أوريانا فالاتشي: من اليسار إلى العداء للإسلام!

تم نشره في الخميس 21 أيلول / سبتمبر 2006. 09:00 صباحاً

 

محمد م. الأرناؤوط

توفيت يوم الجمعة الماضي في فرنسا الكاتبة الإيطالية أوريانا فالاتشي التي اشتهرت في العالم بوجهين مختلفين في زمنين مختلفين: ما قبل وما بعد 11 أيلول 2001م.

فقبل 11 أيلول 2001م كانت فالاتشي محسوبة على اليسار وارتبطت شهرتها بالجرأة في اختراق المخاطر واختراق المألوف في مقابلاتها لزعماء العالم حتى أصبح يحسب لها حساب. ولكن بعد 11 أيلول 2001م اندفعت نحو الكتابة ضد الإسلام "والخطر الإسلامي" على الغرب والحضارة الغربية لتخدم بذلك حملة اليمين المحافظ في "الحرب على الإرهاب" ، ولتجعل نقادها في أوساط اليسار يعتبرون هذه الكتابات في السنوات الأخيرة "لطخة عار سوداء على حياتها".

وكانت فالاتشي قد ولدت ونشأت في عائلة ذات نزعة ليبرالية في وقت صعود الفاشية في إيطاليا. وقد عرف عن والدها مقاومته للفاشية مما أدى إلى الاعتقال والتعذيب على أيدي السلطات الفاشية. وبعد سقوط الفاشية نضحت فالاتشي في ظل المد المعادي للفاشية التي عرفته إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية، وتأثرت بشكل خاص بأفكار المفكر الإيطالي المعروف انطونيو غرامشي الذي كان يعتبر الاشتراكية تطوراً متواصلاً للمجتمع حيث تنمو فيه بشكل حرية الفرد.

وقد توجهت فالاتشي إلى العمل في الصحافة وأخذت تبرز خلال الستينيات بتغطيتها للأزمات والنزعات والثورات في أميركا الجنوبية والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، حتى أنها تعرضت للخطر عدة مرات ونجت بأعجوبة في المكسيك بعد تعرضها لوابل من الرصاص. وخلال تلك السنوات، التي كانت تراسل فيها كبريات الصحف والمجلات المعروفة في العالم (كورييرا، ديلاسيرا ، نيويورك تايمز، التايم ).

اشتهرت فالاتشي بلقت "غريت غاربو الصحافة"، كما اشتهرت بمقابلاتها التي لم تخل من تصرفات غير مألوفة مع زعماء العالم مثل فيدل كاسترو وياسر عرفات وغولدا مائير وآية الله الخميني ودينغ كسياوبنغ وغيرهم. فعندما ذهبت إلى القصر الإمبراطوري في أديس بابا للقاء هيلا سيلاسي لم يسمح لها البروتوكول بالذهول لأنها تلبس البنطال فما كان منها إلا أن صرخت "قولوا لجلالته أنني سأدخل بالبنطال أو دون بنطال!". ولأجل مقابلتها آية الله الخميني ارتضت أن تضع شالاً على رأسها إلا أن المقابلة انقطعت فجأة حين أزالت الشال من رأسها معتبرة إياه "خرقة من القرون الوسطى".

وهكذا من خلال هذه السنوات الجامحة عرفت كتب فالاتشي طريقها مثل "رجل" الذي كتبت فيه قصة حبها للمناضل اليوناني ضد الديكتاتورية العسكرية أليكوس بانا غوليس و"رسالة إلى الولد الذي لم يولد بعد" و"الجنس المضاعف".

ولكن بعد 11 أيلول 2001م، أخذت فالاتشي تشتهر في العالم بكتاباتها الجديدة عن الإسلام والمسلمين، حيث أصبح الشغل الشاغل لها "الخطر الإسلامي" على الغرب والحضارة الغربية. ولم يعد الأمر يتعلق بنقد حاد لما تتوهمه من خطر ماحق على الحضارة الغربية بل أصبح الأمر يصل، كما يقول نقادها من اليسار الإيطالي، بـ"هذيان" لا يستند إلى أساس عقلي. فقد تميزت كتاباتها في هذه الفترة بالنقد الحاد وحتى الجارح للإسلام والمسلمين، الذي يؤدي إلى دغدغة المشاعر واستثارة المواقف الدينية والعنصرية ضد المسلمين في أوروبا والإسلام في العالم.

