إطلاق كتاب عن القدس يرصد ما تعرضت له خلال العامين

تم نشره في السبت 21 تموز / يوليو 2007. 10:00 صباحاً
  • إطلاق كتاب عن القدس يرصد ما تعرضت له خلال العامين

عمّان- الغد- أطلقت مؤسسة القدس الدولية (كتاب القدس 2005-2006)، وهو كتاب توثيقي استقرائي يرصد كل ما حصل في القدس خلال العامين 2005-2006.

الكتاب الذي قدّم له الشيخ عكرمة صبري خطيب المسجد الأقصى ورئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس، والمطران عطا الله حنّا رئيس أساقفة سبَسطية للروم الأرثوذكس في القدس، يستقي أخباره من الصحف والمواقع الفلسطينية والعبرية والمواقع الإلكترونية المهتمة بشؤون القدس والتي تم رصدها بشكلٍ يومي على مدى العامين المذكورين.

يُصنّف الكتاب الأحداث المرصودة في ثمانية فصول، مقدِّمًا لكل فصل بقراءة تحليلية تربط الأحداث محاولاً استشراف التوجّهات والمخططات المستقبلية للقدس، خصوصًا المخططات الصهيونية لتهويد المدينة، واقتراح آليات المواجهة المناسبة لهذه المخططات.

 في الفصل الأول يتطرق الكتاب إلى المقدسات الإسلامية، ولا سيما المسجد الأقصى الذي ينبِّه الكتاب إلى أنه يقع الآن أكثر من أي وقت بين فكيّ التقسيم بين اليهود والمسلمين، في خطوة تمهيدية للاستيلاء عليه بالكامل حينما يواجه مصيره المحتوم بالانهيار إذا بقيت الأمور على حالها في نبش أساساته التي لم تعد تقوى للصمود أمام أي هزة أرضية، ويرصد الكتاب 74 انتهاكاً للمسجد الأقصى خلال العامين المذكورين، بينها 38 عملاً عدائياً صدرت عن جهات حكومية في دولة الاحتلال، و28 أخرى صدرت عن جهات غير حكومية من مستوطنين أو منظمات استيطانية، علماً أن التقرير لم يحتسب التكرار، فعدّ منع دخول المصلّين تحت سن الأربعين اعتداءً واحداً رغم أنه ظل مستمراً على مدى 53 أسبوعًا لكل عام.

أما الحفريات الجديدة التي كُشف عنها خلال العامين 2005-2006 فبلغت 8 حفريات تركّزت في محيط ساحة البراق وإلى الشمال منها في محيط باب السلسلة، أحد أبواب المسجد الأقصى المبارك، وقد حاول معدّو الكتاب رسم خارطةٍ تقريبية لمواقع التهديد الحالية في محيط المسجد الأقصى، وحاولوا تخيّل السيناريو الأكثر احتمالاً لتنفيذ تقسيم المسجد بين اليهود والمسلمين، وهو السيناريو الذي رأوا أن الأحداث تشير إلى أن سلطات الاحتلال تسعى لتنفيذه.  

وفي سياق الحديث عن المقدسات الإسلامية يتطرق الكتاب إلى محاولة تغيير الطابع العربي الإسلامي للمدينة والتي كانت هاجسًا صهيونيًّا تجلّى في شكل واضح خلال العامين المنصرمين. وبدت ملامحه في الاعتداء على المقابر الإسلامية والمساجد والآثار، ومحاولة بناء مبانٍ يهودية مكانها، أو على الأقل تغيير معالمها الإسلامية بشتى الطرق.

 ويتناول الفصل الثاني من الكتاب المقدسات المسيحية في القدس، ولا سيما الوجود الأرثوذكسي، ويسلط الضوء على بنية الكنيسة الأرثوذكسية من جهة، وعلى أملاكها وكيفية التصرف فيها من جهة ثانية. في الجهة الأولى يرصد الكتاب أوجه الصراع القائم من أجل تعريب الكنيسة الأرثوذكسية، وتصاعد نضال الرعيّة الأرثوذكسية في فلسطين لتحقيق هذا المطلب خصوصاً بعد صفقة تسريب أملاك ساحة عمر في البلدة القديمة، وفي الجهة المقابلة يوضّح الكتاب حجم الأملاك المسيحية في القدس، وهي في معظمها تبرّعات أوقفها مسيحيون فلسطينيون للكنيسة الأرثوذكسية في الأراضي المقدّسة، خصوصاً خلال الأزمات المالية التي عصَفت بها بعد مصادرة أملاكها في رومانيا عام 1862 بقرارٍ قيصري روسي.

