تجاهل الموروث المكرس والانتقاص من بطولته غير المؤكدة

تم نشره في الاثنين 19 حزيران / يونيو 2006. 10:00 صباحاً
  • تجاهل الموروث المكرس والانتقاص من بطولته غير المؤكدة

في احتفائية بــ " سيرة النائم" نظمها بيت تايكي أول من أمس

عزيزة علي

عمان- قال الناقد نزيه أبو نضال في الندوة التي أقيمت في"بيت تايكي" أول من أمس بمناسبة صدور كتاب "سيرة النائم" للزميلة "نوال العلي"، وأدارتها رئيسة تحرير مجلة تايكي القاصة بسمة النسور وشارك فيها إلى جانب أبو نضال، الناقدة هيا صالح، والقاص إبراهيم جابر. " ان كتاب العلي بالنسبة له عمل إبداعي معزول عن تصنيف الأنواع الأدبية التي يحرص دائما على ضرورة مراعاتها، بقدر حرصه على الترحيب بكل حالات التجنيس بين الأنواع الأدبية والفنية".

ورأى أبو نضال إن "سيرة النائم" "شكلت حقلا متميزا لدراسة ظاهرة التجنيس التي باتت في ظنه واحدة من أخطر الموضوعات التي تستدعي الدراسة في عولمة الألف الثالثة".

وأكد أبو نضال على أنه كان منحازا إلى تجربة العلي الإبداعية منذ ولادتها الأولى على صفحات مجلة تايكي: "أزعم أنني أحد شهود هذه الولادة أما الشاهد الأكبر فقد كانت بحق بسمة النسور التي ناولتني ذات يوم نصا شعريا للعلي وهي تسأل مبهورة الأنفاس:"معقول صبية صغيرة تكتب مثل هذا الإبداع المدهش؟" وكان بالفعل فوق التصديق!".

وأشار أبو نضال إلى أن أول ما يلفت النظر في سيرة النائم هو حالة الاندفاع المحموم للبوح الجريء مواربا وغير موارب، وهي تصوغ بوحها برهافة الشعر، وحين يحتاج الأمر بغليظ الكلام المنثور.. متنقلة على الدوام بين تحليق الشعر وتجنيحاته المدهشة وبين متعة الحكي حيث الراوي يفصل ويحلل ويذهب عميقا في قراءة الأسباب والعوارض والنتائج".

ويضيف أبو نضال"يبدو ظاهريا وكأن كلا الأمرين: شعرا وسردا، هما مجرد تدفقات عفوية، لكنك ستكتشف بقليل من التمعن أن ثمة وعيا نقديا عاليا وصارما يرصد فعل الكتابة بدهاء، كي تقول ما يمكن قوله بحساب، وبكثير من الجرأة، ولكن دون أن تعرض هذا النص الجميل لمقصات الرقابة ومثلث التابوات الذي يأخذ شكل المقصلة يسعفها في ذلك امتلاك مدهش لمفاتيح اللغة وانزياحاتها، وما يمكن أن تطلقه الكلمات من إيحاءات وظلال وترميزات".

وعن فعل الكتابة لدى العلي يؤكد أبو نضال "انه الشيء الجدير بأن تعيش لأجله نوال، ومن هنا فهي تتعامل معه بمنتهى الجدية، كما يليق بالكتابة، ولكن بمنتهى الاستهتار كما يليق بسيرة أثنى لم تعرف سوى محاولات لا تتوقف لصبها في قالب الحديد إياه! ثم محاولات التمرد بمناطحة الحديد الأصم التي تتركها مثخنة بكدمات الجنون".

من جهتها،أكدت الناقدة هيا صالح في ورقتها "على ان المرء يقف مدهوشا متأملا وهو يقرأ"سيرة النائم" للعلي فالكتاب يتضمن دفقا وفيوضا إنسانية تستفز الجواني فينا، وتدخلنا من كوة الأحلام إلى كينونتنا الصافية، التي لم تدنس بعد بحوافر الواقع".

ورأت صالح ان أهم ما تثيره هذه النصوص من أسئلة، هو "كيف يتخلص الكائن البشري من وطأة الزمن؟ كيف يتمرد على الزمن ليصل إلى خلود الذات، وحقيقتها، حيث الصفاء المطلق، بعيدا عن عَكَرِ ما هو أرضي؟ كيف يستعيد الكائن البشري بكارة أحلامه التي اغتصبها الواقع والوقائعي؟ كيف يعيد أناه إلى المربع الأول، هناك حيث يمكنه أن يكتشفها ويحاورها ويفض أسرارها دون وجل".

