الجزائرية سعاد ماسي تفجر طاقة الجيتارات وتصنع من الحنين الموجع أنغاما وآهات

تم نشره في الأربعاء 27 حزيران / يونيو 2007. 09:00 صباحاً
  • الجزائرية سعاد ماسي تفجر طاقة الجيتارات وتصنع من الحنين الموجع أنغاما وآهات

نظم لها المركز الثقافي الفرنسي حفلا على مسرح جرش الشمالي وسط جمهور زاد على الفين

 

محمد جميل خضر

جرش- فجرت الفنانة الجزائرية المقيمة في فرنسا سعاد ماسي طاقة الجيتارات.

وصنعت في أمسيتها الغنائية الموسيقية التي أحيتها مساء أول من أمس على المسرح الشمالي في مدينة جرش الأثرية، حوارا حضاريا جماليا بألحانها ومشاعرها المتدفقة وجدا وحنينا موجعا للوطن.

وعبر 15 أغنية من محتويات ألبوماتها الثلاث: "راوي" الذي صدر العام 2001، "ديب"  2003 و"مسك الليل" الذي صدر العام 2005، حقتت ماسي المولودة العام 1972 في الجزائر العاصمة، ذروة غير مسبوقة من التجلي، وسط تفاعل أكثر من 2000 شخص رقصوا وصفقوا كثيرا لعنفوان النغم الجامع في وعيه الإحساس العربي الحار والتقنيات الغربية المتقدمة.

وبمصاحبة جيتاراتها (واحد كلاسيك وآخر أكوستيك) وجيتار جون فرنسوا الكلاسيك وجيتار سيزار البيس ودرامز ديفيد وإيقاعات مواطنها رابح حلْف (طبلة ورق)، استهلت ماسي بأثوابها الصوفية البيضاء بأغنية "يلي دايما على بالي" من تأليفها وتلحينها وتوزيعها (وهو حال جميع أغنياتها من تأليفها وتلحينها وتوزيعها وعزفها وغنائها). وعبّرت ماسي في الأغنية عن حنينها المضني لمساكن الأهل ومرابع الصبا "نحكيلك على اللي جاي وعلى اللي راح نحكي حتى الصباح".

وبعد أن أحضروا لها جيتارها الأكوستيك غنت "القلب اللي بحبك" بصخب كما معظم أغنيات الحفل الذي أقيم بتنظيم من قبل المركز الثقافي الفرنسي ودعم عديد المؤسسات الخاصة مثل إذاعة مزاج إف إم وغيرها.

وعن الدنيا والزمن ودورانه والأيام ولعبتها غنت "هي بدور هي بتلعب فينا" مبدلة الجيتار الأكوستيك بالكلاسيك وهو ما فعلته في كل أغنية تقريبا.

وعن ظروف الناس في الغربة واضطرارهم للكذب على أهاليهم لكي لا يقلقوا عليهم غنت "أي ما نكذب عليك/ لازم نكذب عليك/ الدموع ما بتعرفنيش/ البرّا ما يسبونيش"، وهو (الغريب) كما طائر يحاور قرص الشمس ويدور في دوامة الغثيان بلا طائل سوى مزيد من الآلام والأشواق والضنك.

وبعد أن بدّل رابح الطبلة بالرق غنوا "ما ننسى أصلي"، وردد رابح وحتى جون الفرنسي كثيرا من كلمات أغنيات ماسي، "عاشت بلادي حلم ولادي وأرض اجدادي".

وكشف تفاعل الجمهور وترديدهم بعض مقاطع الأغنيات وطلبهم أغنيات بعينها (الراوي نموذجا)، عن اطلاعهم الجيد على تجربة ماسي ومتابعتهم لمشوارها الغنائي الموسيقي.

وبعد أغنيتين باللهجة الجزائرية المغرقة في محليتها، غنت الفنانة التي أمضت طفولتها في تعلم الموسيقى بصحبة جيتارها، ودراسة الموسيقى العربية – الأندلسية الكلاسيكية، وكذلك دراسة الهندسة، نزولا عند رغبة الجمهور "راوي" التي يحمل ألبومها الأول اسمها، وهي الأغنية التي غنتها وحدها بمصاحبة جيتارها فقط وقد تركها العازفون تسافر في معاني الأغنية وتستجلي ما في كلماتها من حنين نوستالجي دفين "ها جيتك ما جيتك/ احكيلي عن بنت الغولة/ ها جيتك ما جيتك/ كل واحد في قلبه حكاية/ احكيلي عن الجنة احكيلي عن النار عن الطير اللي عمره ما طار احكيلي متل الراوي كان يا ما كان".