ويستعرض الكتاب آلية إدارة هذه الأملاك وأوضاعها الحالية خاصة بعد كشف النقاب عن "صفقة باب الخليل" التي "أُجّرت" بموجبها ساحة عمر لمستثمرين يهود لمدّة 198 عامًا وكُشف عنها في 18/3/2005، ويُعتقد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تسلّم المدينة في هذه الساحة من صفرونيوس بطريرك القدس إبان الفتح الإسلامي، وهي تقع في البلدة القديمة وتشكّل عصب توزيع الطرقات عند باب الخليل ومنها يتفرّع الطريق المؤدّي إلى البطريركية الأرثوذكسية ذاتها وهي تحوي فندقين و27 محلاً تجاريًا.

 وفي الفصل الثالث يرصد الكتاب الحراك السياسي والاجتماعي في القدس، مُركّزًا على المفاصل الرئيسة التي مرَّ فيها المجتمع المقدسي ومنها الانتخابات الرئاسية والبلدية والتشريعية والجامعية بهدف معرفة الميول العامة للمقدسيين، ومعرفة السلوك الإسرائيلي تجاه المقدسيين في هذه الانتخابات من حيث منع التصويت والتضييق والملاحقة.

 في الوضع الاجتماعي يحاول الكتاب رصد تأقلم المقدسيّين مع إجراءات الاحتلال ضدهم، وما ينتج عن تأقلمهم الذاتي من آثار ونتائج، وأبرز أشكال هذا التأقلم خلال الفترة التي رصدها الكتاب كانت موجة انتقال المقدسيين الذين عُزلوا عن القدس خارج الجدار إلى المناطق الواقعة داخل الجدار، كما يرصد الكتاب دور إدارة الاحتلال في نشر آفات عديدة في المجتمع المقدسي ولا سيما آفة المخدرات.

 الاستيطان وشؤون الاحتلال كانا محور الفصل الرابع الذي بحث في التداعيات السلبية المترتبة على بناء الجدار العازل في القدس، والتوسع الاستيطاني الذي من شأنه أن يغير وجه المدينة. كما بحث المواقف والآراء والاقتراحات السياسية الإسرائيلية المتعلقة بموضوع القدس، وصولاً إلى الهاجس الديموغرافي والخوف الإسرائيلي من التزايد السكاني للمقدسيين مقابل التناقص السكاني اليهودي في القدس، خصوصاً أن الأرقام التي كشفتها الجهات المختصة في دولة الاحتلال تقول إن محصلة الهجرة اليهودية من وإلى القدس كانت لمصلحة المغادرين من المدينة، إذ زاد عدد المهاجرين من المدينة على عدد المهاجرين إليها خلال العامين 2005-2006 بحوالي 7,000 مهاجر، ناهيك عن أن محصلة الهجرة اليهودية على مدى الإعوام الخمسة والعشرين الواقعة بين عامي 1980-2005 كانت لمصلحة أولئك الذين غادروا المدينة، إذ كانوا أكثر بحوالي 105,000 من أولئك الذين وفدوا إليها. هذا الهاجس الديمغرافي الذي يهدّد حلم يهودية المدينة كعاصمة لدولة الاحتلال دقّ ناقوس الخطر في كل الأوساط اليهودية المعنية، وقاد بالتالي إلى طرح مشروعات قد تكون الأخطر على المدينة في محاولةٍ مستميتةٍ للحفاظ على أغلبية يهودية فيها.

