سراج الدين: من المحبط ألا يذكر اسم جامعة عربية في تقرير عن أهم خمسمائة جامعة في العالم

تم نشره في الخميس 29 حزيران / يونيو 2006. 10:00 صباحاً
  • سراج الدين: من المحبط ألا يذكر اسم جامعة عربية في تقرير عن أهم خمسمائة جامعة في العالم

في حوار مع مدير مكتبة الإسكندرية وعضو لجنة تحالف الحضارات

حاورته: نوال العلي

عمّان- شغل مدير مكتبة الإسكندرية الدكتور اسماعيل سراج الدين العديد من الوظائف ذات الأهمية قبل أن يستقر أخيراً مديراً لأحد الصروح العلمية الضخمة في العالم العربي. فقد عمل عقب حصوله على درجة الدكتوراة في الهندسة المعمارية من جامعة هارفارد بالولايات المتحدة  في البنك الدولي بواشنطن، ثم عاد إلى مصر ليكون رئيس المجموعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية، ثم رئيساً للمجموعة الاستشارية لمساعدة الفقراء، ثم رئيس اللجنة الدولية للمياه في القرن الحادي والعشرين. واستقر سراج الدين المولود بمدينة الجيزة بمصر في العام 1944 في وظيفة مدير عام مكتبة الاسكندرية.

"الغد" التقته في المؤتمر الثاني للحائزين على جائزة نوبل حيث شارك في الحلقات النقاشية كباحث وخبير، وكان هذا الحوار:

-د.سراج الدين، هل لك أن تحدثنا بداية عن مكتبة الإسكندرية كصرح ثقافي عربي وعن دورها في هذا الصدد؟

في البداية أرجو أن يكون واضحاً أن مكتبة الإسكندرية بدأت تأخذ مكانها على الساحة المصرية والعربية والدولية، فقد عقدت هذا العام 1500 حدث ثقافي من معرض إلى مؤتمر إلى حفلات موسيقية وجاءنا أكثر من مليون زائر في العام الماضي، أي بمعدل 75 ألف زيارة يومية، و24 ألف تردد قارئ. كما يزور الموقع الإلكتروني تسعين مليونا سنوياً.

وأود أن أضيف أمراً في غاية الأهمية وهو أن مكتبة الإسكندرية ليست مجرد مكتبة بالمعنى المعروف والحرفي للكلمة، إنها صرح ثقافي بمعنى أنها تحتوي على ثلاثة متاحف، وقبة سماوية، وخمس مكتبات متخصصة وقاعات إنترنت.

- ثمة مقولة كنت قد نفيتها بشكل علمي موثق في مؤتمر بيوفيجن الذي أقيم في أيار(مايو) 2006 ، وهي أن العرب هم السبب في اختفاء مكتبة الإسكندرية التاريخية، هل لك أن توضح ذلك؟

- في الحقيقة أن المكتبة حرقت قبل الفتح الاسلامي بفترة طويلة جداً تصل إلى عدة قرون. كما أن اختفاء هذه المكتبة التاريخية قد ترافق مع الانحدار التدريجي للحضارة الرومانية نفسها، وانهيار تلك الامبراطورية بفعل عوامل داخلية وخارجية. وتوقف هذا الانهيار أمام النهوض العلمي في الحضارة العربية - الاسلامية، فعلماء تلك الحقبة، مثل ابن الهيثم والبيروني وابن سينا، مارسوا الشك العلمي بجرأة بالنسبة لمن يعمل ضمن مشروع ديني كبير آخذ في النهضة، وقد وصلت جرأتهم حد رفض تام ومطلق للأفكار المسبقة، وعدم الاحتكام الى غير العقل. كما كان لهم العديد من الإنجازات العلمية كتأسيس علم الجبر، وقواعد الأعداد عند الخوارزمي، واكتشاف ابن النفيس للدورة الدموية، ما أريد أن أوضحه أن هذا أكبر دليل على أن المسلمين كانوا طلاب علم وبحث ودراسة وليسوا طلاب هدم.

لنعد لعملية تدمير المكتبة، فقد تمت على مدى 450 عاماً. وما أكده التاريخ أن المكتبة استمرت في قمتها كمعلم ومقصد علمي حتى عهد كليوباترا إذ وقعت المعركة بين كليوباترا وأخيها، وحرق الاسطول الموجود في الميناء المجاور للمكتبة القديمة فانتقلت النيران عن غير عمد الى جزء من المكتبة، وقد وصل حجم المخطوطات المحترقة آنذاك بحوالي 400 الف مخطوطة. وبعد ذلك بسنوات أهدى انطونيو كليوباترا 200 الف مخطوطة تم وضعها في المكتبة.

وبعد احتلال الملكة زنوبيا ملكة تدمر للاسكندرية ما بين 69 - 80 ميلادية حدثت بينها وبين الرومان عدة معارك تمكنوا بعدها طردها واحتلال الاسكندرية التي تعرضت للتنكيل والتخريب امتدت الى مكتبة الاسكندرية ودمرت جزءاً كبيراً منها.

