أمسية "وهابيات" لتيسير والعباسي: جندول المعنى يسبح في نهر الألحان

تم نشره في السبت 5 أيار / مايو 2007. 10:00 صباحاً
  • أمسية "وهابيات" لتيسير والعباسي: جندول المعنى يسبح في نهر الألحان

وصلت فيها الموسيقى في مركز الحسين الثقافي أعالي الشجن

 

محمد جميل خضر

عمان - كنهر خالد من الألحان, اعيد مرة أخرى الاعتبار للموسيقار العربي الراحل محمد عبد الوهاب عبر أمسية "وهابيات" التي أحياها مساء اول من امس على مسرح مركز الحسين الثقافي الفنان الأردني د. ايمن تيسير رافقته فيها بأغنيتين الفنانة الأردنية غادة العباسي.

وعلى موعد جديد كان الجمهور الذواق مع تيسير صاحب المشروع الفني المرتكز لأصول الغناء العربي, والناهل من غدرانه المتجددة عذوبتها والمتواصل بهاؤها.

وبصوت واثق مدرب جيداً معد حسب الاصول, اطل تيسير الحاصل على دكتوراه موسيقى من جامعة الروح القدس في لبنان على جمهور حفل اول من امس الذي بلغ زهاء 500 شخص, بعد تأخر قليل عن الموعد المعلن بسبب تأخر وصول العباسي التي كان من المفترض حسب البرنامج المعد مسبقاً ان تستهل هي حفل الغناء والطرب والزمن الجميل.

وبـ "يا دنيا يا غرامي/ يا دمعي وابتسامي/ مهما طالت آلامي قلبي يحبك يا دنيا" من كلمات احمد رامي, اعلن تيسير عن وجهة الامسية وحدد معالمها الذاهبة نحو المناطق الصعبة في الموسيقى والغناء العربي, والمستندة الى الحان مميزة وموسيقى راقية واداء رفيع، "زهرة بتدبل على اغصانها وتروح في الحال/ يله اقطفها قبل اوانها دا العمر خيال" ومثل خيال بارق فوق مساحة مغايرة تواصل الحفل وتوالى انسياب الالحان المترافقة مع موسيقى الفرقة التي قادها وشاركها باقتدار المايسترو جورج اسعد.

وفي واحدة من التماعات تيسير, قدم بتحد عنيد "الجندول" احدى روائع عبد الوهاب واغنياته التي يتجنبها عادة الراغبون باستعادة تراث موسيقار الاجيال "اين من عيني هاتيك المجالي/ يا عروس البحر يا حلم الخيال/ اين عشاقك سمار الليالي/ اين من واديك يا مهد الجمال/ موكب الغيد وعيد الكرنفال وسرى الجندول في عرض القنال/ بين كأس يتشهى الكرم خمره/ وحبيب يتمنى الكأس ثغره/ التقت عيني به اول مرة/ فعرفت الحب من اول نظرة" وبين كلمات الشاعر المصري علي محمود طه وموسيقى استثنائية ابدع فيها جورج اسعد وفرقته وصوت امين لتعاريج المجد الذي كانه الفن في زمن بعيد, شكّلت "الجندول" سيمفونية الحفل وقيثارة النهر الذي لا ينضب.

وجاء مسك ختامها لافتاً عندما بدأت موسيقى الفرقة بالانخفاض الوئيد كما لو ان الجندول (القارب الصغير) يحط رحاله اخيراً بعد رحلة حب وشوق وهيام على ضفة النيل او شاطئ الماء في اي مكان.

ولأن الفنانة غادة العباسي كانت وصلت اخيراً, فقد افسح لها تيسير المجال, لتقدم جزءها من الحفل, قبل ان يعود لإكماله كما يليق بموسيقى الروح.

وبواحدة من خفيفات عبد الوهاب "حمّال الأسية" بدأت الحاصلة على الجائزة الاولى في واحد من مهرجانات الاغنية الاردني فقرتها, وشكلت الاغنية التي كتب كلماتها حسين السيد تحضيراً مرتبكا قليلا لكي تدخل العباسي في اجواء الحفل.

وهو ما فعلته باحترافية عالية في اغنيتها الثانية والاخيرة للامسية "في عينيك عنواني" من كلمات فاروق جويدة.

ووصل البهاء ذروة اخرى في نشيد الوجد والهوى الرومانسي العذب التي كان عبد الوهاب بدأ تلحينها ولم يكمل لأن الموت حال بينه وبين ذلك, ليكمل الموسيقار محمد الموجي تلحين الاغنية التي كما ذكر تيسير معقباً عليها لم تقدم قبل يوم اول من امس على المسرح, وهو ما يشكل تحدياً جمالياً آخر يضاف الى انجازات حفل "وهابيات".

