الناصري: ثمة روايات عربية ترجمت لأنها تتحدث عن اضطهاد المرأة في شرق الحريم

تم نشره في الأحد 26 شباط / فبراير 2006. 10:00 صباحاً
  • الناصري: ثمة روايات عربية ترجمت لأنها تتحدث عن اضطهاد المرأة في شرق الحريم

شاعرة عراقية ترى أن الكاتب يتأثر بمحيطه

 حاورتها عزيزة علي

   عمان- ترى القاصة العراقية بثينة الناصري ان الكتابة إبداع إنساني بغض النظر عمن يبدعه، لانها تعبر بالضرورة عن كاتبها وتعكس نظرته للعالم المحيط به. وتؤكد الناصري ان الروايات التي تحظى بالترجمة الان  تتحدث عن اضطهاد المرأة في شرق الحريم وكأنها وجدت لكي تؤكد نظرة الغرب لنا. وتضيف الناصري التي صدر لها خمس مجموعات قصصية (حذوة حصان) في العام 1968، و(موت إله البحر) في العام 1974، (فتى السردين المعلب) في العام 1991، (وطن أخرى) في العام  1995إن بعض الكاتبات يكتبن عن الحريم وهن يعشن حياة ابعد ما تكون عن الحريم لافتة الى توفر الحرية في حياتهن وميزة اتخاذ القرارات المصيرية التي يتمتعن بها.

* دعينا نتحدث عن بدايتك القصصية متى وكيف حدثت ؟

- كانت البداية التي اذكرها قراءات نهمة لأي شيء وكل شيء. كنت انكب حتى على الورق الذي يلف به بائع ما بضاعة اشترتها أمي من السوق. ولكن حين ضبطني أبي يوما اختلس من مكتبته كتبا فلسفية (وكانت المكتبة لا تحوي سوى كتب الفلسفة وعلم اللغة) اضطر إلى ان يجلس معي ويدون لي قائمة بالكتب التي يجب علي ان اقرأها وكانت تتراوح بين الشعر العربي القديم والقصص والروايات وكتب المعرفة، مشيرا ان الفلسفة اكبر من عمري وكنت عندها في حدود 13 سنة.

في المدرسة اكتشفت معلمة اللغة العربية أني اكتب أي موضوع في درس الإنشاء بشكل قصة. فإذا كان الموضوع عن مساعدة الفقراء مثلا، كنت أحوله إلى قصة وهكذا. وأدين بالفضل في توجيهي إلى الكتابة الحقيقية لتلك المعلمة فقد أهدتني كتاب (زقاق المدق) لنجيب محفوظ، وكانت تلك فاتحة عالم ساحر غريب دخلته ولم اخرج منه حتى الآن.

*لا يكاد هاجسك الكتابي ينحصر في همين : إنساني  ووطني.

برأيك لماذا يتمظهر الابداع في هذين الهمين عند الكثيرمن المبدعين؟

- لقد بدأت الكتابة والنشر في منتصف الستينيات وأنا اعد الستينيات هي الفترة الذهبية للإبداع في كل مكان وليس في الوطن العربي فحسب.  فترة رائعة فيها انتصارات وفيها هزائم وفيها حراك اجتماعي، وفي أوروبا كان هناك تمرد وأفكار جديدة في الأدب والفن والفلسفة. وكنا نتفاعل مع كل هذا. أنا من جيل عاش الحلم العربي وعاش انكساره وتأثر بذلك ولهذا انعكس كل ذلك في كتاباتي. ثم ما هي القصة ؟ أليست هي لحظات من حياة الإنسان ؟ والإنسان لابد ان يتأثر بمحيطه .

* كونك من جيل عاش في تلك الفترة  ما هو رأيك بالدعوات التي تطالب بفصل القضايا الوطنية عن الأدب بحجة ان القضايا الوطنية  لا مكان لها في الأدب؟

