ابراهيم الكوني يدخل عالم اللغات بعقلية شاعر

تم نشره في الخميس 1 حزيران / يونيو 2006. 10:00 صباحاً

 

   بيروت - يبدو الكاتب الليببي ابراهيم الكوني في كتابه الجديد كمن يدخل عالم اللغات بعقلية شاعر وأحيانا اخرى كمن يدخل اليها عبر الفلسفة ومعتقدات قديمة ويربطها بأوضاع حديثة.

وعلى رغم تأثير لغة الكاتب الليبي البارز في القراء بشعريتها وامتلائها بالفكري الفلسفي والاسطوري الخرافي فلابد من القول اننا حين نتصرف احيانا كمن يلم الماما كبيرا و"بكل شيء" تقريبا فلا بد من ان يأخذ علينا البعض ما يعتبره اخطاء.

   وقد تؤخذ على الكوني مآخذ في المنهج كما في التفاصيل. اما المنهج فقد ينظر اليه على انه استند الى نماذج محددة ليتحدث عما يبدو للقارئ تعميما لا مسوغ جديا لاعطائه صفة عامة او شاملة. وأبرز ما في هذا انه -وهو ذو ثقافة متنوعة ملونة بما في ذلك الثقافة اللغوية- يدخل شعريا الى عالم اللغة وفي هذا على ما قد يحمل من جمال منزلقات ومخاطر.

   كتاب الكوني الذي صدر في 100 صفحة عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" هو واحد من سلسلة من نتاج الكوني الغزير روايات وابحاثا وغير ذلك. حمل الكتاب عنوانا مركبا اتبع بوصف بدا عنوانا آخر. وقد جاء الامر -وبعد اسم المؤلف- على الشكل التالي "ملحمة المفاهيم 3/ لغز الطوارق يكشف لغزي الفراعنة وسومر / بيان في لغة اللاهوت". انه عنوان طموح جدا دون شك يصلح لابحاث ضخمة وطويلة. لوحة اغلاف وصفت بانها "من رسومات فناني ما قبل التاريخ / ليبيا".

قدم المؤلف للكتاب بكلمة عن اللغة "اللغة ليست قانونا موضوعا من قبل العلماء او مؤلفي المعاجم ولكنها حصيلة عمل.. حاجة.. علاقة.. فرح.. هوى وذوق اجيال الانسانية السالفة من خلال امتلاكها اسسا حميمة الصلة بأمنا الارض." وتحت هذا الكلام ورد اسم قائله على الصورة التالية "وايت ويتمان". ولم يذكر اي تعريف بالاسم. ترى هل هو "وولت ويتمان" الشاعر الاميركي البارز وقد ورد اسمه الاول خطأ؟

   ويبدأ المؤلف الكلام عما يسميه "زاي الكينونة ز.. زد". يتحدث عن الامر منطلقا من اساس لغوي ولا يلبث ان يدخل في عالم الفلسفة اذ يقول "يقف حرف الزاي في لسان البدايات على طرفي نقيض مع حرف آخر قرين له في النطق ولكنه بعيد عنه في المدلول الا وهو السين. فاذا كان الحرف الاخير قد ارتحل عبر لغات العالم لتأدية رسالة الجوهر او كل ما له صلة بالباطن استعارة من لغة التكوين الحاملة لذخيرة الروح الانسانية من خلال لسان الحرف الساكن الواحد فان حرف الزاي قد اختار ان يسلك سبيل المظهر في رحلة العرفان من خلال حمولته الدلالية "ككيان" او "كينونة" ولما كان الكيان بطبيعته حاملا لمبدأ باطني مستتر وليس مجرد جرم اجوف فلابد ان يحتوي على سر آخر يصير له قرينا مكملا يكون له بمثابة شرط وجود عملا بناموس وحدة الاضداد المؤسس لاعجوبة الوجود."

   ننتقل الى عنوان اخر هو "زل (صلى - صلاة) طارقية. عربية. المانية. بدئية" حيث يقول ان ازال وهي الاصل من ازل هو الاسم القديم لمدينة صنعاء وهو يعني بلغة الطوارق ان "يستقيم" بمدلولين تجريبي ومجرد اي بالمعنى الحسي وكذلك الاخلاقي. من البعد الاخير الاخلاقي استعارت العربية مفهوم الصلاة عندما كان الدين ايمانا او سلوكا عمليا يوميا وليس مجرد ممارسة شعيرية خالية من المضمون الاخلاقي..."

في مجال الحديث عما اسماه "سين الجوهر.. إس" بحث مستفيض ومقارنة بين عدد من اللغات في هذا المجال. لكن يلفت نظر القارئ مثلا ان المؤلف يربط بشكل غير مبرر كما يبدو بين مفاهيم حالية وأخرى قديمة لمجرد تقارب لفظي. في الحديث عن كلمة "مزر" التي تعني حامل الراية بالطوارقية كما يقول.. اذ ان زعيم القوم سمي كذلك "لانه يحمل الراية ويتقدم القبيلة عقلا او سيفا على حد سواء" ينتقل بسبب شبه لفظي الى القول "وفي اللغات الاوروبية استعارة لذات الكلمة البدئية بذات المعنى في كلمة "مودريتور" التي تدل على التقديم (مقدم برامج او مقدم كتاب او كاتب الكتاب) وذلك بإبدال شائع بين الدال والزال لان الاصل في الكلمة هو "مودر". من "مودر" هذه انبثقت كلمة مدير العربية التي لا تعبر عن مفهوم الادارة كما نعتقد بقدر ما تؤكد المفهوم البدئي الكامن في مبدأ التقديم كفعل اسبق في الكينونة من فعل الادارة."

   الا ان المؤلف -ومع الشك في صحة ما وصفه بانه اصل الكلمة- يغفل عن ان الكلمة الانجليزية هذه عبرت اصلا عن معان اخرى غير ما اشار اليه ومن هذه المعاني الغالبة "الوسيط" بين طرفين وأن من يدير حوارا هو في الاساس وسيط قبل ان نعرف فكرة ادارة الحوار او الجلسات. ويتهيأ للقارىء انها تأتي من معنى الاعتدال او الوسطية اكثر من معنى القيادة.

وفي الحديث عن "سيجنم" يقول انها تعني اصلا "علامة" باللاتينية وانبثقت منها كلمات بالجرمانية "اما في الانجليزية فنجد الاسم اللاتيني اكثر وضوحا في كلمة "ساين" التي تعني توقيعا الى جانب معنى العلامة" ويعيد هذه الكلمة الانجليزية مرتين وقد جاءت مهجأة بالأحرف الإنجليزية بشكل غير صحيح لينتقل الى القول ان المقابل الطوارقي لهذه الكلمة هو "بصمة" التي تعني العلامة والتوقيع.

ما يثيره الكوني على اتساعه واهمية كثير منه وسعة اطلاع الكاتب جميل اخاذ. لكن القارئ الناقد قد يجد نفسه يقول "وفي ذلك قولان.. او اكثر".

التعليق