عبد الحليم عذاب رومانسي يفضي الى العذوبة

تم نشره في الخميس 30 آذار / مارس 2006. 10:00 صباحاً
  • عبد الحليم عذاب رومانسي يفضي الى العذوبة

ما يزال بعد 29 عاما على رحيله قنطرة مهمة في الغناء العربي 

عمّان-الغد- ما يزال عبد الحليم حافظ، من بين عمالقة الغناء العربي المعاصر، يحتفظ - بعد ثمانية وعشرين عاما على رحيله – بألق سيبقى قابضا على وهجه لعقود، وربما لقرون مقبلة؛ لأن عبد الحليم مثّل قنطرة مهمة في الغناء جسّرت الهوّة بين الحداثة والأصالة، ولم تنفصل، تدريجيا، عن الأخيرة إلا لتصهر مشروعها في إطار الأولى.

ولعل ذلك ما يجعل عبد الحليم حاضرا ومستبدا بقوة الشكوى وفورة اللوعة التي تتقطّر من أغانيه، حيث اللوعة هنا لمحب حقيقي بمفردات واقعية نأت بكاملها عن الارتهان للصورة المفارقة التي رسمها فريد الأطرش وأم كلثوم وعبد الوهاب على وجه التعيين، وما اختيار الفنان الراحل أحمد زكي تجسيد شخصية حليم إلا لاجتماع كل هذه العناصر في روح مفردة واحدة معذبة.

المحب في أغاني عبد الحليم – فضلا عن تجسّداته الأرضية – هو في الأغلب في موقع التلقي لعناءات الحبيب وتمزقاته، وليس من اشتراطات له – إن وجدت – سوى أن يتذكّره الحبيب، أو أن يحاول أن يفعل، وسوى أن يضمّد آهاته بلفتة أو سكنة أو بقولة:( أحبك ).

وفي ذلك يتأكد ما يشبه التسامي في( الأغنية الحليمية) الذي يقترب من مسالك الصوفيين حين تتكاثر هناءاتهم، وتتعاظم طمأنينتهم كلما ازداد صدّ الحبيب ضراوة،  وكلما أوغل في الهجران. حسبهم - من كل دأبهم المتواصل هذا – أن يحظوا بلفتة أو إيماءة من لدنه، وحسبهم أن يكون أساهم بسبب الحبيب، وحسب الأخير أن يكون طرفا، ولو نائيا، في عذابهم.

اسمه الحقيقي عبدالحليم شبانه. توفي في 30 مارس(اذار) 1977 م متأثرا بمرض البلهارسيا, يعشق المصريون الاساطير وطالما ألصقوا هذه الصفة بأكثر من شخصية فى حياتهم المعاصرة، وللأسف فإن معظم هذه الاساطير كانت في الاغلب من ورق، تم تلطيخ أسطورتها بالكثير من المساحيق لتبدو وكأنها حتى أشباه أساطير.

ولكن يبقى عبد الحليم حافظ هو التعريف الرسمي لكملة "أسطورة" لديهم، فلم يكن هذا المطرب النحيل بحاجة إلى أية رتوش او مساحيق، فهذا الشاب اليتيم صعد من أسفل السلم ليصبح مطرب الجيل، وفي الفترة التي كان كبده ينزف فيها أكثر من ثلاث مرات في اليوم كان يقدم للموسيقى العربية أفضل لحظاتها في الخمسين عاماً الماضية، إنه ربما الشخصية العربية الوحيدة الى مازالت حياتها حافلة بالاسرار والصفحات المجهولة على الرغم من رحيلها.

كان عبد الحليم حافظ نموذجاً لجيل كامل ظهر في مرحلة بالغة الأهمية في حياة المصريين بمنتصف القرن الماضى. فقد ولد عبد الحليم يتيماً في 9 فبراير(شباط) من عام 1929 بقرية صغيرة تدعى الحلوات بمحافظة الشرقية، وكان شأنه شأن المئات من أقرانه الذين تشكل الموسيقى والغناء مساحة لا بأس بها من حياتهم اليومية، فقد كانت الموسيقى نافذة

عبدالحليم على عوالم أخرى لم يحلم بها طفل في العاشرة من عمره قط، وهو الذي كان يتسمر أمام دكان بقال القرية أملاً في أن يستمع إلى أغنية من الردايو لعبد الوهاب أو ام كلثوم.

ولا يمكن أيضاً تجاهل دور الموالد العديدة التي حضرها بقريته أو بمحافظات أخرى لتشكل جانباً مهماً من ثقافته الموسيقية، مثلما كان الحال مع معظم مطربي مصر الكبار، الذين تعرفوا على ملامح الحس الشعبي المصري، و"المزاج" الموسيقي الخاص بناس هذا البلد فقط من خلال "مدرسة المولد".

