اختلاف الفقهاء في أمر الفجر الصادق

تم نشره في الاثنين 9 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 10:00 صباحاً
  • اختلاف الفقهاء في أمر الفجر الصادق

الإمساك في رمضان

 

محمد العواودة

في كل عام من رمضان تأخذ مسألة وقت السحور مسلكا جدليا عند الكثير من  الناس، إذ يتمحور هذا الجدل والخلاف حول سؤال امتداد وقت السحور حتى آذان الفجر – الصادق – أو بعده من  الفجر، أما وان يكون السحور وحتى آذان الفجر؛ فهذا ما عليه أكثر الناس هنا وهو المعمول به في وزارة الأوقاف، وأما أن يمتد السحور إلى ما بعد الفجر الصادق بوقت، فهذا ما وجدت نفوس أكثر العامة نافرة منه  لمخالفته ماهم عليه من عبادة وعادة، والفطام عن المألوف شد يد، ولكن هل من مستند شرعي يتأيد به هذا الرأي؟ الذي أصبح محسوبا على السنة الناس بأنه من هدي  ذاك الفكر المعني اليوم  بتطبيق - الحرف السلفي – والذي أصبح يحتل حيزا مسجديا وشعبويا أرخى بظلاله على تجديد الكثير من الجدليات ألفقهيه - المسكوت عنها - التي قد يتلقاها البعض بالقبول في دائرة الدعوة والمنهاج الشمولي لهذا الفكر.

المهم، وبالرجوع إلى مقصودنا من هذه العجالة وهو وقوف القاريء الكريم على حيز التجلي من هذا الإشكال المفترض ، ليعلم أن اصل وقت السحور مأخوذ من قوله تعالى:" وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " (البقره 187) حيث تشير الآية  كما هو في كثير التفاسير على أن الخيط الأبيض هو أول الفجر الصادق، والخيط الأسود هو ظلمة آخر الليل عند الفجر، والمعنى عند أبي حيان في البحر" حتى يتضح لكم الفجر متميزا عن غبش الليل" وقد نقل  أبو حيان إجماع الأئمة الأربعة على أن أول النهار الشرعي هو طلوع الفجر، فلا يجوز فعل شيء من المحذورات بعده، أما الحافظ ابن حجر الذي توسع في تعليقه على المسالة في الفتح فيقول: " حتى يظهر بياض النهار من سواد الليل، وهذا البيان  يحصل بطلوع الفجر الصادق، وفيه دلالة على أن ما بعد الفجر من النهار" والمعنى الانقطاع عن الأكل والشرب مع تبيان بزوغ أول الفجر من غبش الليل على سبيل التمييز وهذا ما يؤيده أيضا جملة من الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فقد روى الشيخان عن عبد الله واللفظ لمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن بلالا يؤذن بليل، فكللوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم"  وللبخاري عن عائشة رضي الله عنها " فانه لا يؤذن حتى يطلع الفجر" وروى البخاري عن انس أن النبي  عليه السلام  وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما؛ قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة فصلى، فقلت كم كان بين فراغهم من سحورهما ودخولهما في الصلاة ؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية " وروي عن سهل ابن سعد قوله " كنت أتسحر في أهلي ثم يكون سرعة بي أن أدرك صلاة الفجر" وفي لفظة أخرى "السجود مع رسول الله "، ولمسلم عن سمرة بن جندب "سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم  يقول: " لا يغرنّ أحدكم نداء بلال من السحور ولا هذا البياض حتى يستطير " أي المتضح بياضه والمعترض في الأفق وهو محل أذان ابن أم مكتوم، وهو بخلاف الفجر الكاذب الذي خالطه غبش الليل وسواده والذي كان موضع آذان بلال، وبهذا يتبين أن على الصائم التوقف عن الأكل والشرب في الحال عند بزوغ أول الفجر وفور سماع النداء دون أن يسلبه ذلك ابتلاع ما في فمه أو شرب كأس في يده وبخلاف من وقع في وهم أن هذا من المحذورات، للحديث الثابت عنه صلى الله عليه وسلم عند مسلم وغيره من أصحاب السنن " إذا سمع أحدكم النداء والإناء في يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه " ولحديث عمر الذي في معناه ولموافقة الفعل للسياق، كما وسيستفاد جواز الأكل والشرب لمن لم يتبين الفجر فان تثبّت منه امسك في الحال لقول تعالى:"حتى يتبين لكم"  والجمهور أن ليس عليه قضاء وبخلاف ما ذهب إليه مالك  ومن ذهب مذهبه في أن البيان يحصل في الثابت من طلوع الفجر.

