المراوحة بين مجتمع الريف والمدينة تفرض نمطا فريدا من الخصوصية

تم نشره في الاثنين 22 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 09:00 صباحاً
  • المراوحة بين مجتمع الريف والمدينة تفرض نمطا فريدا من الخصوصية

رشا عبدالله سلامة

عمّان- "لم يدر في خلدي إطلاقاً أنني سأتغير إلى هذا الحد"،بهذه الكلمات يتحدث عبدالله (56 عاماً)،والذي يعمل دكتور لغة إنجليزية في إحدى الجامعات الرسمية،عن مبادئه فيما يتعلق بثقافة الخصوصية في مجتمعنا.

ويضيف عبدالله "كنت إنساناً مختلفاً تماماً أثناء دراستي في الخارج،إذ كانت مسألة الخصوصية بالنسبة إليّ مغايرة عمّا هي عليه الآن،لم أكن أكترث بالستائر المفتوحة ولا بمدخل المنزل ذي الباب الزجاجي المكشوف ولا بمعرفة من حولي لأسماء أفراد أسرتي".

ويستدرك قائلاً "وفي المقابل لم يصادفني ولو شخص واحد يسأل عن راتبي أو علاماتي في مساقات الماجستير والدكتوراة، أما هنا فالحال مقلوب تماماً،إذ يحرص كل فرد على خصوصيته بينما يسمح لذاته باقتحام خصوصيات الآخرين بكل جرأة".

وعن تفاعله مع هذه التغيرات الاجتماعية يقول"بدأت بتقمص هذه المبادئ الجديدة شيئاً فشيئاً، إذ حرصت على مراعاة ملاحظات من حولي فيما يخص بناء سور المنزل،والحرص على إسدال الستائر طوال المساء، ومراعاة عدم كشف أسماء أفراد عائلتي أمام الغرباء"، مردفاً "كما خفّ استهجاني عند سؤال أحدهم عن راتبي في الجامعة، أو عن تكلفة منزلي الذي بنيته حديثاً".

يعلق على ذلك دكتور علم الاجتماع حسين محادين قائلاً "لم تستقم مفاهيم الخصوصية في مجتمنا، ذلك أن هويته لم تتحدد بعد، إذ لا زال المجتمع يراوح بين الريف والمدينة بكل من قيمهما المتباينة".

ويوضح "في الريف ترتفع نسبة التكافل الاجتماعي وتزداد قيمة الجماعة،وبالتالي فإن الخصوصية تكون إلى تلاش،مقابل المدينة التي ترتكز على الفردية،فإنجازات الفرد ومقدرته المادية ووضعه الاجتماعي هي المحاور الذي تدور حولها حياته،وبالتالي فإن الخوض في الخصوصيات كالراتب والعمر ودرجة الالتزام الديني أمر مرفوض ويبعث على الاستهجان".

ويردف محادين "ونتيجة إلى أن المجتمع الأردني ليس مدنياً بالمعنى العلمي الدقيق،فإن التناقض واللُبس يكتنف نسيجه الاجتماعي"،مضيفاً "لذا فإن معظمنا لازال يتخبط بين المظهر المدني والموروثات الريفية في طباعه وشخصيته".

ويتفق مع هذا الرأي خبير مهارات الاتصال ماهر سلامة،إذ يقول "للثقافة الدينية أثر كبير على الخصوصية في مجتمعنا،بالإضافة إلى ثقافة السر والعلن التي تنتشر لدينا بدرجة كبيرة".

وعن هذه الثقافة يقول "شعور الفرد بالكينونة لدينا غير ناضج، إذ لدينا قلق دائم من أن نكون مستباحين من قِبل الآخرين، وجراء ذلك نسعى دوماً لإخفاء بعض وقائع حياتنا التي لا تستدعي السريّة بالضرورة، إذ إنها في معظمها سنن طبيعية يشترك فيها جميع الأفراد".

ويضيف سلامة "لم تكن تأبه مجتمعات الفلاحين بهذا الأمر على الرغم من بساطتها،إذ كانت مجتمعات إنتاجية تستثمر وقتها ليلاً ونهاراً بعيداً عن القشور، أما الآن فمجتمعاتنا باتت فردية وانطوائية، ولم يعد للآخر ذات الأهمية التي كان يحظى بها سابقاً".

ويعزو استشاري الطب النفسي الدكتور خليل أبو زناد تناقض ثقافة الخصوصية في مجتمعاتنا إلى "العامل الديني من طرف، ومجتمعنا المترابط اجتماعياً من طرف آخر"، موضحاً "يحض العامل الديني على التستر ومراعاة واحترام الخصوصية، بيد أن مجتمعاتنا التي لا زالت تصنف بالمتماسكة اجتماعياً تعزز من قيم المشاركة وانتفاء الخصوصية".

ويضرب أبو زناد المثال على ذلك بـ"محيط الأقارب والأصدقاء والجيران،الذين يعتبر كل منهم أنه من ضمن الأهل وأن له الحق في السؤال والاطمئنان على الفرد"، مشيراً إلى أن

هذا التدخل "لا ينم عن فضول بالضرورة، بالقدر الذي ينم فيه عن قيم الترابط، كما أنه وسيلة من وسائل التحبب بين الأفراد".

وكان الكاتب الأميركي ديفيد برين قد قال في الخصوصية "عندما يأتي الأمر للخصوصية والعلن، فالكل يتمنى الأولى لنفسه والثانية للآخرين".

التعليق