محفوظ: لم أعد قادرا على التأليف والكتابة واكتفيت بالحكايات القصيرة التي تقوم على الأحلام

تم نشره في الخميس 24 آب / أغسطس 2006. 09:00 صباحاً
  • محفوظ: لم أعد قادرا على التأليف والكتابة واكتفيت بالحكايات القصيرة التي تقوم على الأحلام

في آخر مقالة له في "لوفيغارو ماغازين" قبل أزمته الصحية

عمّان-الغد-تناول الأديب المصري نجيب محفوظ في مقالته التي نشرت قبل أزمته الصحية في "لوفيغارو ماغزان" الفرنسية كيف يعيش شيخوخته وكيف أنه لم يعد يقدر على التأليف والكتابة مكتفياً بالحكايات القصيرة جدا، التي تقوم على الاحلام. لكن حدود الاحلام هائلة كما يقول محفوظ.

وقد نشرت المقالة في "الماغازين ليتيرير" بالتعاون مع الكاتب المصري محمد سلماوي مدير تحرير مجلة "الأهرام ـ إبدو" بالفرنسية. وأكد محفوظ في مقالته أن الضعف الذي أصاب جسده لم يسلبه شيئاً لا من روحه ولا من مخيلته، بل إنه أعطاه شكلاً جديداً للحرية. وفيما يلي نص المقالة التي ترجمتها "كوليت مرشليان"

"ليس فعل الكتابة بريئاً على الدوام، وبالتأكيد هذا يسمح أحياناً لبعض الأشخاص بأن يتقدموا ليطرحوا عليّ أسئلة شخصية أكثر من الأسئلة المتعلقة بالأحداث اليومية وهم في أكثريتهم لم يقرأوا أعمالي بتمعّن وانتباه. وهكذا استقبلت يوماً صحافياً فرنسياً كان قد صبّ كل اهتمامه على قصة قصيرة لي عنوانها "رجل" وفي مضمونها... كنتُ قد كتبت عن صحافي يكتب عن "رجل" من جيل قديم. غريب انعكاس هذه المرآة، أليس كذلك؟

والصحافي الخاص بي في قصتي، كان يصف أحد جيرانه. ويروح يراقبه من بعيد وهو يتنزه على جادة الحرية. وكان شخصية مميزة فهو حصل على مراكز ومناصب عالية وكانت له مهنة أخرى هي الهندسة المدنية جعلته يتحمل بعض المسؤوليات السياسية. ولكن منذ أن فقد زوجته وهاجر أولاده الى الولايات المتحدة الأميركية، صار يعيش وحيداً. وهنا راح الصحافي المخبر يسأل: "ومن كل حياته الطويلة لم يحتفظ سوى بالذكريات. بمن يفكّر في وحدته؟ وكيف يحافظ على رباطة جأشه؟ وكيف يرفع معنوياته؟ وكيف نستطيع أن نحوّل تقدّمنا في العمر نعمة. بدلاً من الإحساس بأنها العدو؟".

وبعد هذه القراءة، تعرّف الرجل العجوز الى صورته في القصة. وشعر بإحساس مفاجئ ولذيذ في آن في أن يختاره هذا الصحافي المؤرخ ليرسم له خط تاريخه لكنه شعر بالانزعاج أيضاً لأن هذا الأخير سارع في الارتجال ووقع في الخطأ: لأن سن هذا الرجل المتقدم في العمر لم تكن عدوه. ولم يكن يشعر بالحاجة الى التذمر والشكوى. لأن حياته بأكملها كانت مشدودة ومتماسكة بفعل الشجاعة والإرادة اللتين ورثهما عن والده ـ رحمه الله ـ الذي كان معلماً كبيراً والذي كان يتميّز بالقوة والانتباه الكبير الذي أعطاه هذا الوالد الى جانب قسوته المطواعة والحكيمة في معظم الأحيان مما جعله ينصهر مثلما نصهر الفولاذ. وحين عاد وفكر في صفة الضعف التي اعتقد الصحافي بأنها من صفاته، قال الكاتب متنهداً بعمق: "كم من الاستيهامات والأحلام لدى هؤلاء الكتّاب!".

في اليوم التالي، حين التقى كاتب المقالة خلال نزهته، اقترب منه وشكره ودعاه الى أن يزوره في منزله ليشرح له الحقيقة. "حقاً!" هتف الصحافي.

أما بقية القصة القصيرة "الرجل" فهي تعرض النقاش الذي دار بين الاثنين حول الإرادة في العيش وفي كسب المعركة. وهكذا بعد سنوات طويلة على صدور هذا النص، يأتي صحافي فرنسي ليطرح عليّ السؤال الآتي: "كيف نستطيع أن نحوّل تقدمنا في العمر نعمة بدلاً من الإحساس بأنها العدو؟".

