا على هذا بسؤال "كنز" في العرض المسرحي عندما تمر في مرحلة تتواجه خلالها مع "حي" وتختبر معه معرفتها ومعنى الثقة والصدق الذي لا يباع ولا يشترى، وتختبر معه قيمة الشراء والبيع بأن هنالك أشياء لا ثمن لها هي ملك الجميع.

وتبين دودين "بأن مفهوم المال الذي يأتي بلا معرفة هو السبب في كل انواع الحروب التي نحن بها، إضافة للدمار والتراجع الأخلاقي والمسؤولية الانسانية".

وتشير دودين إلى أن ورشات العمل مع الاولاد في الصفوف، لا تمنحنا توقعا أن يكون الأولاد قد وصلوا لجميع المفاهيم، "لكن الفن يثير لديهم عاطفة توسع آفاقهم وتفكيرهم ووعيهم".

وتضيف نقوم بطرح الأسئلة الجوهرية على الأطفال عند زيارتهم للمدرسة مع الشخصية الرئيسية للعرض المسرحي، ونطبق أمام المعلمات مجموعة من الاستراتجيات البسيطة المرتبطة بتوظيف الفنون كوسائط للتعلم، مبينة أن القضايا التي تثار مع المعلمين هدفها "التواصل معهم لعميق الاتساع في أفق تفكيرهم، وبالتالي الاتساع في أفق تفكير الطفل.

وتؤكد دودين على ضرورة العمل الحقيقي برفع أداء الفنون وتناول سؤال الاختلاف وقبوله وسؤال التعبير الحر والتعبير عنه بكل المعاني، مبينة أن "التغيير مرتبط بتحرير طاقة التحول من خلال منظومة القيم التي نحملها وتأصيل الخطاب".

التعليق