وبعد مدخل جيتارات صاخب، غنت "بلادي أنا فين" وأتبعتها بأغنية "كان جيت طير صغير/ كان جيت وجبت معك من البحر المحار".

ومتفاعلا مع آهاتها وأشواقها وأجوائها ومتقاطعا معها غنى عازف الإيقاعات الشرقية رابح موال "ورد الورد ارتاح والياسمين يحليلوه/ والحب ما يجيش بالمال والزين القلوب ليه يميلوه/ دايما في بالي يللي نهواك وقلبي اختارك".

وتبع الموال أغنية "هادي أحوال الدنيا/ قلبي ما إله غير إنت قلبي ما اختار غير إنت".

وغنت "خلوني" والأغنية الإيقاعية الصاخبة "يا وليدي ليه تخرب وتهدم/ يا قلبي جرحك طال" وغنت "سهرانة طول الليل صورتك في بالي وغيرك ما يحلالي" وغنت الدعوات الطيبة والأمنيات الصادقة والوجع الدفين "ربنا يخلي قلبك معمر" و"القلب تقطع يروح ما يرجع"، وأعادت بإلحاح من الجمهور أن تطل مرة أخرى بعد الخروج المودع في ختام الأمسية الراقية "ويش يحكي قلبي الخالي".

وأثناء دراستها وعندما لم تكن تتجاوز السابعة عشرة من عمرها، بدأت ماسي المشاركة في فريق للفلامنكو الأسباني في أولي تجاربها على المسرح، ولكنها لم تحس نجاحها فيه، فكانت إحدى مؤسسي فريق (Atakor) لموسيقى الروك، الذي جاب البلاد لسبع سنوات كاملة، مسجلين خلالها شريطين سمعيين وأغنيتين مصورتين.

ولكن يبدو أن نجاح الفرقة وأغانيها التي تمس هموم وطنهم، قد استفزت الجماعات المتطرفة التي كانت تنتشر بالجزائر في ذلك الوقت، فلاحقوهم بالتهديدات وأحست سعاد ماسي بخيبة الأمل والإحباط، ولكن تبدد كل شيء بمجرد دعوتها إلى باريس عام 1999 من مسرح فرنسي كان ينظم يوما للمرأة الجزائرية، وحققت سعاد نجاحا عظيما بالمهرجان.

هذا الأمر دفع إحدى شركات الإنتاج إلى التعاقد معها بعد ثلاثة أيام فقط من وصولها، لإنتاج ألبومها الأول "راوي" الذي صدر عام 2001، والذي حقق نجاحا ملحوظا مقدما لونا جديدا للموسيقي الجزائرية مختلفا عن موسيقى الراي الشهيرة، وتأكيدا لنجاحها أصدرت سعاد ألبومها الثاني "ديب" عام 2003، وأعقبه ألبومها الأخير "مسك الليل" الذي صدر عام 2005.

كانت سعاد قد انتقلت للعيش بباريس عقب ألبومها الأول وأحييت العديد من الحفلات في باريس ولندن وروما و80 مدينة مختلفة عبر العالم، وتكلل نجاحها بالحصول علي جائزة "أفضل فنانة لعام 2006" "awards for world music 2006" من راديو هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) والتي كانت قد رشحت لها من قبل عامي 2004، 2005، كما حصلت سعاد ماسي أيضا على (جائزة انتصارات الموسيقى 2006) (VICTOIRE DE LA MUSIQUE 2006) الفرنسية.

سعاد لم تنس هويتها وبلدها، فنشأتها في جو من الحروب والمعارك اليومية جعلتها تتمسك بهويتها الإسلامية والعربية والجزائرية فنادت في أغانيها للسلام والبعد عن العنف، ولعل أغنيتها (بلادي) تظهر هذا، كما تظهر أغنيتها (دار جدي)، التي كتبت كلماتها بنفسها لتعبر عن تجربتها الشخصية، شعورها بالغربة عن وطنها والحنين إليه، كما تعبر أغنية (ما ننسى أصلي) عن نفس المعنى.

سعاد حققت حلمها أخيرا بالعودة إلى وطنها منذ عدة أشهر، حيث أحيت حفلا بقاعة ابن خلدون بالعاصمة الجزائرية، وتنوي سعاد العودة للإقامة بالجزائر، ومواصلة جولاتها عبر العالم.

التعليق