كيف يمكن ان يكون الكاتب صادقا (وهذا شرط الكتابة الإبداعية) دون ان يعكس ما يعيشه؟ الفلسطيني الذي يقاتل من اجل وطنه منذ نصف قرن، هل يمكن ان تخلو كتاباته من أثر هذا على حياته؟ لعل من يقول هذا يضع في ذهنه الكتابة السياسية الدعائية كأن أكتب عن قتال واجعل بطلي شجاعا دائما منتصرا دائما ويردد كليشيهات دعائية على لسانه. . أي الكتابة بقصد حث الهمم وغير ذلك. هذا يصلح للشعر الحماسي ولكنه لا يصلح للقصة التي ترى الحرب مثلا حالة إنسانية فيها الخوف وفيها الشجاعة وفيها الموت وفيها النجاة وفيها الانتصار وفيها الهزيمة. فيها البطل المتردد وفيها المتهور. فيها كل الحالات الإنسانية. في الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت 8 سنوات ظهر كتاب كانوا مقاتلين وكتبوا عن تجربتهم على الجبهة بصدق. الا نعتبر هذا أدبا؟ ثم ان أعظم الأدب كان يتحدث عن الحروب مثلا الملاحم الإغريقية ولا تنسي رواية (الحرب والسلام) ورواية همنغوي (وداعا للسلاح) وروايات أخرى كثيرة.

*ألهذا تحمل بعض قصصك  الكثير من الهم الفلسطيني؟

-كانت فلسطين ومازالت قضية محورية في حياتنا جميعا. ومن الناحية الإبداعية المحضة، مأساة فلسطين فيها كل عناصر التراجيديا الإنسانية. . تشريد الإنسان عن بيته وحقله ووطنه. إن يأتي غزاة في القرن العشرين متسلحين بحجج مستمدة من تاريخ مزيف عمره أكثر من 3000 سنة للاستيلاء على ارض الغير. . ثم هناك قصص أولئك الذين يعلقون على الحدود والمطارات العربية ولا يستطيعون ان يتقدموا او يعودوا بسبب هويتهم الفلسطينية ويظلون سوات يتخذون من قاعة الترانزيت في المطار سكنا لهم مما يلخص حياتهم (الترانزيت) العابرة بين أوطان أخرى. إن فلسطين مأساة كبرى في حياتنا. ونحن في العراق الآن بدأنا نعيش فعلا حالة الاحتلال والتشرد ورؤية وطن يضيع بهذه الطريقة .

*ترجمت كتاباتك إلى لغات أجنبية. ماذا تقولين في هذه التجربة ؟

- ترجمت لي قصص منفردة إلى عدة لغات ولكن ترجمة مجموعة قصص في كتاب واحد إلى اللغة الإنجليزية ثم إلى اللغة الإيطالية كان شيئا آخر. سأروي لك قصة قصيرة عن رأيي في أثر الترجمة في عبور الادب الى الناس في كل مكان. في مجموعتي المترجمة إلى اللغة الإنجليزية كانت هناك قصة اسمها (الليلة الأخيرة) وقد سميت المجموعة بها. القصة تتحدث عن ليلة أخيرة بين حبيبين يوشكان على الفراق. لم توضح القصة ما إذا كانا زوجين او غير ذلك فالقصة مجهلة الأسماء والمكان. المهم ان الجو العام  هذا: حبيبان في غرفة والمرأة تخبر الرجل أنها ستغادره لأن الحياة بينهما أصبحت – رغم الحب- لا تطاق. يحاول الرجل طوال الليل ان يستميل المرأة إلى العدول عن قرارها حتى تبدو أنها رضخت فهي تحبه أيضا حبا كبيرا ولكنها مع انبلاج الفجر تأخذ حقيبتها وتغادره دون ان تلتفت إلى الوراء. هذه القصة قرأتها في المجموعة صحفية فرنسية شابة وقالت لي ان القصة ساعدتها في اتخاذ قرار مشابه. تصوري ان تكتب واحدة عراقية او عربية قصة تؤثر في تغيير حياة واحدة فرنسية مع اختلاف الثقافات والأعمار والتجارب. هذا ما يجعل الترجمة ضرورة. وهذا ما يجعل الكاتب يدرك ان الكتابة مسؤولية ليس تجاه القراء المحدودين في بلاده او الذين يقرأون بلغته ولكن لجمهور عام موجود في كل مكان. وعلى اية حال فإننا اطلعنا على آداب العالم وتأثرنا بها من خلال هذه الجهود الرائعة للمترجمين.

