عبدالله رضوان يقلع عن الشعار لمصلحة لغة تفيض بالألم

تم نشره في الأربعاء 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 10:00 صباحاً

في مجموعته الأخيرة "ذئب الخطيئة"

 

زياد العناني

عمان- تطرح مجموعة الناقد والشاعر عبدالله رضوان "ذئب الخطيئة" الصادرة أخيرا عن دار اليازوري للنشر والتوزيع جملة من التساؤلات التي لا ضير أن  تبدأ هكذا: ماذا تعني كتابة قد تمتد الى أكثر من ثلاثة عقود من غير ان تفرز صوتها الخاص؟ وهل في الشعر مرحلة "رمادية" تأتي ما بين الابيض والاسود لتجعل من بعض النصوص متعالقة مع نصوص الاخرين من دون ان تترك بصمتها بشكل بين وصريح? وماذا يعني ايضا اصدار طازج يمكن ان يبدأ به شاعر تجربته بعد ان اصدر سبع مجموعات شعرية سابقة.

كل هذه الاسئلة تتجمهر حاضرة حين يهم المتابع بقراءة هذه المجموعة الجديدة للشاعر عبدالله رضوان التي جاءت هذه المرة مختلفة وفيها جرعة قوية وعجيبة من الجرأة جعلت من نصوصها تتقاطع مع ماسبق من مجموعاته الاخرى في نطقها الذي لا نستطيع ان نجزم بانه ينتمي إلى الجديد خصوصا واننا نجد اصداءة في بعض اشعار نزار قباني القديمة بل لأنه يمثل مرحلة جديدة في تجربة رضوان على وجه الخصوص الذي نوع في ابداعاته وعدد في أجناسها وكان نهبا لجملة من الكتابات النقدية والتوثيقية  التي اخذت من حصة الشعر  الكثير في ما سبق الى ان رقت ضلوعه وراح يصنع عودا  ليبكي حزنه في كلمات وجودية اتجهت  في مضامينها وبحسب التفسير النفسي للأدب لتطرح مسألة شائكة قلما طرحت في شعرنا العربي وهي "عقدة اوديب" تحديدا التي تمظهرت في هذه المجموعة لتخلط بين حيوات الأم وحيوات الحبيبة.

" أمي أحبك

اشتهيك لارتوي

من ملامسة ابطك العاري

ومن أقواس كفلك

مني ومنك ومن أبي"

متناسيا ادوات المنع وهو يسرد قصة " الام- حواء " ليعود من"  قابيل " الغائب ويصنع فتنته بيديه ويعيد "هابيل" الى قطعانة يرعى قبل ان يشرع بالقول :

 " شهوتي هي حيرتتي"  ويشهق صارخا "ويلي من الشفق ومن نهدين مملكتين من شبق".

بيد ان المختلف في مجموعة "ذئب الخطيئة" التي جاءت مرفقة بمفتاح الاهداء الذي يشير في جله الى نسغ المعصية والغواية انها مجموعة لم تحاول الانسياب الى مناطق لم تكن معهودة في مشهد الشعر الذي ينتمي اليه الشاعر فقط بل انها تعتبر مفارقة في تجربته التي تقف الان على اعتاب الستين ليقول لنا في قصيدة " اقواس تشهق على الشرفة" وبكل قوته:

"المكان جسد

والزمان جسد

والهواء

البكاء

النداء

جسد"

ويعلق رغبته ومكبوتاته عند حد السماء, ثم يتابع تداعياته الحزينة  والمأنسنة في "نداء المعدن... نداء التراب" لرصد الخطيئة مرات ومرات وهو يخاطب الحبيبة:

" يا أنت

كوني أنت

بسمة أمنا العطشى

يا أنت كوني "

ويجتهد في قول ذاته دفعة واحدة, خصوصا حين نسمع اصداء صرخته المتألمة وهو يقول: كل النساء قتلنني, أو حين يستدرج عذارى الماء ثم يعاود الحنين الى صوت الحبيبة:

صوتها قبلة

فرح دافئ

وحنين

ونداء الى الروح

تنهض من حلمها

ويقين

التي نراه وهو يتعشقها ويترك لها نفسه تحن وتفيض من غير لغة مغمغمة أو رتوش مرة تعدو حزينة هنا ومرة مضطربة هناك ويتضح هذا المعنى في قوله "هل قلت ذاتك أم ترى حررت ذاتي"?

فهل قال رضوان ذاته في جديدة  هذا ام عانقها بعد تجربته التي كانت منقطعة للشعار وقصيدة البيان السياسي في مجموعاته الاولى: "خطوط على يافطة الوطن" الصادرة في العام 1977 ومجموعته "اما انا فلا اخلع الوطن" الصادرة في العام 1979 وغيرها من المجموعات الشعرية التي لم يكتب لها ان تستقر في تجربته كما استقرت تجربة مجموعة "ذئب الخطيئة"  سواء في مساحة البوح او في ترك تداعياته حرة وبلا رقيب أحمر حتى وان ارتطمت في بنية الحركة الاجتماعية التي ينتمي اليها كشاعر وإنسان.

التعليق