وأضافت صالح "ليس من ثيمة محورية تلظم هذه النصوص التي لا يحتاج القارئ إلى كبير جهد ليدرك أي مناخ تدور في فلكه، فثمة أحلام واستذكارات واستعادة للحظات أو التماعات لأحداث تومض في لا وعي الراوية فجأة ثم تختفي لتظهر أخرى تومض وتختفي وهكذا.. وكأنما الراوية تحمل آلة تصوير تلتقط فيها ما عنّ على بالها من مشاهد، ثم تعمل على تظهير الصور قبل أن تلصقها جنبا إلى جنب لتشكل لوحة ذهنية تنثال تفصيلاتها دونما قيود، أو محددات مسبقة".

وخلصت صالح إلى أنه" لا وجود للعالم خارج حدود رأس العلي، فها هي الراوية تؤكد مثلا:"عمان ليس لها وجود خارج نفسي، عمان تحدث عندما أفكر بها". فكل ما يطرق باب الذهن- ذهن العلي- هو حقيقي ومجسد، حتى لو كان محض وهم، وكل ما هو خارج الذهن متوهم وخادع ولو كان ملموسا".

وفي قراءته النقدية قال القاص ابراهيم جابر ان العلي ذهبت "بمثابرة عجيبة إلى تفقد ذاتها، وشحذ أضلاعها، في سن مبكرة، تحت رهبة السؤال الذي ينتظرها حتما(كامرأة في راهن شرقي) إن كانت ستسلم بالمواضعات التاريخية أم أنها تبيت نوايا تذمر ما؟"

وأضاف"ثمة إصغاء لفكرة جديدة هنا؛ تتماثل في هذا السعي الدؤوب لدى الكاتبة إلى تخليص بطلتها من نتوءاتها التي تحول دون انتظامها في الحراك الإنساني(أو قل البشري تحديدا) بسلاسة ودون خسارات، بطريقة أخرى غير تقليم حوافها، أو نزع صواعقها الأنثوية، إنما بالتخلص من الحادثة بـ(أدبنتها) وهو عكس ما يقصد بالمصطلح المعروف(أنسنتها)، أي أن المتوخى هنا هو تحويلها من رواية شخصية إلى حالة أدبية"

وحول الشخصية الرئيسية في الكتاب بين جابر أن الكاتبة في الرواية "تقتل البطل الراوي وتنشئ مكانه ظرفا خصبا لولادة بطل روائي، يجوز له لاحقا، وبسهولة، تجاهل كامل الموروث المكرس، أو المقدس، بذريعة حصانته كبطل حبري غير مطارد باستحقاقات"العشيرة العربية" وخسارات الانتظام في مجموع بشري نيء حضاريا، وغير ناجز".

وكجزء من تقديم أجواء الكتاب قرأ جابر فقرة من كتاب "سيرة النائم": (لكني أسألها عن الكتابة كما أسأل عن سر، فأنكرها كما أنكر ذنبا. وأعرف أسرارا جمة رميتها مرة في بئر، سمعت صوت ارتطامها بالماء، كانت ثقيلة على ما يبدو. أسرارا لا حفظتها ولا أشعتها. قتلتها. كنت أمام الكتابة وكان جسدي حاجزا وهميا؛ أني امرأة، لي ماض ميت، ومستقبل ليس في الحسبان، لست كلّ هذه التفاصيل التي تدفعني إلى الجنون...إن جلّ ما تمنيته أن أكون حلماً غريماً للموت).

وحول ذلك لفت جابر إلى ان العلي "ترصد أناها الراوية عبر قتل أسرارها، ليصير لكل هذا البوح اللاحق متعلقا بشخصية روائية مختلقة؛ تنسب لها كل خيالات الكاتبة وماضيها المسرود هنا بلا تردد أو ارتباك؛ كأنما الكاتبة اطمأنت إلى هذه البطلة التي لاحقا ستحمل(التهمة) نيابة عنها".

وبعد الانتهاء من القراءة النقدية قدمت الفنانة سحر خليفة بمرافقة فرقة "رم" للموسيقى مجموعة من الفيروزيات بالإضافة إلى عدد من أغانيها الخاصة، ثم قرأت العلي مجموعة من قصائدها.

التعليق