وبصوت ينساب عذوبة ورقة ادت العباسي ابيات القصيدة التي اضفت بمعانيها رقة مضاعفة وانزياحاً آخاذاً لرومانسية تشلع القلوب "يقول الناس يا عمري بأنك سوف تنساني/ وتنسى انني يوماً وهبتك نبض وجداني/ وتعشق موجة اخرى وتهجر دفء شطآني" الى ان تصل الى الابيات الأكثر تعلقاً وذوباناً في الحبيب "فلو خيرت في وطن/ لقلت هواك اوطاني/ ولو انساك يا عمري حتى يا قلبي تنساني/ امات الحب عشاقاً/ وحبك انت احياني/ اذا ما ضعت في درب/ ففي عينيك عنواني".

وأدت العباسي مقاطع الأغنية بإحساس عال ولوّنت وطلعت وخفضت بِعُرَبٍ مدروسة وصوت شجي "ترى ستقول يا عمري بأنك كنت تهواني/ أتيتك والمنى عندي بقايا بين أحضاني/ أحبك واحة هدأت عليها كل أحزاني/ أحبك نسمة تروي لصمت الناس ألحاني/ أحبك أنت يا أملاً كَضَوّ الصبح يلقاني".

وبعودته الثانية قدم تيسير من كلمات حسين السيد "حبيبي لعبته" التي تفاعل الجمهور مع مقطعها المتصاعد ايقاعه قليلاً "جماله جمال ياما شغل البال" وايضاً في مقطع "العين شايفاه وبتجري وراه وبتتمناه ولا هيّاش طايلاه".

وبعد موال "اشكي لمين الهوى" من كلمات حسين النحاس, غنى تيسير "كل دا كان ليه لما شفت عينيه/ حن قلبي اليه وانشغلت عليه/ قال لي كم كلمة في ليالي النسمة في ليالي الصيف".

وفي لفتة تحمل معاني ودلالات لافتة ختم تيسير اغنيات اول من امس بقصيدة "فلسطين" من كلمات علي محمود طه. وتفاعل الجمهور مع اجواء القصيدة منذ مقدمتها الموسيقية "اخي جاوز الظالمون المدى/ فحق الجهاد وحق الفدا/ أنتركهم يغصبون العروبة مجد الابوة والسؤددا/ وليسوا بغير صليل السيوف يجيبون صوتاً لنا او صدى/ فجرّد حسامك من غمده فليس له اليوم ان يغمدا".

ووصل التفاعل ذروته في مقاطع القصيدة الاخيرة "وقبّل شهيداً على ارضها/ دعا باسمها الله واستشهدا/ فلسطين يفدي حماك الشباب/ وجلّ الفدائي والمفتدى/ فلسطين تحميك منا الصدور/ فإما الحياة وإما الردى".

ولأن التفاعل المشحون وصل مساحات قصوى, فقد آثر تيسير (خارج البرنامج المعد)، العودة الى الاجواء الطربية, بإعادة ترديد "يا دنيا يا غرامي يا دمعي وابتسامي" بتسريع في اللحن وردد الجمهور المقطع وقوفاً كما طلب منهم.

ولأن الجمهور اصر بدوره على "يا وابور قلي رايح على فين" فقد قدمها والفرقة لينتهي حفل تحتاج الذائقة العربية السائدة الاكثار من شبيهاته للارتقاء بها.

واجاد الموسيقيون وفي مقدمتهم المايسترو في مختلف اغنيات الحفل, تشيللو فادي حتر وزميله في اغنية "الجندول" قانون عبد الحليم الخطيب في قصيدة "فلسطين" ايقاعات علي الدباغ ومحمد طه وزميلهم وكمنجات عبد دخان وفراس حتر وزملاؤهم وجيتار معن بيضون واورغ محمد خليل في باقي الاغنيات والفقرات.

وفي سياق آخر قدم تيسير في الخميس الاخير من شهر نيسان (ابريل) الماضي حفل "جاز عبد الوهاب" في دار الاوبرا السورية في دمشق.

وحضر الحفل، كما افاد تيسير، جمهور زاد على 700 شخص تفاعلوا مع اغنياته وطالبوا اعادة العديد منها ورافقه في حفل دار الاوبرا السورية عازف البيانو عمر الفقير الذي اعاد صياغة التوزيع الموسيقي للعمل وحسن الفقير على الكمان وعبد الحليم الخطيب على القانون وآرام هاربيديان على الساكسفون وماهر حنحن وفادي الياس على البيس جيتار.

التعليق