فنون إدارة الأزمات ومواجهة المواقف الصعبة

تم نشره في الاثنين 24 نيسان / أبريل 2006. 10:00 صباحاً

 

آنو السرحان

عمّان-  إدارة الأزمات أحد الفروع الحديثة نسبياً في مجال الإدارة، وتتضمن العديد من الأنشطة، يأتي على رأسها التنبؤ بالأزمات المحتملة، والتخطيط للتعامل معها والخروج منها بأقل الخسائر الممكنة، مثلا: ماذا تفعل إذا انهارت لديك شبكة الحاسب الآلي التي تربط كافة إدارات وأقسام شركتك بعضها ببعض؟ نظريا، تحلم الشركات دائما بتوفير الموارد المالية والبشرية التي تكفل لها وضع خطة متماسكة لإدارة الأزمات ومواجهتها قبل وقوعها وحدوث ما لا تحمد عقباه، وتقدم إدارة الأزمات وعيا عاليا بطبيعة التغير والتقلب اللذين أصبحا السمة الغالبة لمعظم بيئات العمل على مستوى العالم بأسره.

من هنا، لم يعد الإلمام بأدواتها وإجادتها رفاهية تتحقق في شركات دون أخرى، بل صارت طلبا وضرورة ملحة يجب تلبيتها قبل فوات الآوان.

وقد لخص جيري سيكيتش ذلك الأمر في كتابه عن تخطيط إدارة الأزمات (كافة المخاطر) حين كتب: «لا تختبر أي إدارة اختبارا جيدا إلا في مواقف الأزمات».

وتعد قصة رحلة شيكلتون إلى القارة القطبية الجنوبية عام 1914 واحدة من أشهر قصص إدارة الأزمات في التاريخ، حيث أبحر شيكلتون بسفينته متوجها نحو القارة القطبية على أمل أن يتمكن من عبور القارة سيرا على الأقدام، إلا أنه لم يتمكن قط من الوصول إلى البر، لقد حدثت الأزمة الأولى حين علقت سفينته بالثلج، وبقي هو وطاقمه على هذا الحال لعدة شهور، ثم حدثت الأزمة الثانية حين غرقت السفينة تاركة شيكلتون وطاقمه المكون من 27 فردا على بعد 1200 ميل من الحضارة على جليد طاف على سطح الماء ولا يوجد معهم سوى قدر ضئيل جدا من الإمدادات.

ومن المثير للدهشة أنه تمكن من إنقاذ طاقمه واللجوء بهم إلى جزيرة قريبة باستخدام قوارب النجاة، على هذه الجزيرة قرر شيكلتون تقسيم طاقمه، حيث ترك عددا من أفراد الطاقم على هذه الجزيرة تاركا لهم قدرا محدودا من الإمدادات وتوجه بباقي أفراد الطاقم على أحد قوارب النجاة إلى محطة لصيد الحيتان على بعد 800 ميل في ساوث جورجيا، وتمكن شيكلتون بالفعل من إنقاذ طاقمه ولم يفقد أيا من أفراد طاقمه على الرغم من كافة الصعاب التي واجهته والتي مثلت تحدياً رئيسياً لاحتمالات نجاته هو ذاته.

