"سيمفونية وحشية": صورة الموت في مرآة الحياة

تم نشره في الاثنين 1 أيار / مايو 2006. 09:00 صباحاً
  • "سيمفونية وحشية": صورة الموت في مرآة الحياة

انطلاق فعاليات مهرجان فيلادلفيا السادس للمسرح الجامعي
 

محمد جميل خضر

عمان - انطلقت اول من امس في مركز الحسين الثقافي برعاية امين عمان الكبرى المهندس عمر المعاني فعاليات مهرجان فيلادلفيا السادس للمسرح الجامعي العربي. والقى رئيس اللجنة التنظيمية عميد شؤون الطلبة في جامعة فيلادلفيا د. غسان عبد الخالق ورئيس لجنة التحكيم الفنان العراقي محمود ابو العباس والطالبة لمى مستت المشاركة في مسرحية "سيمفونية وحشية" كلمات في حفل الافتتاح، الذي اشتمل الى ذلك على عرض بانورامي مَرَّ على دورات المهرجان السابقة, والقى ضوءا على الاحتفالية الجامعية العربية السنوية التي تصدت لها بجدارة منذ خمسة اعوام جامعة فيلادلفيا.

   وشكل هاجس الموت, وصورته عبر مرآة الحياة الثيمة الرئيسية التي تحرك فيها عرض جامعة فيلادلفيا الافتتاحي "سيمفونية وحشية" من سينوغرافيا واخراج محمد بني هاني.

ومن مدخل نعوش (توابيت) يجرها ممثلو العمل: لمى مستت, لطفي جابر, براء ابوعبيد, محمد المحشي, احمد السفاريني وعبد الصمد كلنتن, تصاعدت مقولة العرض الذي تناول فكرة الموت من زاوية سوداوية عبثية.

ومن خلال جملة كلامية واحدة "بما ان الوجود كما تعبر عنه الاعمال العمومية الاخيرة لبوانسون وواتمان ويتصل بإله شخصي" ومن دون اكمال او اكتمال تلك الجملة, وعبر عدد من الاصوات التي صدرت عن ممثلي العرض والنواحات والكلمات المبهمة, سعى العمل المشارك من بين 14 عملا جامعيا الى تقديم رؤيته الخاصة حول الموت والحياة, والتحرك العابث في المنطقة المبهمة بينهما عبر لغة بصرية ادائية, استفادت من مشاركة موسيقية كثيفة لم تنج منها معظم مشاهد العمل الذي امتد على مساحة 60 دقيقة تقريبا.

   ونجحت مسرحية بني هاني صاحب الاعمال الاشكالية عادة في المهرجانات الجامعية وغيرها, على صعيد القوة الادائية لفريق العمل الذي تحرك جماعيا وتبادلت عناصره ادوار المحور، والحلول في مركز المواجهة مع الموت.

وانتشرت رائحة الموت من مشاهد العرض جميعها؛ موسيقى الموت, (ارجيلة) ما بعد الرحيل الابدي, مسيرة الموت او درب الاشباح الذاهبين في جولة داخل حديقة العبث.

وعبر تصاعد ايقاعي لافت تنتفض الاشباح وتعلن ثورتها الكابوسية في تنويع موسيقي بين الشرق والغرب.

   وارتدى الممثلون لباسا موحدا كما لو انهم سجناء مقبرة تحبس انفاسهم, وتحصي عليهم ارتعاشات قلقهم, كانوا مجانين في مصحة لمرضى هستيريا الحقيقة المطلقة, لأن الوجود ليس سوى طريقا مستقيما نحو العدم, والحياة ليست سوى وجه ضبابي للموت الاكثر سطوعا وتجليا وحضورا, ولأن الانسان كما يرى الفيلسوف الالماني هايدغر "ليس سوى كائن في سبيل الموت".

   وبابتعاده في معالجته الاخراجية عن اللغة الكلامية قدم بني هاني جرعة تجريبية زائدة قليلا, اثارت ردود فعل متباينة بعد العرض, ورأى فيها بعض المعنيين بأبي الفنون مبالغة, وبقدر ما عكس التحرر من سطوة الكلام جرأة, واقداما في حالة فن مثل المسرح يعتمد الحوار والسرد والحدث كعناصر رئيسية مكونة له, فإنه عبر الى ذلك عن محاولات بني هاني الجلية في معظم اعماله الى كسر التابوهات, والابتعاد عن المرجعية المدرسية والنقدية الصارمة في الفن المسرحي.