 ولفهم الصورة الحقيقية للمجتمع الإسرائيلي، خصّص الكتاب الفصل الخامس للتعقيب على شؤون المستوطنين، وبيّن طبيعة التجاذب القائم بين التيار الديني والتيار العلماني في المدينة ورصد أوجهه، خصوصاً مع تزايد أعداد المتديّنين في المدينة وبداية نشوء ظروف طاردة للصهاينة العلمانيّين، وهو أمر بدأ يغير نظرة المجتمع الصهيوني للقدس التي بدأ يرى فيها مدينةً للمتديّنين. يرصد الفصل كذلك الجهود المتواصلة التي تقوم بها المنظمات والجمعيات الصهيونية لتكريس الوجود اليهودي في البلدة القديمة، والاستثمارات التي توجّهها بعض الشركات المرتبطة بها لدعم مستوطنات القدس بغض النظر عن حسابات الربح والخسارة.

 ويتناول الفصل السادس من الكتاب الاعتداءات على السكان المقدسيين، ويفصّل الكلام بين اعتداءات جسدية، واعتداءات على الحقوق المدنية. الاعتداءات الجسدية المرصودة من خلال المصادر الصحفية كانت 14 حالة قتل، و89 حالة إصابة، إضافة إلى 1,269 حالة اعتقال هذا غير 65 حالة ضرب وتنكيل على الأقل. أهم الاعتداءات المرصودة على الحقوق المدنية كان سحب بطاقات الإقامة الزرقاء التي تسمح للمقدسيّين بدخول مدينتهم والإقامة فيها، وقد سحبت سلطات الاحتلال 1,585 بطاقة خلال العامين 2005-2006.

 بعد الاعتداء على المقدسيين، يتناول الفصل السابع الاعتداء على أملاكهم، ويعرض عدد المنازل المهدّمة في القدس خلال العامين 2005-2006 والذي بلغ 198 منزلاً اعتماداً على الإحصاء الميداني للمؤسسات المتخصصة في داخل فلسطين، ويورد حجم الأراضي المصادرة والمجرّفة بناءً على التقديرات الصحفية، ويؤكد التقدير أن هذه التقديرات هي للاستئناس فقط لأنها تفتقر إلى الدقة العلمية وغير مبنية على معاينةٍ ميدانية، كما أنها غير شاملة لكل الاعتداءات إذ إن بعض الاعتداءات على الأملاك لا تجد طريقها لوسائل الإعلام، وبالتالي لا تجد طريقها للرصد.

 ويسلط الفصل الثامن والأخير للكتاب الضوء على التفاعل مع أوضاع القدس من حيث الجهات المتفاعلة وشكل تفاعلها ودرجة تأثيره. الطرف الأكثر تفاعلاً من خارج المدينة كان فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 الذين يرى فيهم الكتاب الحامي الأول للقدس إلى جانب المقدسيّين، ويحذر بناءً على ذلك من أن سلطات الاحتلال ستسعى في المراحل التالية إلى تحجيم تأثيرهم هذا وتقييده. أما بقية الجهات فلم يتجاوز دورها التأثير الطفيف، أو الرغبة في التفاعل دون القدرة عليه، أو الاقتصار على التفاعل الصوتي مع قضايا القدس. يخلص الكتاب كذلك إلى أن الأحداث التي كانت تحظى بالتفاعل هي الأحداث ذات الضجة فقط، بينما كانت تطوّرات جسيمة وخطيرة تمرّ دونما أي تفاعل، مثل استحداث مجالٍ أمني في محيط الأقصى يسمح بمراقبته المطلقة ليلاً نهاراً وقد مر هذا المجال من دون أي تفاعلٍ خارجي تقريباً.  

 ويخرج الكتاب بجملة توصيات تصلح كأساسٍ لوضع خطة عملٍ لنصرة القدس، بدأت بتوصيات عامة دعت إلى تشخيص الخطر الحقيقي القريب على المسجد الأقصى الذي هو التقسيم بين المسلمين واليهود، والعمل لمنعه من خلال التركيز الإعلامي وإعمار المسجد بالمصلين على مدار الساعة، وهي أمورٌ ممكنة بمقدورها أن تُفشل مخطط الاحتلال. أما على مستوى الكنيسة فيدعو إلى إعادة تعريب الكنيسة الأرثوذكسية إلى رأس قائمة الأولويات، ويدعو المسلمين إلى إسناد الأرثوذكس الفلسطينيين ودعمهم في هذا المسعى لتتحسن ظروف المعادلة لمصلحتهم، ويدعو مختلف الفصائل، خصوصاً الإسلامية منها إلى الانغماس بقوة مع مسيحيي فلسطين في هذا المجال لأن تحصيل حقوق الفلسطينيين الأرثوذكس وحماية أملاك الكنيسة من التفريط واجبٌ وطني على الجميع.  

