معاذ بن جبل: "أعلم أمتي بالحلال والحرام"

تم نشره في السبت 29 أيلول / سبتمبر 2007. 10:00 صباحاً

جيل القدوة (12)

 

محمد مصطفى ناصيف

معاذ بن جبل بن عَمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، وكنيته "أبو عبد الرحمن"، كان معاذ من السابقين إلى الإسلام، ونجماً من نجوم سمائه التي استضاء بها الناس، فكان ممن بايع يوم العقبة الثانية، أسلم وعمره ثمانية عشر عاماً كان من أفضل شباب الأنصار حلماً وحياءً وسخاءً، يمتلك عقلاً أحسن تدريبه..ومنطقاً آسراً مقنعاً ينساب في هدوء وإحاطة.

كان رسولَ المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى اليمن يعلمهم الإسلام وأمور دينهم.. سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم:حين وجهه إليها، بم تقضي يا معاذ؟ فأجابه قائلاً: بكتاب الله.. قال الرسول: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال معاذ أقضي بسنة رسوله. قال الرسول: فإن لم تجد في سنة رسوله؟ قال معاذ: اجتهد رأيي،لا آلو فتهلل وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله، فبلغ من الفقه والعلم الذي جعله أهلاً لقول الرسول عنه: أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل.

وكان  أمير المؤمنين عمر يستشيره كثيراً ويقول عنه في بعض المواطن لولا معاذ بن جبل لهلك عمر.

لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات صباح فسأله: كيف أصبحت يا معاذ؟ قال: أصبحت مؤمناً حقاً يا رسول الله. قال النبي: إن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قال معاذ: ما أصبحت صباحاً قط إلا ظننت أني لا أمسي، ولا أمسيت مساءً قط إلا ظننت أني لا أصبح، ولا خطوت خطوة إلا ظننت أني لا أتبعها غيرها، وكأني أنظر إلى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها، وكأني أرى أهل الجنة ينعمون، وأهل النار في النار يعذبون، فقال له الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم عرفت فالزم. قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معاذ: والله إني لأحبك(رواه أحمد والترمذي). روى عن رسول الله 157 حديثاً.

إن رجلاً له مثل أسبقيته إلى الإسلام ومثل إيمانه ويقينه لا يتخلف عن رسول الله في مشهد ولا غزاة، وهكذا صنع معاذ فقد شارك في بدر وهو ابن عشرين عاماً، ثم شهد باقي المشاهد لينضم إلى جيش أبي عبيدة في فتح الشام،ولما أصيب أبو عبيدة بالطاعون في عمواس استخلف على الناس معاذ بن جبل،فقام خطيباً بعده فقال: أيها الناس إن هذا الوجع رحمة من ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم، وإن معاذاً يسأل أن يقسم لآل معاذ فيه حظه، فطعن ابناه فقال: كيف تجدانكما قالا: يا أبانا "الحق من ربك فلا تكن من الممترين". قال: وأنا ستجداني إن شاء الله من الصابرين كما طعنت امرأتاه وصبر لذلك أيضاً.

وحان الأجل بدعوة إلهية، وإذ بكلمات هادئة تنطلق مع سكرات الموت تناجي الرب الرحيم.. فيقول أمام العلماء يوم القيامة،"(اللهم إني كنت أخافك لكنني اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات، ونيل المزيد من العلم والإيمان والطاعة)، بهذه الكلمات ودع معاذ الدنيا مصاباً بنفس الطاعون سنة ثماني عشرة للهجرة وهو ابن تسع وثلاثين سنة، ليبلغ النعي أمير المؤمنين عمر فيطرق في مجلسه ملياً ثم يرفع رأسه وبصره إلى الناس قائلاً: رحم الله معاذ بن جبل لو أدركته فاستخلفته فسألني ربي عنه لقلت: يا ربي سمعت نبيك يقول:(إن العلماء إذا اجتمعوا يوم القيامة كان معاذ بن جبل بين أيديهم).

عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية

التعليق