العدوان على غزة ولبنان يغير من سلوكيات الفلسطينيين

تم نشره في الأحد 6 آب / أغسطس 2006. 10:00 صباحاً
  • العدوان على غزة ولبنان يغير من سلوكيات الفلسطينيين

فتيات ُيقلعن عن الماكياج وشبان يقننون مصروفاتهم

يوسف الشايب

رام الله -اعتاد هاني عبدالله، كل صيف على السفر مع أسرته إلى بلد أوروبي لقضاء بضعة أسابيع يعود بعدها إلى رام الله "فرش" وبنفسية مرتاحة تؤهله لتحقيق إنجازات مهمة على صعيد تطوير مكتبه المتخصص في استيراد وتصدير بضائع مختلفة.

بيد أن الأمر مختلف هذا الصيف، فعلى الرغم من أن الضغوطات النفسية على الفلسطينيين تبدو مضاعفة، إلا أنه وزوجته آثرا البقاء في رام الله وتقديم المبلغ الذي كانا رصداه للرحلة الأوروبية لأسر محتاجة في غزة ولبنان.

وأثر العدوان على غزة ولبنان كثيراً على سلوك عبدالله وأسرته، فزوجته لم تعد تذهب أسبوعياً إلى "الكوافير"، وابنته اختصرت الكثير من زياراتها المتكررة للمقاهي والفنادق والمطاعم، في حين ابتعد ولده الوحيد عن شراء لباس جديد كل أسبوعين تقريباً، لمجاراة "آخر صيحات الموضة" .

ويقول عبدالله: بصراحة مشاهد المجازر الإسرائيلية في غزة، وبعدها في لبنان، كانت بمثابة جرس أخرج العائلة كلها من سبات عميق عاشته لسنوات، إذ أدركنا حجم البذخ الذي كنا نعيش في إطاره . الآن اختلفت الأمور، وعلينا أن نشعر مع الآخرين، و"نحسب حساب يوم أسود قادم ربما".

وتقول ابنته الطالبة الجامعية رنا: منذ الحرب على غزة، وبعد العدوان على لبنان، بت أشعر بالخجل لمجرد التفكير بوضع الماكياج قبل التوجه للجامعة . صديقاتي جميعاً طلقن الماكياج لأن الحزن يملأ نفوسنا جميعاً، واحتراماً لمشاعر الآخرين، ودمائهم الزكية، كما لم نعد نلتقي كل يومين أو ثلاثة في مطعم، أو مقهى، أو فندق برام الله، كما اعتدنا.

وتؤكد "بصراحة لم نعد قادرين على الفرح، ونشعر بالخجل إذا ما أقدمنا على فعل قد يبدو شاذاً في ظل السقوط اليومي لضحايا فلسطينيين ولبنانيين، برصاص إسرائيلي حاقد".

وتضيف رنا "قبل أيام جاءت ذكرى يوم مولدي، وعلى غير العادة لم أقم أي احتفال واكتفيت بقبلات والديّ وأخوتي". وتلفت إلى أن "الحرب غيرتنا جذرياً"، كما غيرت العديد من أصدقائنا وصديقاتنا، حيث بتنا نشعر بأهمية "أي قرش نصرفه"، وبأن لنا أخوة يموتون في غزة ولبنان.

أما شقيقها بلال، وهو طالب جامعي أيضاً، فقد هجر "الموضة" و"الملابس الجديدة" و"النيو لوك" وموسيقى الراب المهووس بها، كما هو الحال مع مباريات المصارعة الحرة الأميركية، ليكرس الكثير من وقته على الإنترنت يرسل صور المجازر الإسرائيلية لأصدقاء معظمهم أوروبيون وأميركيون، في وقت كان يقضي ساعات عدة أمام "الماسنجر" للحديث في "أمور تافهة" على حد تعبيره.

ويقول لابد أن أفعل شيئاً. مشهد الطفلة هدى التي خسرت أسرتها على الشاطئ هزني من الأعماق، وشعرت أن عليّ أن أغير من أسلوب حياتي. عليّ أن أكون مؤثراًَ في هذه الحياة وأنغمس في هموم الناس وأن أعيش في فلسطين كفلسطيني، وليس كأوروبي أو أميركي، وهذا ما حدث بالفعل . لست أبالغ في مدى تأثير هذه الصور علي، إن قلت إنها قلبت حياتي رأساً على عقب. بت شاباً متزناً، وهو ما لمسه الكثير من أصدقائي، ومنهم من سار على الدرب ذاته، ومنهم من استمر فيما كان عليه.

ويضيف بلال أنا لا أقول إن علينا أن ندفن أنفسنا في الحياة، إذ يجب أن نفرح، ونعيش من دون أن يتملكنا اليأس، لكن لابد أن نشعر بالآخرين وأن نحترم إنسانية الضحايا، وندرك أن أياً منا معرض لما هم معرضون إليه، فالعدو واحد وآلة القتل واحدة.

وحال أسرة هاني عبدالله، ينسحب على الكثير من الفلسطينيين الذين أثرت الحرب الإسرائيلية على لبنان وغزة في سلوكياتهم كثيراً، فباتوا أكثر قرباً من هموم المحيطين بهم، بعيداً عن أي انسلاخ أو انسحاب مبرمج أو عفوي مما يحدث على الأرض.

التعليق