رحاب الأولين

تم نشره في الاثنين 17 أيلول / سبتمبر 2007. 10:00 صباحاً
  • رحاب الأولين

الاطمئنان في رحاب رمضان

 

د. عبد الله فرج الله

كانت رحاب رمضان رحاب الأولين من سلفنا الصالح - رحمهم الله- بلا منازع، هم فرسانها الذين لا يشق لهم فيها غبار، وهم أهلها الذين لا يغفلون عن لحظة من لحظاتها، وهم خطابها وطلابها وربانها.. قدروها حق قدرها، وأنزلوها منزلها، ورفعوا شأنها، وأحسنوا ضيافتها، وصدقوا في اغتنامها، وتفانوا في حبها والحرص عليها.. لأنهم أعدوا لها قلوبهم، تزكية وتنقية.. وأروحهم، حباً ورغبة.. ونفوسهم، سمواً وصدقاً.. فكانوا بحق من نوع آخر.. نوع صاغه القرآن، ورفعه الإيمان..

إذَا أَعْجَبَتْك خِصَالُ امْرِئٍ *    فَكُنْهُ يَكُنْ مِنْك مَا يُعْجِبُكْ

فَلَيْسَ عَلَى الْمَجْدِ وَالْمَكْرُمَاتِ * إذَا جِئْتَهَا حَاجِبٌ يَحْجُبُكْ

قال فيهم من عرف خبرهم، ووقف على حقيقة أمرهم:" لله در أقوام تأملوا غيبها(الدنيا).. وما زالوا حتى رأوا عيبها.. فنزلوا من الدنيا  منزلة الأضياف.. أخذوا الزاد، وقالوا : ما زاد إسراف.. ووقفوا عند الهموم ، والمؤمن وقاف.. رموا فضول الدنيا من وراء قاف..

لو رأيتهم في الدجى يراعون النجوم.. وخيل الفكرة قد قطعت حلبات الهموم.. يشكون جرح الذنوب ويبكون الكلوم.. أحرقت أحزانهم أجسامهم، وبقيت الرسوم.. بلغتهم البلغ، ورمتك التخم في التخوم.. سكروا من مناجاة الكريم، لا من بنات الكروم.. أصبحت عليهم آثار الحبيب، والطيب نموم ( مخبر).. هذه سلع الأسحار من يشتري من يسوم؟!.. أين قلبك الغائب قل لي: من تلوم ؟!.. جسمك في أرض العراق، وقلبك في أرض الروم..".

" إن لله عز وجل عباداً كمن رأى أهل الجنة في الجنة، خالدين، وكمن رأى أهل  النار في النار خالدين، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة ، حوائجهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أياما قصاراً تعقب راحة طويلة، أما الليل فصافة أقدامهم، تسيل دموعهم على خدودهم يجأرون إلى ربهم: ربنا.. ربنا..، وأما النهار فحلماء علماء بررة اتقياء، كأنهم القداح من السهر والتعب ، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى، وما بالقوم من مرض، ويظنهم خلطوا، ولقد خالط القوم من ذكر الآخرة أمر عظيم " .

" ظهرت منهم علامات الخير في السيماء والسمت، والهدى والصدق، وخشونة ملابسهم بالاقتصار، وممشاهم بالتواضع، ومنطقهم بالعمل، ومطعمهم ومشربهم بالطيب من الرزق، وخضوعهم بالطاعة لربهم تعالى، واستفادتهم للحق فيما أحبوا وكرهوا ، وإعطائهم الحق من أنفسهم، ظمئت هواجرهم، ونحلت أجسامهم، واستخفوا بسخط المخلوقين لرضى الخالق، لم يفرطوا في غضب، ولم يحيفوا في جور، ولم يجاوزوا حكم الله في القرآن، شغلوا الألسن بالذكر، بذلوا لله دماءهم حين استنصرهم، وبذلوا أموالهم حين استقرضهم، ولم يمنعهم خوفهم من المخلوقين من إنفاذ حكم الخالق، حسنت أخلاقهم، وهانت مؤونتهم ، كفاهم اليسير من دنياهم إلى آخرتهم".

فحتى يحسن المسير، ويحصل لك الاطمئنان، فلا بد من قدوة تقتفي أثرها، وأسوة تسير على هديها، تحاكي روحك روحه، وتناجي أحلام مسيرك، أحلام مسيره.. فيزداد المسير ثباتاً، ويعظم الالتزام قوة وصلابة.. فلا تزعزعه اضطرابات، ولا تحركه عاتيات، ولا تنال منه ابتلاءات.. فالنظر أيها السائر الحبيب في سير الأولين من سلف هذه الأمة الصالح، جندي من جنود الله، يثبت به الله الذين آمنوا، كما قال الإمام العارف بالله الجنيد- رحمه الله-. فاتخذ إليهم سبيلاً، وأقم بينك وبينهم جسوراً، واجعل لك معهم نسباً ومصاهرة.. "فأولئك الذين هدى فبهداهم اقتده"..

أكاديمي أردني

التعليق