قرر عبد الحليم في سن السادسة عشرة الذهاب للقاهرة والالتحاق بمعهد الموسيقى العربية، مفضلاً الانضمام لقسم الآلات، وذلك على عكس ما توقع البعض وفي مقدمتهم صديقه وزميله في المعهد آنذاك كمال الطويل.

تخرج حليم من المعهد عام 1948 عازفاً لآلة الابواه دون أن يضع قدمه فى عالم الغناء بعد، ولكن كما يذكر مجدي العمروسي مدير اعمال "العندليب" في مذكراته كان للصدفة عامل كبير في تفكير حليم الجدي في التفرغ للغناء، إذ كان حليم عازفاً للأبواه في فرقة تنتظر في أحد أستوديوهات لتسجيل أحد ألحان كمال الطويل لنجم الفترة آنذاك عبد الغني السيد، والذي تأخر كثيراً عن موعد التسجيل، وما كان من الطويل إلا أن طلب من حليم تسجيل الاغنية هذه المرة بصوته. وما أن فرغ المطرب الشاب من الغناء حتى كانت علامات الدهشة الممزوجة بالإعجاب تبدو على وجه كل الحاضرين في الاستوديو. ليقتنع عبد الحليم بعدها أن موهبته في الغناء تستحق أن يطلع عليها جمع أكبر من الناس.

كان لاقتحام عبد الحليم حافظ مجال السينما أثره البالغ في انتشار شعبيته داخل وخارج القطر المصري، إضافة إلى تواجد عبد الحليم دوماً ضمن "فترينة" الثورة، التي تسوق جميع مبادئها في العالم العربى. وقدم في السينما ستة عشر فيلما سينمائيا هي(لحن الوفاء - ايامنا الحلوة - بنات اليوم - الوسادة الخالية - دليلة - شارع الحب - الخطايا - موعد غرام - ايام وليالي - فتى احلامي - البنات والصيف- معبودة الجماهير - يوم من عمري - أبي فوق الشجرة وكان آخر أفلامه).

كان العذاب في أغنية عبد الحليم عذابا رومانسيا شفّافا كما ورد في مقال للكاتب موسى برهومة نشر في جريدة الحياة اللندنية، يفضي، بالضرورة، إلى العذوبة، ولا يقود إلى الانتحار، ولعلّ في ذلك – على وجه التحديد – يكمن سر بقائها ومغالبتها الزمن، لأن الخطاب الذي تنطوي عليه، خطاب لا زماني مسكون بشهوة الحياة في أقصى تحولاتها واندفاعها .

أغنية عبد الحليم تناجي الأشواق في معراجها نحو الحلم، متسلحة بالقوة الداخلية للمحبين وهما يندغمان في سكرة الوله؛ لذلك تمكنت هذه الأغنية من إنتاج جيل فريد من العشّاق العرب الرومانسيين الذين فاضت أشواقهم عن الحب، وطفقت تلوّن أقاليم الحياة العربية في السياسة والثقافة والكفاح، أو تسير بموازاتها وترفدها أو تتقاطع معها.

الإيقاع - إلى ذلك - في أغنيات العندليب إيقاع غير متطلّب، وليس ثمة زخرف لحني يعتريه، بل ثمة وحسب ما يخدم الجملة الغنائية التي تتكئ على روح الأداء عند المطرب الذي يصدر عن عبقرية لم يلتفت إليها أكثر مقلدي أغنيات عبد الحليم الذين – وإن أجادوا تمثيل الأغنية الحليمية – لكنهم لم يتمكنوا من امتلاك الإحساس الخالص الذي كان يتدفق من فتنة الشجن في صوته، وهي فتنة تشبه البصمة الروحية التي طبع عبد الحليم بميسمها - ليس أغنياته وحسب – بل مسيرة الغناء العربي عامة.

عبد الحلبم أسقط تبعا لبرهومة، بعبقريته، التقسيمات الوهمية في الأغنية، التي مالت الى اعتبار أن ثمة أغنيات للشباب وأخرى للشيوخ، وثالثة للنساء، إلى غير ذلك من تقسيمات تنغل بافتئاتات لا مسوّغ يسندها،

فعبدالحليم يسمعه الجميع، ويحنّ إلى أنّاته المعذبة الصغار والكبار، لأنه توجه إلى عاطفة مشبعة بالحس الإنساني الرفيع، وشفافية الوجدان وهو يحدّق في تراجيدياته المتوالية أمام مرأى من آلام الحبيب وتقلباته الحارقة.

التعليق