"عرس رنا.. القدس في يوم آخر": صناعة الحياة قرب الحاجز وتحت فوهة الموت

تم نشره في الثلاثاء 7 آذار / مارس 2006. 09:00 صباحاً
  • "عرس رنا.. القدس في يوم آخر": صناعة الحياة قرب الحاجز وتحت فوهة الموت

عرضته دارة الفنون أول من أمس

 

محمد جميل خضر

   عمّان- بعيداً عن المحاكمة التقنية الفنية الصارمة يحمل الفيلم الفلسطيني "عرس رنا... القدس في يوم آخر" الذي عرض اول من امس في دارة الفنون اشارات انسانية لافتة.

   ولم تحل برودة الطقس نسبياً في امسية العرض من احتشاد زهاء 100 شخص في الساحة الخارجية للدارة لحضور الفيلم الروائي الاول للمخرج الفلسطيني هاني ابواسعد, خصوصاً بعدما حقق فيلمه الروائي الطويل الثاني "الجنة الآن" نجاحات باهرة توجت بحصوله على جائزة غولدن غلوب لأفضل فيلم اجنبي, ما جعل ترشحه لاوسكار افضل اجنبي بعد ذلك نتيجة منطقية, لما هناك من علاقة عضوية وسببية بين جوائز غولدن غلوب وجوائز الاوسكار الذي يسترشد كثير من نقاده الذين يعدون بالمئات بنتائج الغولدن ورأي لجانه بفيلم ما فهو يعد المؤشر الاهم.

   ورغم الهواء المتغلغل في العظم, وضعف سيناريو الفيلم وتخليه في كثير من الاحيان عن العناصر الاساسية في السيناريو من ايقاع وتناوب وحسن قفل وقطع, الا ان "عرس رنا" جاء بمثابة رحلة وجدانية داخل حارات القدس العتيقة, تلك الطالعة من صوت فيروز, وتحرك بوعي شفيف انساني بعيد عن التحريض او الخطابية في منطقة مليئة بالالغام والحواجز.

   يقرر والد رنا "تقوم بدورها الممثلة كلارا خوري" السفر الى مصر, وليس امام ابنته سوى خيارين, السفر معه او الزواج خلال يومين من واحد تختاره من بين قائمة كتبها لها, واعتقد انه دوّن فيها انجح رجالات القدس القديمة واكثرهم استقامة واعلاهم شهادات .

   لكن رنا تحب خليل المخرج المسرحي (ادى دوره خليفة الناطور), تبدأ عملية بحث مضنية, تجده اخيراً، يخوضان بسيارة صديق لهما صراعاً مضنياً ضد الوقت وحواجز الاحتلال, وصعوبة الآباء الصارمين, والايقاع البطيء لخيال اناس قد يستغرق منهم قطع 10 كيلو مترات من الارض عدة ساعات من الالتفاف والبحث عن طرق آمنة, ومسالك بعيدة عن اعين المحتل الطبيعية في وجوه جنوده, والالكترونية التي تتكفل بها كاميرات مراقبة موزعة في كل مكان.

   ورحلة بحث اخرى عن المأذون تتخللها مفارقات, وشهداء كانوا في طريقهم الى التراب عناق موت وعناق حياة.

   وجاء مشهد مشاكسة خليل لاحدى كاميرات التلصص والمراقبة طريفاً ومعبراً, مد لسانه لها وسخر من معناها. يتم الوصول اخيراً بعد مشاهد خلابة لشوارع القدس ومساجدها وكنائسها واسواقها واناسها الطيبين, الواضح تعلقهم بالحياة لولا ان الموت جاء خياراً لابد منه, طالما انه صار الطريق الوحيد الى الحياة.

   ويصور "عرس رنا" الذي اقيم اخيراً قرب الحاجز الذي علق عنده المأذون بعد مصادرة هويته, ان الحواجز العسكرية الاحتلالية أصبحت جزءاً من حياة الفلسطينيين بعد انتفاضة الاقصى, وصار لديهم ما يمكن تسميته بثقافة الحاجز فهم عندما يرغبون بأن يحبوا مثل كل الناس يصطدمون بالحاجز.

   واذا كان لابد ان تلد امرأة منهم يوقفها الحاجز عن اكثر فعل مقدس من أجل استمرار الحياة وادامة الخصب, وفي طريقهم الى العمل ينتصب الحاجز كسد منيع في وجه احلامهم بعيش كريم ولقمة حلال.

   وفي هذا السياق تقول رنا في خضم رحلتها المضنية بحثاً عن خليل "لا عارفين نحب ولا عارفين نحس", وعندما يتغول العدوان اكثر داخل تفاصيل حياتها الخاصة وفي كل مكان حولها ينتابها احساس شديد بالخوف تقول لعمتها "انا خائفة... خائفة" لكنه شعور عابر سرعان ما تنتصر عليه ارادة الحياة.

   وتعود رنا لتصميمها ومثابرتها بأن يقام عرسها قبل الساعة الرابعة لان ذلك كان شرط والدها الوحيد لمباركة زواجها من خليل وتوقيع عقد القران قبل سفره.

   وبرغم كل العوائق والحواجز التي ليس اصعبها تفجير روبوت تابع لجيش الاحتلال كيس رنا الذي نسيته في الشارع وكانت وضعت فيه اكثر الاشياء حميمية من بيت اهلها, وما ترتبط به من الاشياء بذاكرة وخصوصية فجروه عندما ظنوا انه كيس متفجرات وسط استهزاء المواطنين من شدة خوفهم وسرعة ارتعابهم من كل شيء حولهم, وهو اجمالاً خوف منطقي من قبل اي معتد ومتطاول على حقوق الآخرين بالعيش الكريم والحرية والاستقلال والسيادة والقاعدة الذهبية تقول "عدلت فأمنت فنمت".

   ومع زغاريد الفرح, وتهاليل النسوة واغنيات الرجال وتصفيق الايدي، هذه الاجواء التي صنعت تلك اللحظة وادخلت السعادة والبهجة الى قلب رنا وقلب حبيبها الذي راقصها قرب الحاجز, كتب ابواسعد على الشاشة مقاطع من قصيدة محمود درويش "حالة حصار", خصوصاً تلك المتعلقة منها بتمسك الفلسطينيين بالامل:

"هنا عند منحدرات التلال

امام الغروب وفوهة

الوقت

قرب بساتين مقطوعة الظل

نفعل ما يفعل السجناء

وما يفعل العاطلون عن العمل:

نربي الامل".

التعليق