في رحاب معاني معية الله لخلقه

تم نشره في الأربعاء 27 أيلول / سبتمبر 2006. 09:00 صباحاً
  • في رحاب معاني معية الله لخلقه

رمضان كريم(4)

 

بسام ناصر

ثمة نصوص قرآنية وحديثة، تثبت معية الله لخلقه، ويبين العلماء أن المعية الإلهية تنقسم إلى قسمين: أولاهما: معية عامة، وثانيتهما: معية خاصة، أما الأولى فمن النصوص الدالة عليها قوله تعالى"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (المجادلة:7).

يقول تعالى ذكره ـ كما يوضح ابن جرير الطبري في تفسيره - لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تنظر يا محمد بعين قلبك فترى أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّمَوَاتِ وَما فِي الأرْضِ من شيء، لا يخفى عليه صغير ذلك وكبيره يقول جلّ ثناؤه: فكيف يخفى على من كانت هذه صفته أعمال هؤلاء الكافرين وعصيانهم ربهم، ثم وصف جلّ ثناؤه قربه من عباده وسماعه نجواهم، وما يكتمه الناس من أحاديثهم، فيتحدثونه سرّا بينهم". وهذه هي المعية العامة التي تكون بالسمع والبصر والعلم. وكما قال تعالى: " وَمَا تَكُونُ في شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءانٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا..." (يونس:61).

أما المعية الثانية وهي الخاصة بأوليائه وأصفيائه المتقين، فمن النصوص الدالة عليها قوله تعالى: "ِِِإِنَّ ?للَّهَ مَعَ ?لَّذِينَ ?تَّقَواْ وَّ?لَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ" (النحل:128) أي معهم - كما يقول ابن كثير في تفسيره- بتأييده ونصره ومعونته وهديه وسعيه وهي كقوله تعالى: "إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ?لْمَلَـئِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُواْ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ" (الأنفال: 12) وقوله لموسى وهارون: "لاَ تَخَافَا إنني مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى?" (طه:46) وقول النبي صلى الله عليه وسلم للصديق وهما في الغار:" لا تحزن إن الله معنا".

فما تأثير كل من المعيتين على سلوك المسلم وأخلاقه، وعلاقته مع ربه، ومعاملته للناس؟ أما المعية الأولى(المعية العامة) فإنها تحدث حالة من المراقبة الدائمة لدى المسلم، فما دام أن الله سبحانه بسمعه وبصره وعلمه مع الخلق جميعاً، وهو سبحانه محيط بهم، مطلع عليهم، فإن ذلك يحمل المسلم على ضبط سلوكه، وتقويم أخلاقه، ويُنشأ فيه حالة من الصدق مع الله، ومع الناس.

مما قصه الرسول صلى الله عليه وسلم على أصحابه من أخبار بني إسرائيل، أن ثلاثة من بني إسرائيل، - كما في الصحيحين وغيرهما- أبرص، وأقرع، وأعمى، أراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً يخير كل واحد منهم بما يرغب ويشتهي، فطلب كل واحد منهم ما يزيل علته، ويشفيه من عاهته، وأن يرزقه من الأنعام ما يحب، فكان لهم ما أرادوا، ثم جاء كل واحد منهم على صورته وهيئته الأولى سائلاً ومستعطياً مذكرهم بحالهم التي كانوا عليها، قائلاً لهم: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك..

فبماذا أجاب كل واحد منهم، أما الأبرص والأقرع فقد جاء جوابهما متطابقاً حيث قال الأبرص: إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر، وبذات الجواب نطق الأقرع. أما الأعمى: فاعترف قائلاً: قد كنت أعمى فردَ الله إلي بصري، فخذ ما شئت فوالله ما أجهدك اليوم بشيء أخذته لله عز وجل، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك".

في هذه القصة، مثال واقعي، وتجسيد عملي، لكيفية استشعار تلك المعية الإلهية، وكيفية تأثيرها على السلوك والموقف، فكل من الأبرص والأقرع، قد أدارا ظهريهما لمعنى ودلالة "إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء" وأعماها الجهل والجشع عن استبصار أنهما يتعاملان مع من"يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور"، فسقطا في الاختبار، وكانت نتيجة ذلك أن سخط الله عليهما، أما الأعمى فاستشعاره لمعية الله الدائمة له، واستحضاره لحضوره معه، أورثه صدق الحال والمقال، فانخلع من شهوة نفسه، وخرج عن ماله، وبهذا كان نجاحه وفلاحه، ورضا ربه عنه.

أما المعية الثانية(الخاصة بأوليائه المتقين)، فهي تحفز المؤمنين على الارتقاء في مقامات العابدين والسالكين إلى ربهم، لأن تلك المعية لا تكون إلا مع من اتصفوا بصفات جليلة، فمعيته الخاصة سبحانه لا تكون إلا مع " إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ" (النحل:128)، "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" (العنكبوت:69).

وقد تجلت تلك المعية في النصر والتأييد والحفظ والرعاية، فيما قصه علينا القرآن من مواقف أهل الإيمان، ففي حادثة الهجرة، كانت معية الله الخاصة هي الحافظة والراعية للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه من شر قريش وبطشها، وتأمل قول الرسول عليه السلام لصاحبه مهدئاً من روعه، دافعاً قلقه وخوفه "إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا..." (التوبة:40).

وفي غزوة بدر كانت المعية الخاصة حاضرة نقرؤها في قوله تعالى: " إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ" (الأنفال:12). فهنيئاً لمن استشعر معية الله له في كل حال وحين، فارتقى بصفاته وأخلاقه وعبادته ومعاملاته ليكون من الصادقين المتقين المحسنين الذين يستحقون معية الله الخاصة تأييداً وتوفيقاً وتسديداً وهداية ورعاية وعناية.

Bassamnasser2004@yahoo.com  

التعليق