*ما هو اثر الترجمة على اتجاهات الأدب العربي؟

- كما قلت ان ذلك من شأنه ان يجعل الكاتب اكثر أحساسا بالمسؤولية. ولكن مع الآسف الكثير من الكتاب لا يرون المسائل بهذا الشكل وإنما يعتبرون الترجمة هي مجال لانطلاق أسمائهم في مجال عالمي وهذا يعني بالضرورة مزيدا من المال من ريع الترجمة، ومزيدا من الدعوات للمؤتمرات الخ. وإذا كان هذا هو الهدف فأحيانا يكتب الكتاب وفي عيونهم هدف الترجمة. انظري إلى العديد من الروايات التي تحظى بالترجمة تجدين اغلبها عن اضطهاد المرأة في الشرق والحريم. أي انهم يكتبون ما يؤكد نظرة الغرب لنا، وليس الواقع الذي يريدون نقله للغرب. بعض الكاتبات يكتبن عن الحريم وهن يعشن حياة ابعد ما تكون عن الحريم ولهن حرياتهن وميزة اتخاذ القرارات المصيرية في حياتهن. ولكن الغرب يتلقف هذه الكتابات ويترجمها بلمح البصر. وهكذا نشأ لدينا طائفة من الكتابة المعدة للترجمة أي المكتوبة خصيصا للترجمة. الكاتب العربي يعرف ما يريد الغرب فيكتب له. وبالنسبة للغربي لن يعرف حقيقة الشرق طالما ان صورة مطبوعة بذهنه من ايام القرون الوسطى هي التي تقدم له. بمعنى إنها كتابة حسب الطلب. هذه هي الناحية السلبية للترجمة اما الايجابية: أي ترجمة الكتابات الحقيقية التي يبدعها الكاتب تعبيرا حقيقيا عن واقعه دون ان يضع نصب عينه ترجمة هذا العمل لهذه اللغة او تلك، فهي التي تصل إلى قلب القارئ أينما كان وبأي لغة لأن ما يكتب من القلب يصل القلب ولأن التجارب الإنسانية في جوهرها واحدة.

*هل أنت مع الكتابة النسوية. وما تقولين في هذا

التصنيف

- لا اعتقد ان هناك كاتبة امرأة توافق على هذا التصنيف. انه اختراع رجالي . فالكتابة إبداع إنساني بغض النظر عمن يبدعها. انها تعبر عن كاتبها وتعكس نظرته للعالم المحيط به. وهكذا قد تختلف كتابة رجل يعيش في الريف مثلا عن كتابة رجل يعيش في المدينة، وفي نفس الطريقة تختلف كتابة المرأة عن الرجل لأنها تعكس واقعا تعيشه قد يكون أضيق أو أرحب من عالم الرجل حسب نوع الحياة التي تعيشها الكاتبة. لا اعرف ماذا تعني كلمة الأدب النسائي، هل المقصود ان المرأة تكتب عن البيت والمنزل والعائلة والأطفال ؟ ولكن الرجل أيضا يكتب عن هذا؟ فكما قلت كل مبدع يكتب عن المحيط الذي يعرفه وبالتالي فإن إبداعه هو تعبير إنساني عن واقعه.

لماذا لا يشغلك الهم النسوي كثيرا؟

قضية المرأة اختراع اخترعه الغرب من اجل تقسيم المجتمع الى رجل وامرأة وجعل الحرب بينهما قائمة من اجل الهيمنة وأحكام السيطرة على المجتمع. المرأة والرجل مكملان ليسا ضدين وحين يتحرر المجتمع يتحرر الرجل والمرأة عا  المجتمع الاستبدادي يقع الرجل والمرأة تحت طائلة القمع. ويجب ان يعمل الاثنان معا لتحرير الوطن والمجتمع لأن في ذلك حريتهما معا. انظري مثلا سخافة ان تظهر في العراق الآن جمعيات ممولة من وزارة الخارجية الأمريكية بدعوى تحرير المرأة العراقية. في حين يعرف الجميع ان المرأة العراقية محررة منذ ستين عاما على الأقل وهي كانت – قبل الاحتلال- من اكثر النساء العربيات حرية في التعليم والعمل والسفر واتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بها وبعائلتها. يأتي الآن الاحتلال الذي احتل البلاد والمرأة والرجل ليدعو إلى (تحرير المرأة )  المفارقة الساخرة. محتل يدعو إلى تحرير جزء من المجتمع وماذا عن الجزء الآخر؟ الرجل؟ وماذا عن الوطن المقيد بقيود الاحتلال؟ إنه أسلوب (فرق تسد). لا يكفي تقسيم المجتمع إلى مذاهب وطوائف وإنما يجب أيضا وضع اسفين بين المرأة والرجل وهما نواة الأسرة والأسرة كما تعرفين نواة المجتمع والمجتمع نواة الدولة.

التعليق