 يدعو التقرير كذلك إلى تشخيص مواطن النقص والقصور التي تتعمّد إدارة الاحتلال خلقها في حياة المقدسيين لتدفعهم للهجرة، وإلى إسناد المقدسيين في هذه المجالات من خلال جهدٍ مؤسساتي مشترك ومبرمج لإسناد التأقلم المقدسي الذي كان على طول السنوات الماضية جهداً ذاتياً لسكان المدينة، وتأقلماً عفوياً لم تبادر المؤسسات الفلسطينية والعربية والإسلامية إلى التقاطه ودعمه كما يجب، خصوصاً أن الكتاب يرى أن الفترة التالية ستشهد المخططات الصهيونية الأقسى والجهد الأشرس لسلطة الاحتلال لتحقيق حلم يهودية القدس، وهي مرحلة قد لا يكفي فيها الجهد الذاتي للمجتمع المقدسي.

 على مستوى مجتمع الاحتلال في القدس، يدعو الكتاب إلى فهم تناقضاته واستغلالها ومحاولة النفاذ منها لخلق مساحاتٍ لحماية المدينة من تغوّل التهويد السكاني والثقافي والديني، ليخلص التقرير أخيراً إلى توصيات مفصّلة لمختلف الجهات الشعبية والرسمية المعنية بالمدينة وبالعمل فيها ومن أجلها.

 تجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب يأتي ليتوّج مشروع "عين على القدس" التوثيقي الشامل الذي تتبناه المؤسسة لمراقبة أوضاع المدينة ويصدر في تقرير أسبوعي ومجلّة شهرية، إضافة إلى تقرير سنوي يرصد التطورات المتعلقة بالمسجد الأقصى تحديداً ويصدر في شهر آب/أغسطس من كل عام تحت عنوان "عين على الأقصى". وتسعى مؤسسة القدس الدولية من خلال هذه السلسلة التوثيقية إلى توفير متابعةٍ دقيقةٍ للأحداث تسمح بالتعرّف إلى واقع القدس وحاجاتها، وتوضح التطورات الأساسية للمدينة في غياب القدرة الحقيقية على الرصد الميداني المباشر لهذه الأحداث، وعلى الرغم من معرفتها بوجود تطوّراتٍ وأحداثٍ لا تجد طريقها للإعلام، إلا أن المؤسسة ترى في هذا الرصد قاعدة مهمة لرسم الصورة العامة للتطورات في المدينة، والبناء عليها للخروج بمخططاتٍ عملية لحماية المدينة ودعمها.

 يذكر أن مؤسسة القدس الدولية التي تتخذ من العاصمة اللبنانية بيروت مقراً لأمانتها العامة، ويرأس مجلس أمنائها الشيخ يوسف القرضاوي كانت قد أنهت في شهر حزيران (يونيو) حملةً إعلامية وتثقيفية واسعة بعنوان "القدس 40 عاماً في الأسر...فلنشعل قناديل صمودها" وجاءت تلك الحملة بمناسبة مرور 40 عاماً على احتلال المدينة، توزّعت فعالياتها الميدانية على 18 بلداً ووصل صداها الإعلامي إلى مختلف أنحاء العالم، كما كانت قد أطلقت عدة تقارير وعروض إلكترونية حول القدس وأوضاعها شهدت انتشاراً واسعاً على مختلف وسائل الإعلام.

 ويمكن الاطلاع على هذا التقرير من خلال الدخول إلى الموقع الإليكتروني لمؤسسة القدس الدولية:

 www.alquds-online.org 

التعليق