- هل يمكن أن نتطرق قليلاً إلى البعد التاريخي لمخطوطات المكتبة وكيف كان يتم تنظيمها؟

في الواقع لقد شيد في مدينة الاسكندرية القديمة صرحان مهمان الاول فنار الاسكندرية اما الثاني فكان المكتبة، وقد ذكر في الكتب التاريخية أن المكتبة احتوت على اعمدة وارفف توضع فوقها لفافات المخطوطات، كما أرفق بها حديقة حيوان ومجموعة من النباتات ومشرحة وكلها تستخدم لأغراض البحث والدراسة.

 وكانت الكتب مكتوبة على لفافات البردي، إذ تشكل كل سبع أو ثماني لفافات كتابا مطبوعا حجمه 300 صفحة من القطع الصغير طبقاً لنظام الطباعة الحديثة. وبناء على هذا يقدر ما احتوته المكتبة القديمة بحوالي 900 الف لفافة بردي أي ما بين 100 - 120 الف كتاب من الطباعة الحديثة.

-د.سراج الدين أنت تشارك في المؤتمر الثاني للحائزين على جائزة نوبل الذي اعتبره بعض الحضور خلقاً لمساحة جديدة بين المثقف والسياسي؟ ما رأيك في ما سيقدمه هذا المؤتمر؟

الحائزون على جوائز نوبل يعطون نوعاً من الاهتمام الأكبر بالقضايا التي يناقشونها، فهم شخصيات اتفق العالم أن إنجازاتهم تستحق التقدير ولهم وزن أدبي وإنساني وثقافي. والهدف من هذا المؤتمر هو بلورة أولويات عامة، لدعم المسيرة العالمية والتنموية والسلام في العالم. وهم يقومون بدراسة القضايا ووضع توصيات قد تشكل دليلاً لصناع القرار في الدول المختلفة، كما سمعنا بالنسبة لقضية التنمية والصحة، ولذا نأمل أن يكون في هذه التوصيات والاستزادات المزيد من الدفع لتطوير علاقات جديدة بين الحكومات والجهات المختلفة لتنفيذ قرارات أخذت وفتح مجال للفكر ليساهم في تطوير التعليم ودراسات الصحة والتنمية وغيرها.

-أود الحديث عن قضايا حوار الحضارات أو صراعها ذلك أنك عضو في لجنة التحالف بين الحضارات التي أسسها الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان؟

يشرفني أن أكون عضواً في هذه اللجنة، التي تركز على أننا في هذا العالم كشعوب ورغم اختلافاتنا، لا بد أن نتعايش سوية وهذا أمر يتطلب الايمان بأن هناك بعض المبادئ التي تجمع بيننا لنعيش في عالم الاخاء. فالغالبية العظمي من مواطني مختلف الثقافات والمعتقدات والايدولوجيات بالحق في العيش بسلام مع ما يتطلب ذلك من التزام الجميع بممارسة حقوقهم وواجباتهم لتحقيق مثل هذا المطلب. من هنا علينا أن نقوم بجهود ملحة لتعزيز الحوار والمصالحة ولتعزيز التحالف بدلا من التصادم وأركز هنا على أهمية الحوار بدلاً من المواجهة. وأن نعمل سوية لتحديد ما يجمعنا وتقييم ما يفرقنا من أجل صقل مصير انساني مشترك أفضل للجميع. ومن الضروري أن توجه دعوة لتعزيز الاحترام المتبادل والتهدئة واتاحة الفرصة لإسماع صوت العقل، فنحن نحتاج الى مبادرات وآليات عمل لإيقاف دوامة الكراهية والبغض والتي كانت تعتبر بحد ذاتها تهديدا للسلام والأمن الدوليين.

-ما علاقة العولمة بصراع الحضارات أو حوارها كما تود؟

في عصر العولمة تتضاعف العلاقات والمبادلات بين مختلف الحضارات حيث تأخد فيه أية حادثة اختلاف أو سوء فهم بعدا عالميا مع ما يمكن أن تكون له من ردود فعل واسعة في العالم أجمع. ومن هذا المنطلق أصبح من الأمور الأساسية تعزيز ونشر قيم الاحترام المتبادل والتسامح والتعايش السلمي.

-خرج المؤتمر بتوصيات عديدة من ضمنها تفعيل التعاون بين مراكز الأبحاث في دول العالم النامي والمتطور وخاصة العلماء الحائزين على جائزة نوبل، كيف ستسفيد مكتبة الأسكندرية كمعلم ومركز للأبحاث العلمية من هذه التوصية؟ وأليس من باب أولى أن يتم التفعيل فيما بيننا كدول عربية في باب البحث العلمي أولاً؟

-لقد سبق للمكتبة وأن تعاملت مع هؤلاء النخب ومع مراكز الأبحاث في دول العالم المتقدم، ما أريد أن أقوله إنه ليس هنالك تنسيق بالقدر الكافي بين المؤسسات العلمية العربية وخاصة الجامعات، وفي مجال العلوم والتكنولوجيا بالذات. أليس من المحبط أن لا يذكر اسم جامعة عربية واحدة ضمن تقرير عن أهم خمسمائة جامعة في العالم! لنتمنى أن يكون هذا المؤتمر باكورة للتكاتف العربي بين المؤسسات البحثية والمكتبات ومراكز العلم.

التعليق