اللغة والقص : مساعدة العقل على الارتقاء الى مناطق اسمى

تم نشره في الخميس 3 آب / أغسطس 2006. 10:00 صباحاً

 

روجر ويبستر

  يبحث هذا الموضوع في ميدانين أساسيين مرتبطين بنهوض النظرية الأدبية والنقدية في أوروبا في القرن العشرين وأثرهما الأقرب تاريخياً على النقد الأدبي في بريطانيا. وقد يبدو هذان الميدانان وكأنهما لا يتمتعان ابتداء بأهمية مركزية بوصفهما طرائق للتفكير بالأدب. ولا شك في أنهما ينطلقان مما كنا قد دعوناه بالافتراضات "المسلم بها" حول اللغة والأدب كليهما.

  إن نقطة البداية لمثل هذه المناهج لها صلة قليلة بالشخصية والخبرة، ولكنها تشكل المواد الخام التي يتكون منها الخطاب الأدبي، ليس ما يوصف أو يعاد إنتاجه بشكل اساسي، وإنما الكيفية التي يتم وفقها بناء الموضوعات.

 وهي أيضاً مناهج جد مختلفة عن نوع النقد الذي دافع عنه كل من "ماثيو أرنولد" Matthew Arnold، و "إف آر ليفيس" F. R. Leavis وأتباعهما. وقد تبدو اللغة الاصطلاحية والمواقف النظرية أكثر علمية في طبيعتها من مقدار صلتها بالعواطف والأحاسيس، وهو بالضبط ما كان ليفيس يعارضه، أو هي بالأحرى مختلفة عن ذلك النوع من المناهج التي عادة ما حظيت بالاحتفاء في جلسات النقد العملي أو في التفكير إزاء الروايات باعتبارها مكافئاً موضوعياً "للحياة الحقيقية".

وبشكل ما، فإن هذه الأفكار الجديدة ربما يمكن تصنيفها على أنها مناهج علمية من حيث أنها تبدأ من الموقف القائم على أن الأدب شيء قابل للمعرفة والتعريف أكثر من كونه على صلة بالتأثير والعقلانية.

واللغة هي المادة الأساسية للأدب بالمفهوم الأكثر اتساعاً والأكثر ضيقاً للتصنيف، ولهذا فإنه ينبغي أن يعرض خصائص معينة تعرف "أدبيته" عندما نتعامل مع الخطاب الأدبي. والقص هو طريقة للنظر إلى تنظيم وبناء اللغة إلى وحدات أكبر، وبهذا، فإن اللغة التي ربما لا تكون مهمة بنفس المقدار في تقويم جميع أنواع الشعر، ربما تكون طريقة جد مفيدة في النظر إلى القصة النثرية والدراما.

ويجب أن لا ننسى أيضاً أن النقد والنظرية لهما أنواع من اللغة الخاصة بهما، وأشكالهما الخاصة في القص، على الأقل عندما ينظر إليهما من منظور تاريخي.

(اللغة)

  بالنسبة للكثيرين من النقاد الأوائل، كانت اللغة واسطة ثانوية أو سلبية لنقل الأفكار والتجربة. ويمكن العثور على نمط لهذا التوجه في تعليق للناقد دبليو جيه كورثوب W.J. Courthope، وهو ناقد من القرن التاسع عشر وأستاذ للشعر في جامعة أكسفورد، حيث يقول:

"إن اللغة أداة للفكر، وهي مثل حذاء ميركوري المجنح، يمكن أن تساعد العقل في الارتقاء إلى مناطق أسمى من الفكر والخيال. ولكنه سيكون من الخطأ النظر إلى حذاء ميركوري على أنه مصدر للقداسة، وهو شيء من النوع الذي يمكن أن يحدث في المدرسة الإنجليزية، حيث سمح لدراسة اللغة بأن تسود على دراسة الأدب". 

   لعل من المثير للانتباه أن كورثوب يرى "الفكر" و"الخيال" منفصلين عن اللغة، ولاشك في أن دراسة الأدب متمايزة عن دراسة اللغة. ففي بريطانيا في القرن العشرين، نزعت كل من اللغة والأدب إلى أن يتم التعامل معهما بطرق أقرب إلى الانفصال في المؤسسات الأكاديمية.

 وكانت دراسة الأدب بشكل أساسي تاريخية، أي أنها تعنى بالنظر إلى تطور اللغة الإنجليزية أو تركز على العناصر اللغوية التقنية في اللغة.

ولم تكن أي من تلك المقاربات للغة متكاملة إلى حد وثيق مع دراسة الأدب ككل، وكان ممكنا بالتأكيد الحصول على درجة علمية في "الإنجليزية" من العديد من المؤسسات بدون أن يكون المرء قد درس أي موضوع لغوي في سياق تمارين النقد العملي الذي لا يعتمد بشكل يعتد به على نظرية اللغة الشكلية.

  وفي أوروبا في بواكير القرن العشرين، ظهرت نظريات مختلفة عن اللغة، وعن اللغة الأدبية بالتحديد، والتي كان لها تأثير هائل على دراسة الأدب في بريطانيا في عقد الستينيات.

 وأنا لا أقول هنا بأنه لم تكن هناك نظريات عن اللغة سابقة على القرن العشرين والتي اعتبرت اللغة عنصراً أساسياً في الأدب، أو التي نظرت إلى اللغة باعتبارها المولد للأفكار والمعنى أكثر من كونها واسطة للتعبير عن تلك الأمور.

ذلك أن نظريات الخطابة في اليونان القديمة، إضافة إلى عمل الأميركي "سي إس بيرسي " C.S Pierce في القرن التاسع عشر في اللغة جاءت سابقة على النظريات اللاحقة. وكان قد تم القول بأنه يمكن إعادة إحياء الخطابة إلى حد كبير لتكون نموذجاً ذا صلة في الدراسة الأدبية التي قام بها "تيري إيجلتون" Terry Eagleton تحت عنوان "النظرية الأدبية: مقدمة" (1983) Literary Therory: An Introduction، حيث قدم أطروحة قوية عن هذا الأمر في خلاصته.

 ومع ذلك، فإن بدايات القرن العشرين تؤسس فعلاً "للحظة" تاريخية معينة من حيث الطريقة التي أعيد بها تقويم اللغة، وتبعاً لذلك النظرية الأدبية. ويعد عمل سوسور Saussure على وجه الخصوص أساسياً لنمو ما أصبح يعرف بالبنيوية، وهو مفهوم يضم حقلاً أوسع بكثير من المعرفة من الدراسة الأدبية. فكانت نظريته في الدلالة فتحاً في علم اللغة وفي القراءات الأدبية والتأويل على حد سواء.

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

التعليق