وإذا كان التفكير السريع في حالات الطوارئ أحد الأشياء التي تقوم بها بشكل جيد، وقمت بالفعل بالتخطيط لمواجهة المواقف الطارئة، ولديك خطة للموارد اللازمة للتخطيط للمواقف الطارئة، كل هذا حسن وجيد للغاية، لكن ما يعنينا هنا هو الأحداث والمواقف التي لم تخطط لها، وسواء كان يتعين عليك القيام بالتخطيط للمواقف الطارئة أم لا فتلك ليست القضية الرئيسية، فأنت الآن في موقف يهدد حياة المنظمة، كما يمثل في ذات الوقت أيضا تهديدا لاستقرار أوضاعك المالية، كيف ستتعامل مع مثل هذا الموقف؟ ما المواقف التي يمكن أن تطرأ وتمثل اختبارا لقدراتك على التعامل مع مواقف الأزمات؟ هناك الأزمات التي يمكن أن تحدث نتيجة للكوارث الطبيعية، الحوادث البيئية، حوادث مكان العمل، فشل الإنتاج، أو حتى حوادث إطلاق النار، كما أن هناك مجموعة أخرى من الحوادث التي كانت كامنة في إطار الأعمال ذاتها إلى أن جاء وقت تفجرت فيه؛ من قبيل هذه الحوادث الاحتيال من جانب أحد الموظفين، الغرامات الحكومية، اضطرابات العمال، الاعتراضات الجماعية، القضايا القانونية، ادعاءات العملاء أو التحقيق من جانب أي من الجهات الرقابية.

عرفت مجلة التايم إدارة الأزمات باعتبارها النظام الجديد للشركات في التعامل مع الكوارث، وقد بنت المجلة هذه الملاحظة على العدد المتزايد من الشركات التي تلجأ إلى استشاريين متخصصين لمعاونتها على وضع خطط إدارة الأزمات.

جزء كبير من شيوع هذا التوجه يمكن إرجاعه إلى العلانية الكبيرة التي حظيت بها عدة أزمات ألمت بالشركات العملاقة، حيث كانت فضيحتا جونسون أند جونسون، والخاصة بكبسولات تايلونين التي كانت بها نكهة السيانيد وإكسون موبل الخاصة بتسرب الزيت، اثنتين من أكثر فضائح الشركات ذيوعا، على الرغم من أن الأخبار الخاصة بحوادث الشركات والتسمم من تناول الطعام في الوجبات السريعة تعد بندا شائعا في نشرات الأخبار، ومع تنامي الإدراك وذيوع الأزمات، تزايد الطلب على استشاريي إدارة الأزمات. واتجهت مختلف منظمات الأعمال إلى إنشاء إدارات متخصصة تتركز مهمتها في التخطيط لمواجهة وإدارة الأزمات حين تحدث، بل وقبل وقوعها.

وتركز العديد من أدبيات إدارة الأزمات على الحاجة إلى إدارة التعامل مع وسائل الإعلام في أوقات الأزمات بشكل جيد، ففي الوقت الذي تمثل فيه وسائل الإعلام أداة رئيسية للتواصل مع العامة، فأنت في حاجة ماسة أيضا إلى مواصلة أعمالك في أقرب فرصة ممكنة، فاحتياجاتك لا تقتصر على مواصلة تدفق الإيرادات فحسب، بل تشمل أيضا حاجة العاملين لديك إلى الشعور بالثقة في استمرار وظائفهم، وحاجة عملائك للشعور بالثقة أيضا في قدرتك على مواصلة توفير المنتجات والخدمات التي تقدمها.

يقدم مارجوت موريل وستيفاني كاباريل تحليلا للدروس المستفادة من تجربة شيكلتون في كتابهما: «طريق شيكلتون: دروس القيادة من مستكشف القارة القطبية الجنوبية العظيم»، إن شكيلتون لم يقرر لطاقمه ما الذي يتعين عليهم القيام به، ولكن جعلهم جميعا أطرافا في عملية اتخاذ القرار وظل معنيا بشكل شخصي بكافة معطيات الأزمة.

لقد كانت لدى شيكلتون قناعة أنهم يستطيعون إنجاز ذلك الأمر بشكل جماعي، لقد مثل شيكلتون مصدر إلهام لكل فرد من أفراد طاقمه للقيام بأشياء رأوا أنها ليس في الإمكان عملها.

وعلى الرغم من صعوبة أن يواجه أي فرد موقفا عصيبا للغاية مثل ذلك الموقف، يظل النموذج الذي قدمه شيكلتون نموذجا يحتذى في مواجهة لحظات التحدي التي تمثلها الأزمات التي قد تطرأ على طريق تحقيقك مجدك الشخصي.

التعليق