خالد بن الوليد

تم نشره في السبت 6 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 10:00 صباحاً
  • خالد بن الوليد

جيل القدوة (18)

 

د. محمد مصطفى ناصيف

هو خالد بن الوليد بن المغيرة بن مخزوم القرشي المخزومي كنيته "أبا سليمان" وهو ابن أخت أم المؤمنين " ميمونة بنت الحارث " (رضي الله عنها) ولد سنة 34 قبل الهجرة، وقف بداية صاداً للدعوة المحمدية وأهلها إلى أن شاء الله، ولم يعد يعرف لحياته بدءاً إلا ذلك اليوم الذي صافح فيه الرسول صلى الله عليه وسلم مبايعاً، مع صديقيه عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة (رضي الله عنهما) وقال : بايعت رسول الله وقلت: استغفر لي كل ما أضعت فيه من صدّ عن سبيل الله، فبايعه رسول الله على ذلك، واعلمه أن الإسلام يجبّ ما قبله، كان طويلاً ضخماً أبيض شبيهاً لسيدنا عمر عاش جاهليته بحياة الرفاهية في كنف أبيه لوفور المال والنفوذ والسلطان، فاستقام عوده، واشتد ساعده، وانتظمت فتوته وركوبها.. والسيف والصول بها، شغفه بالخيل والفروسية، ولّته قبيلته القبّة والأعنّة وهي إعداد الجيوش وتجهيزها والأعنة تحمّل مسؤولية قيادة الفرسان ومن لها غير خالد.. الذي أسلم وصاحبيه في أول صفر سنة ثمان للهجرة.

جهاده:

يضيق الزمان، ولا تتسع صفحات الأوراق لوصف شجاعته وبطولاته وجهاده، إذ كان أول عمل جهادي قام به فور إسلامه مشاركته المسلمين في معركة مؤتة التي وقعت في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة في أيلول سنة 629م، وقد ذكر رسول الله أمر القادة الثلاثة: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة (رضي الله عنهم)، وأوضح أمر استشهادهم وهو بين أصحابه في المدينة وقال: ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله، ففتح الله على يديه، لقد كان هذا السيف الذي أشار إليه النبي الكريم : هو خالد بن الوليد حيث رضي المسلمون إمرته ليكون النصر المؤزر على يديه.

 ثم تنقض قريش عهدها مع رسول الله فيتحرك المسلمون تحت قيادته لفتح مكة، في العاشر من رمضان سنة ثمان للهجرة الثالث من كانون الثاني 630م،  حيث كان أميراً على الجناح الأيمن من الجيش، ويظل البطل خالد إلى جانب رسول الله، واضعاً كفاءاته المتفوقة في خدمة الدين الذي آمن به من كل يقينه بعد أن نذر له كل حياته. وبعثه رسول الله  صلى الله عليه وسلم إلى العزى وكان بيتاً عظيماً لقبيلة مضر تعظمه وتبجله فهدمها وقال:

       يا عزى كفرانك لا سبحانك            إني رأيت الله قد أهانك.

وبعد أن يلحق الرسول الكريم بالرفيق الأعلى، ويحمل أبو بكر مسؤولية الخلافة ورغب في قيادة جيوش المسلمين بنفسه لولا اعتراض "علي" الذي أخذ بزمام راحلته التي كان يركبها وهو ماض أمام جيشه الزاحف فيقول له: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ إني أقول لك ما قاله رسول الله يوم أحد: لم سيفك يا أبا بكر، ولا تفجعنا بنفسك..تلك هي عظمة عليّ حيث يقدّر الأمر ويعطيه حقه..وأمام إجماع المسلمين رضي الخليفة أن يبقى في المدينة، وجعل خالداً أميراً لإحدى المجموعات وبعبقريته المشهودة بعد توفيق الله تمكن من إحراز النصر للمسلمين في أشرس معركة لاقاها المسلمون حينذاك، ثم أمره الخليفة بالتوجه إلى العراق وفارس وكانت بدايتها بمعركة (ذات السلاسل) حيث تم النصر للمسلمين، ثم انتقل إلى وقعة "الثني" ليخرج منها منتصراً، ثم يوم الولجة، فيوم الحيرة وما جرى فيها ليعود خالد لإعداد الجيش إعداداً جيداً تهيئه لموقعة هامة هي معركة، " دومة الجندل " التي انتهت كسابقاتها بنصر الجيش الإسلامي، وتمضي الأيام ويعدّ الكفرة جيوشهم قائلين: والله لنشغلن أبا بكر عن أن يورد خيله إلى أرضنا، وأرسل قادة المسلمين إلى الخليفة بالصورة الرهيبة للموقف فقال أبو بكر والله لاشفين وساوسهم بخالد، وخالد حقاً لها، ويستعد الروم للمسلمين في اليرموك بمائتين وأربعين ألفاً وبايع الأبطال المغاوير عكرمة على الموت.. وظلت المعركة بين كر وفر حتى قيض الله النصر للمسلمين في خاتمتها، وما أروعك خالد عندما تدمدم بمعولك وأنت تهدم عزى وتقول :

يا عزى كفرانك لا سبحانك..إني رأيت الله قد أهانك. لقد قمع فتنة الردة.. وذل الأكاسرة.

وعندما حان وقت الرحيل إلى الله ينام خالد في فراشه وتنساب دموعه حارة ويردد كلماته الخالدة: لقد شهدت مواقع كثيرة، وقاتلت في مائة حرب، وما في جسدي موضع إلا وفيه ضربة سيف، أو طعنة رمح، أو رمية سهم، ثم ها أنذا أموت على فراشي حتف أنفي، كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء، وها أنا أموت على فراشي، وما من شيء أرضى عندي بعد لا إله إلا الله من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين بتّها وأنا مفترش والسماء تنهلّ عليّ وأنا أنتظر حتى أغير على الكفار.. فعليكم بالجهاد..ومضت روحه الطاهرة إلى بارئها في 18 رمضان 20 من آب سنة 642م سنة 21هـ وجسده في حمص وبكاه الناس، وصمت السيف المسلول، وصهل جواده الأشقر..صهيل الوداع.

بعض ما جاء في حقّه (رضي الله عنه) على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم:

* عن وحشي بن حرب أن أبا بكر عقد لخالد بن الوليد لواء قتال أهل الردة وقال: إني سمعت رسول الله ? يقول : " نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سلّه الله على الكفار والمنافقين" (رواه أحمد والطبراني) .

* عن قيس بن أبي حازم قال : أخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تسبوا خالداً فإنه سيف من سيوف الله سلّه الله على الكفار" (رواه أبو بعلي).

*عن عبد الله بن جعفر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نعى أهل مؤتة، قال: ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه" (رواه الطبراني).

التعليق