   ودخل فريق العمل في لحظة الذروة في مكرورة الموت المتعلقة بعبارة "بما ان الوجود كما تعبر عنه الاعمال العمومية الاخيرة لبوانسون وواتمان وتتصل بإله شخصي", مترافقة مع عزف حي لواحد منهم على آلة الغيتار, وشكلت تلك الذروة مفصلا مهما في سياق العرض المحتوي على بعض اطالة, كون مقولته الكبرى انجزت منذ المشاهد الاولى للمسرحية, وما جاء بعد ذلك كان اقرب الى تقاسيم او تنويع حول ثيمة الموت, فمرة حوّل العمل جدلية الموت والحياة الى لعبة, تشبه لعبة الروليت, ودائما فيها خاسر اكبر, وكان موت المسرحية متطلبا, ما اضطرهم الى تقديم قربان له في كل مرة طاف ثقله فيها حولهم, كان طيفه حاضرا في كل وقت, وزارهم ليلا ونهارا, وتجول حارسه تحيطه اضاءة خافتة ويلف سره ظلام دامس. كان الاشخاص ضعفاء امام جبروت الموت, ورفعوا ايديهم ابتهالا وضراعة من دون جدوى, وجلسوا له القرفصاء, وتأملوه بعمق, وتساءلوا في لحظة تمرد خاطفة "ليش/كيف" كان سؤالا حائرا, دار على ألسنة معظمهم, ودخنوا سجائرهم, كجزء من استسلامهم لحقيقته المطلقة, فالكائن ميت لا محالة, سواء دخن, او راعى اموره الصحية, واحاط نفسه بهالة وسواسية من العناية الفائقة, الكائن يغتاله الموت, ويقع صريعه, وحتى ان تحول الى ماكينة تفرخ الاسئلة, وتحاول الانتفاض القوي الرشيق على شروطه.

   وسرع بني هاني الايقاع في دقائق العرض الاخيرة المترافقة مع موسيقى متوحشة, كأنها طالعة من اعماق النواح والضراعة والخوف والفجيعة, وان حاولت ضحكة الختام ان تحتال قليلا على تراجيدية المعنى, وحتمية الموت.

ورأى الفنان العراقي محمد ابو العباس ان المسرح هو من اعطى الشهادة الاولى في كرامة الانسان, وتناول في كلمته لحفل الافتتاح دور مهرجان جامعة فيلادلفيا في اعادة الروح الى المسرح الجامعي "بعد ان تُرك مركونا في ادراج الروتين والتحجيم والتهميش".

   واشار رئيس اللجنة التنظيمية عميد شؤون الطلبة في جامعة فيلادلفيا د. غسان عبد الخالق الى اهمية البعد اللامنهجي في الحراك الاكاديمي وفي عمل الجامعات والمعاهد والمدارس, مؤكدا في الوقت نفسه على الدور الريادي لجامعة فيلادلفيا, وقال د. عبدالخالق في كلمته لحفل الافتتاح "لقد عملنا طوال عام على الاعداد لهذه التظاهرة الثقافية الجامعية الشبابية العربية, بوحي من استلهامنا لرسالة الاردن النهضوية التنويرية في الوطن العربي".

واضاف د. عبد الخالق في سياق متصل حول اهمية التعاون بين المؤسسات العامة والخاصة قائلا "وبوعي لأهمية الشراكة الاستراتيجية بين جامعة فيلادلفيا وامانة عمان كنموذج لما ينبغي ان تكون عليه العلاقة المتميزة بين القطاعين العام والخاص لخدمة اهداف التنمية الثقافية في الاردن والوطن العربي".

   من جهتها اضاءت الطالبة لمى مستت في كلمتها نيابة عن الطلبة المشاركين في المهرجان الجوانب الثقافية والاخلاقية التي ينتصر لها المهرجان الجامعي, ويعززها في نفوس الطلبة.

وتتواصل اليوم فعاليات المهرجان, فتعرض في الخامسة على مسرح اسامة المشيني مسرحية "الزبال" المشاركة من جامعة جرش من اخراج وليد الجراح، فيما تعرض في السادسة والنصف على مسرح كلية تراسنطة مسرحية جامعة اليرموك "تك.. تاك" بإخراج جماعي, وتختتم في الثامنة على مسرح مركز الحسين الثقافي عروض اليوم بمسرحية الجامعة الاردنية "العرض الاخير" اخراج احمد غرايبة.

التعليق