جوابي، هنا والآن، سيكون مختلفاً عن جواب بطلي المنتصر، لأنه ليس حكماً أن نبقى ملتصقين ومؤمنين بما كتبناه في الماضي: لكي تكون الشيخوخة نعمة يجب أن نعرف أضدادها أو الوجهة المعاكسة لها يجب أن نعيش ضمن هذا الضد من دون أن نتخطاه لا من فوق ولا من تحت. يجب أن نعي جيداً حدودنا.

في شقتي الصغيرة في شارع النيل، في القاهرة، أنا أعيش أحلامي. والضعف الذي أصاب جسدي لم يسلبني شيئاً لا من روحي ولا من مخيلتي: حتى أنني يمكنني القول بأن هذا الضعف أعطاني شكلاً جديداً للحرية. كل شيء انقلب رأساً على عقب في حياتي في ذلك النهار من تشرين الاول 1994، حين حاول متشددان من "الجماعة الاسلامية" اغتيالي.

كنت اخرج من منزلي. فتعرض لي احدهم بالضرب من الخلف، شعرت بأن شيطاناً يزرع اظافره في رقبتي. وفي الحقيقة، كانت طعنتان من سكين حاد. ونجوت من المحاولة بعد سبع ساعات من العمليات الجراحية المتواصلة وبعدها اسابيع عديدة قضيتها في المستشفى. لكن احد الشرايين المقطوعة لم يكن ممكناً اصلاحه، تسبب بشلل يدي اليمنى. انها يد الكتابة. واستلزم الامر نحو سنة ونصف السنة من التمارين والتدريب حتى تمكنت اخيراً من كتابة بعض الاحرف. وتعلمت من جديد كتابة اسمي، يا له من رمز! والرجال الذين حاولوا اغتيالي كانوا قد اعلنوا فتوى لإهدار دمي بسبب إعادة نشر إحدى رواياتي التي صدرت للمرة الأولى العام 1959 وعنوانها "أولاد حارتنا"، وكانت هذه الرواية قد وصفت ايضا بأنها جريئة ومجرّحة من قبل "العلماء" في تلك المرحلة. وهؤلاء اعتبروا انهم وجدوا شخصيات موسى والمسيح والنبي محمد في اطار شخصيات الرواية، وهذه كانت خطيئة مميتة في نظر المسلمين. لكن أسوأ ما في الامر، انه خلال المحاكمة حول قضية هؤلاء المعتدين علي، اكتشفت انهم لم يقرأوا الرواية. كانوا مجرد ارهابيين تعساء يرفضون آراء الآخرين، في حين ان الاسلام هو دين الحرية.. وبعد ان صدر الحكم ضدهم، بقيت زمناً طويلاً منقسماً ما بين شعور الحزن والاحساس المسبق للامور. كنت أفكر بشكل دائم بالحياة التي كان يمكن ان يعيشاها. كانا شابين يافعين. وكنت افكر ايضا في حالة الاعاقة التي صرت فيها، لان هذا الاعتداء لم يوقعني فقط في حالة شلل يدي، بل اساء لوضعي الصحي العام، فقد اصبت ايضا بالطرش وبالعمى الجزئي.

كيف يمكن ان تكون الشيخوخة في هذه الحال، نعمة؟ هنا، على الارض، انا سامحتهما.

وأنا الذي كتبت اكثر من خمسين رواية ومجموعات قصصية كثيرة، اضافة الى النصوص المسرحية، لم اعد اقدر على التأليف والكتابة واكتفيت بالحكايات القصيرة جدا، التي تقوم على الاحلام. لكن حدود الاحلام هائلة!

انها احلام حقيقية، تنبع من النوم، أو أحياناً من حالة التأمل، وأنا أقوم بتحويلها الى قطع ادبية. فأنا لا اكتبها تماماً كما اتلقاها في الاحلام. بل هي تدور في رأسي وتدور وتتحول وتتبدل. انها خيمياء غريبة. هناك الفكرة الخام. وهناك التحلق الأدبي. وهذا يعمل في معظم الأحيان. ولكن احياناً هو لا يعمل. ومن الناحية التقنية، استطيع ان أحدد ان هذا الغليان او الدوران الداخلي يبقى على هذه الحال اسبوعاً أو أسبوعين. واذا ما توصل الى نتيجة، فأنا لا أصر على الاطلاق. اما الحلم الذي يراودني حالياً فهو التالي: رأيت ناصر في الحلم وهو يعطيني رغيف خبز من نوع خبز مصر العليا وهو يمتاز بأنه قاس ومطبوخ على ضوء الشمس، فهو قد اعطاني اياه وطلب مني ان آكله. من هذه الرؤية، لم أصل الى شيء بعد، ولكنني أشعر بقوة حيالها، وسوف أكبتها. حاليا، انا اتركها تسكنني. هي لا زالت في حال الحركة من داخلي. نعم، الحلم هو حدود عالمي".

التعليق