كوستا غافراس: لاوجود لصناعة السينما من دون قرار سياسي رسمي

تم نشره في الخميس 14 حزيران / يونيو 2007. 09:00 صباحاً
  • كوستا غافراس: لاوجود لصناعة السينما من دون قرار سياسي رسمي

مخرج عالمي كرس جهوده لإسناد عدالة القضية الفلسطينية

نوال العلي

عمّّان- لم يتفق المخرج كوستا غافراس مع وجود ما أسماه أحد الزملاء الصحافيين الإمبريالية السينمائية، بل ذهب إلى أن السينما في الدول النامية أثبتت حضورها وخلقت حالة من الدهشة أمام المشاهد، حتى لدى صاحب العين المحترفة أو المعتادة على الصناعة الفلمية.

والسر، بحسب غافراس، في طاقة الشباب في تلك البلاد، ورغبتهم المنهمكة في بحث الأسئلة وإثارتها.

وفي لقاء جمع عددا من الصحافيين مع المخرج المولود في العام 1933 وصاحب الأفلام التي اتخذت طابعا جريئا في طرح قضايا حملت في مضمونها بعدين: سياسيا وإنسانيا، تحدث غافراس عن القضايا السياسية من حيث هي انشغال رجل السينما اليوناني الأصل.

فلا زال غافراس الذي استضافته الهيئة الملكية للأفلام والذي شارك في افتتاح المهرجان الثالث عشر للفيلم العربي الفرنسي يتحدث عن السياسة والسينما السياسية ولم يبخل في إجاباته عن الخوض في مايشهده العالم من تغيرات على الأصعدة كافة.

كان فيلم "حنه ك" (1983) لغافراس حدثا سياسيا وفنيا كبيرا وهاما، وفيه خصص موضوعه للصراع العربي الإسرائيلي، محاولا أن يكون موضوعيا في طرحه لوجهة نظره التي لم تخل من التعاطف مع الفلسطينيين.

وتدور أحداث الفيلم الذي أعطى البطولة فيه للممثل الفلسطيني الأصل محمد البكري حول الفلسطيني الذي يسعى لتأكيد حقه التاريخي في أرضه وبيته في فلسطين المحتلة وتتضامن معه وتدافع عنه محامية إسرائيلية، وهو موقف مارسته بقناعة تتناقض مع السياسة الإسرائيلية وحتى مع قناعة وموقف زوجها الصهيوني النزعة.

ورغم ما يعرف عن تعرض غافراس لحملة عنيفة ضده من الأوساط الصهيونية ومن الواقعين تحت تأثيرها من الأوروبيين، ناهيك عن الأميركيين، بعد فيلم "حنه ك" - كما قوطعت الممثلة جيل كلايبر التي قامت بدور البطلة - إلا أن غافراس ينفي ذلك تماما وهو الذي أنتج فيلم "صندوق الموسيقى" 1989 والذي يتحدث فيه عن المحرقة النازية لليهود.

يقول غافراس "لم أخضع لأي تهديدات أو ضغوطات، قمت بعمل فيلم حنه ك وأنا مقتنع بضرورته واهميته، ولم أنقطع عن الإخراج بعده، بل أنتجت فيلمين وصولا إلى فيلم "صندوق الموسيقى" الذي تناول الهولوكوست".

المحرقة بالنسبة للأروبيين بحسب غافراس مسألة ذات خصوصية شديدة، "فلم أتوصل حتى الآن إلى فهم كيف يمكن لدولة كألمانيا انبثقت منها الفلسفة والعلوم وحركات التنوير والفنون والموسيقى، أن تقدم على مثل هذه المحرقة التي شاركت فيها غالبية البلدان الأوروبية".

ويلفت غافراس إلى نشوء "شعور معاد للعرب في الغرب مشابه في بعض نواحيه أو يقترب في بعض سماته العنصرية من معاداة اليهود التي تسببت في المحرقة آنذاك، وبالنسبة للمبدع الحقيقي يؤكد أن البحث في تاريخ المحرقة مستمر، لأنه يكشف في كل مرة جانبا جديدا".

وحول الصراع العربي الإسرائيلي يرى غافراس أنه لن يحل سوى بالتعايش، فالقضية الفلسطينية الإسرائيلية جرح مفتوح على العالم، وهو مرض حقيقي آخذ بالتفشي وأحد تمثيلات هذا التفشي"القاعدة". 

يعمل غافراس الآن على فيلم "الجنة في الغرب" والذي يتحدث عن العالم المعاصر وحاجات الإنسان فيه. ويقول: لو كنت سأخرج الآن فيلما عن الصراع العربي الإسرائيلي لن يكون شبيها أبدا بفيلم حنه ك، فقد كان الهدف حينها التأكيد على حق الفلسطينيين في الدولة، أما الآن فالحق معترف به ولكن ليس ثمة آليات واضحة لتطبيقه، بل إن الفلسطينيين الآن مضطهدين أكثر مما مضى.    

ولا يرى غافراس المعروف بنزعته اليسارية وجودا لسينما يسارية، فالسينما إما تعليمية تثقيفية أو ترفيهية.

وهو يختار بعض مواضيع أفلامه ذات العلاقة بالحركات السياسية والثورية اليسارية والقضايا السياسية المرتبطة بها، ولكنه يبين أيضا أن لا زمن يحد الأفلام السياسية. وحسب رأيه، فإن فيلم "سيدي العقيد" الذي عرض على مسرح مركز الحسين براس العين أول من أمس، يتحدث عن التاريخ الجزائري الفرنسي، ولكنه من حيث لا يدري يعالج القضية العراقية الآن.

وبحسب غافراس "الديناميكية الاستعمارية واحدة، تبدأ بالاضطهاد والاحتلال والتنكيل وخرق حقوق الإنسان، وكلها سياقات تنتج عنها تيارات المقاومة المختلفة.

وفيما يتعلق بالسينما العربية يوضح غافراس أن ثمة قدرات كامنة لدى المخرجين العرب لم يتم استغلالها بعد، بيد أنه يؤكد أنه لا وجود لصناعة الأفلام من دون إرادة وقرار سياسي مؤسسي، مدللا على ذلك بما حدث في الجزائر بعد أربعة أعوام من الاستقلال حين أعلن بومدين ضرورة قيام صناعة فيلمية جزائرية.

 وبالفعل بدأت السينما الجزائرية وكانت قوية منذ البداية. وكذلك هو الحال فيما يتعلق بالسينما الفرنسية التي شقت طريقها بعد أن أعلن ديغول عن ضرورة العناية بالسينما الفرنسية.

بل ويعزو غافراس حضور السينما الأميركية القوي بوجود قرار ودعم سياسي ورسمي يقف خلفها.  

ومما يطرحه غافراس ويعني الصناعة السينمائية في الأردن والتي تخطو خطواتها الأولى، هو دخول التكنولوجيا الرقمية التي وفرت الكثير من الوقت والجهد والمال في صناعة الصورة عموما والسينما خصوصا، حيث أصبحت صناعة السينما في متناول اليد.

ولكنه يدعو أيضا إلى تأسيس ثقافة جمالية تتعلق بالصورة بدءا من المدارس للنهوض بعين المشاهد بحيث يمكنه التمييز بين ذكاء الصورة وغبائها ويمكنه من رؤية ما خلفها، داعيا البلاد التي لا تنتج أفلامها الخاصة إلى خوض التجربة السينمائية وأن لا تكتفي بالنظر إلى صور الآخرين.

التعليق