لقد شكلت أحداث 11 أيلول 2001م انعطافاً بل انقلاباً في تفكير وإنتاج فالاتشي انطلاقاً من أن الغرب أصبح في خطر ولا بد أن يرد لا أن يبقى متفرجاً ومنتظرا ما سيحل به. فما أثر فيه فالاتشي أن معظم الدين نفذوا عمليات 11 أيلول 2001م لم يكونوا من الفقراء المحرومين أو الناقمين بل كانوا من عائلات غنية ومتوسطة، وبعضهم عرف الغرب واستفاد مما لدى الغرب من علوم وتقنيات لينقض على هذا الغرب.

وقد بدا هذا الانعطاف أو الانقلاب في تفكير فالاتشي في كتابها الأول "حقد وافتخار" الذي صدر في 2002م، وبيع منه في إيطاليا وحدها مليون نسخة. ففي هذا الكتاب تقول أن "فن اتباع الله Allah  يتمركز حول اختراق الغرب وإخضاعه"، وتذهب في هذا الاتجاه إلى حد مقارنة أسامة بن لادن بهتلر وموسوليني.

وفي كتابها الآخر "قوة العقل" الذي صدر في 2004 لم تعد تتركز على "الخطر الإسلامي" بالمفهوم الفكري/ الإرهابي فقط وإنما على العامل الديموغرافي أيضاً الذي يتمثل في تزايد المسلمين في أوروبا. ومع وجود هذا "الخطر" تؤدي فالاتشي على الأمل بنجاة الثقافة الغربية لأنها الأقوى بسبب الفكر الغربي نفسه. وقد وصل الأمر بها إلى حد تشبيه الإسلام بالمستنقع "حيث الماء راكد لا يتحرك، لا يتنظف أبداً". ولا يمكن أن يتحول إلى ماء جار يصب في البحر، بل هو ماء ملوث لا يصلح للشرب..."، بينما "الغرب هو نهر، والأنهار هي مجاري مياه، فالماء الذي يجري باستمرار يتنظف...".

وفيما يتعلق بالبعد الديموغرافي للخطر الإسلامي تشبه فالاتشي المهاجرين المسلمين بالفئران في سرعة تكاثرهم وتعاظم خطرهم على أوروبا حتى أنها تطلق اسم "عوربا Euarabia" على القارة لما حدث فيها من تزايد سريع في عدد العرب. ولا تتوانى فالاتشي عن القول هنا بأن العرب لا يتزوجون الأوروبيات عن حب بل لأجل إنجاب الكثير من الأولاد المسلمين الذين يشحنون للقضاء على الغرب. وفي هذه الحالة تنسب فالاتشي كل ما هو شنيع (الجريمة والمخدرات) إلى العرب المهاجرين.

ولا تتورع فالاتشي في نقد رجال السياسة في إيطاليا، بمن فيهم سلفيو برلسكوني الذي لم يقصر في حق الإسلام والمسلمين في عدة مناسبات، وحتى في الغرب من أمثال جورج بوش الذي تعتبره "معتدلاً" فيما يقوم به.

ومن الأمور التي تلفت النظر في هذا الانقلاب الذي حدث في تفكير فالاتشي أنها حافظت من حيث الشكل من الفترة الأولى على موقفها الالحادي (الحمد لله إنني ملحدة)، ولكنها في الفترة الثانية مالت بالفعل إلى الله بالمفهوم المسيحي (الذي تعتبره في موقع متفوق) وصعدت موقفها ضد الله بالمفهوم المسلم الذي تصفه بـ "المستبد" .

وأخيراً فمن المثير الآن، في الوقت الذي تثار فيه الاعتراضات والمظاهرات ضد ما قاله البابا بيندتكس عن الإسلام، أن نذكر أن البابا خصّ فالاتشي باستقبال خاص لم تحظ به إيطالية من قبل في 27آب 2005م، أي في الوقت الذي كانت قد وصلت في هذيها عن الإسلام والمسلمين إلى الحد الذي أحرج المقربين منها.

* أستاذ التاريخ الحديث في جامعة آل البيت

التعليق