وأما من قال ببواح المحذورات إلى ما بعد الفجر الصادق - وقت النداء-  فاصل المسالة منقولة عن الأعمش من التابعين، وعمدتهم في ذلك إفادة  التبضيع في قوله تعالى:"من الفجر" إذ يظهر الخلاف هنا في اشتراك اسم الفجر بين الأبيض والأحمر، وأصحاب هذا الرأي قالوا بالأحمر، بل ذهب الأعمش  إلى أن النهار الشرعي مالم تطلع الشمس، وأيدوا مذهبهم بآثار منقولة عن النبي عليه السلام وبعض أصحابه، منه حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه قال:" تسحرنا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، هو والله النهار غير أن الشمس لم تطلع " وروى الترمذي وبعض أصحاب السنن عن طلق ابن علي أن النبي عليه السلام قال: "كلوا واشربوا ولا يغرنكم الساطع المصعد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر" وقيل عن أبي داود أن هذا الحديث تفرد به أهل اليمامة".

 وروى الحافظ في تعليقاته في الفتح ان عبد الرازق روى بإسناد رجاله ثقاة " ان بلالا اتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو  يتسحر فقال: "الصلاة يارسول الله، قد والله أصبحت، فقال عليه السلام: يرحم الله بلالا، لولا بلال لرجونا ان يرخص لنا حت تطلع الشمس" وروى ابن المنذر باسناد صحيح عن علي كرم الله وجهه انه صلى الصبح ثم قال، الان حين  تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود" وهذا الحيث شاهد قوي عند الشيعة الإمامية الذين ينتصرون لهذا الرأي، وروي عن ابي بكر بطرق صحيحة انه بقي يسأل عن الفجر حتى أخبر انه اعترض فقال:"الآن ابلعني شرابي" وروي عنه ايضا من طريق وكيع عن الاعمش انه قال:"لولا الشهوة لصليت الغداة ثم تسحرت".

فالملاحظ من هذه الادلة انها وبالتأكيد تعني شيئا في المسألة، وتحمل هذا الراي على اصل لا بأس به لا يضعّفه من قال بالنسخ أو من قال بالتعارض، فالجمع ممكن بين هذه الاحاديث وتلك، وفيها كما يقول الحالفظ: "دليل على اختلاف الحال وليس في رواية احدهما ما يشعر بالمواظبة"، ولكن أيضا ومن جهة اخرى فان العمل بالراي الاول أولى لقوة أدلته ولموافقته لظاهر الآية وهو ما عليه أكثر أهل العلم ومنهم الأئمة الاربعة ولكن دون ان يعتقد ان الرأي الثاني مخالفا او انه لايسير مع الدليل بل يمكن ان يكون في محل الرخصة لضرورة مع الموظبةعلى العمل بالأدلة الموافقة لظاهر الايه ، ولننتهي هنا بما انتهى اليه ابن حجر بما  نقله عن اسحق و كأنه يؤيد ذلك بقوله: وبالقول الاول اقول، لكن لا اطعن من تأول الرخصة كالقول الثاني ولا أرى عليه قضاء ولا كفارة"، وهذا عمل بالأحوط وخروج من الخلاف، والله اعلم.

  Awawdeh_98@yahoo.com

كاتب اردني

التعليق