مسرحية "زمن الحيتان" : صرخة فلسطينية ضد الإرهاب

تم نشره في الأحد 19 شباط / فبراير 2006. 09:00 صباحاً
  • مسرحية "زمن الحيتان" : صرخة فلسطينية ضد الإرهاب

المخرجة رفضت تمويلاً أميركياً بسبب "الاشتراطات"

 

يوسف الشايب

   رام الله - استطاعت المخرجة الفلسطينية إيمان عون، بديكورات بسيطة ومؤثرات صوتية وضوئية لا مبالغة فيها، الخروج بعمل مميز، يعيد مسرح عشتار إلى دائرة الضوء، بعد اقتصار اعماله في السنوات الأخيرة على مسرح المنبر، من خلال حكايات "أبو شاكر" اللاذعة، وغير المهادنة.

بيد أن الأمر مختلف مع "زمن الحيتان" التي يمكن وصفها بأنها مسرحية فلسطينية ضد "الإرهاب" بجميع أشكاله، سواء ذلك الذي تمارسه الدول، أو الذي تمارسه الجماعات المتطرفة بشتى انتماءاتها، أو الإرهاب مدفوع الأجر الذي تمارسه عصابات المافيا الدولية.

   وتتأسس المسرحية على حكاية رجل أعمال، تألق في تجسيد دوره الفنان إدوار معلم، يعمل على تهريب أسلحة إلى نظام يفترض أنه ديكتاتوري ومعاد. وفي السفينة المتجه نحو هذه الجزيرة المفترضة تتقاطع الشخصيات (الصحافية، المعارض، التاجر الصغير) في حوارات عميقة تنسج فيما بينها حكاية وجد العديد من المشاهدين أنها لا تختلف كثيراً عما حدث في العراق، وعما يحدث في فلسطين. كما رأوا فيها محاولة فلسطينية للخروج من دائرة الهم المحلي باتجاه مواضيع تؤرق الإنسانية، كالعولمة والنظام العالمي الجديد.

   وتقول عون "شئنا أم أبينا نحن جزء من هذا العالم، نؤثر ونتأثر به، وهذا يتطلب منا الخروج من الدائرة المحلية الضيقة على أهميتها ". وأكدت بأنه "لابد أن نخرج من هذه القوقعة ونحاول أن ندرك جيداً أين نحن مما يجري حولنا في العالم، ونسلط الضوء على قضايا عالمية الاهتمام، ونعالجها برؤية نقدية فلسطينية خالصة،إذ لا يمكن عزل القضية الفلسطينية عن القضايا العالمية الكبيرة، وبالتالي يجب ألا نبقى أحاديي الجانب".

   ويلاحظ في الآونة الأخيرة أن الأعمال العربية سواء الدرامية منها أو السينمائية بدأت تتناول موضوع "الإرهاب" بشكل مكثف، ومنها دراما المخرج السوري نجدت أنزور "الحور العين" الذي عرض في رمضان الماضي، وفيلم "دم الغزال" لنور الشريف ويسرا المعروض حالياً في دور العرض المصرية، وسبقه أفلام عادل إمام "الإرهاب والكباب"، و"طيور الظلام"، و"الإرهابي"، وسواها.

   ويلاحظ أن ثمة اختلافاً لافتا في طريقة تناول "زمن الحيتان" للظاهرة  الإرهاب بأبعادها المختلفة والتأويلات المتناقضة حولها. وعن ذلك تقول عون"لم يكن مقصوداً التركيز على موضوعة الإرهاب، كونه الشغل الشاغل للأنظمة وربما للجماهير أيضاً، كل ما حاولتُ أن أقدمه في المسرحية رؤيا خاصة تتعامل بشيء من العمق مع من يحاول بعضهم تصويرهم على أنهم فقط الشياطين القادمون من عمق الأرض" . وشددت بأن "مسرحيتي ترفض هذه الفكرة الأميركية الساذجة التي ما انفكت تسوق عبر وسائل الإعلام" .

وتضيف عون "في زمن العولمة، نبحث عن (تيار وسطي) بين أميركا التي تحاول فرض نمط من التفكير والتبعية، والتيارات المتشددة التي تعمل أيضاً بدورها على فرض نمطية معينة من التفكير وأيضاً التبعية، فنحن في هذا العمل نحاول أن ننتصر لطريق ثالثة تقوم على صوت العقل والضمير .

   وبهذا المعنى فإن "زمن الحيتان صرخة ضد إرهاب التطرف، سواء التطرف الأميركي، أم تطرف التيارات المتشددة اللتين تضعانا، وبخاصة نحن الفلسطينيين، في دوامة اللامعقول" على ما تقوله عون التي قالت إن "المسرحية تنقلنا باستمرار من مطب إلى آخر" مشددة على أنها لا تنتقد المقاومة التي هي حق مشروع ضد الاحتلال، بل تبحث عن طرح جديد يحمل رؤى أكثر مسؤولية لإيجاد وتثبيت فلسفة الحياة في صراعها ضد "الموت، والاضطهاد، والتسليع".

وتكشف عون أنها رفضت تمويلاً أميركياً لهذا العمل، لأسباب عدة من بينها أنني "لا أقبل أن تمول أميركا عملاً يدينها بالدرجة الأولى، علاوة على الاشتراطات المسبقة التي تفرضها الجهات الأميركية، وتتضمن إدانة صريحة للإرهاب بمنظوري، وهذا يعني أننا ندين المقاومة الفلسطينية المشروعة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وهذا مرفوض" .

   ولفتت المخرجة إلى أن أميركا لا تدين نفسها كدولة تخلق الإرهاب وتريدنا، وهذا الغريب والمستهجن، أن ندين الفصائل الفلسطينية المقاومة للاحتلال، كونها ترى في ذلك "إرهاباً". "لقد كنت أتمنى أن نلقى الدعم من مؤسسات فلسطينية، لكن ذلك لم يتحقق، فبعض هذه المؤسسات رفضت تمويلنا بذرائع مختلفة".

اللافت أن كاتباً أميركياً شارك في وضع النص، كما أن مساعد المخرج أميركي، وكلاهما لم يتردد في المشاركة في عمل "جريء" ينتقد سياسة حكومة بلادهم، بعد "الصدمة" التي تعرضوا لها خلال إقامتهم في فلسطين ومشاهدتهم ما يحدث على الأرض، فالحقيقة، كما يقولان، تختلف عما هو سائد في وسائل الإعلام، وبخاصة أن عون وطاقم العمل يعملون بجدية لعرضه في الولايات المتحدة، ودول عربية، لإيصال الرسائل التي يتضمنها إلى الجمهور المستهدف.

   وفي سياق التمويل يؤكد إدوار معلم أن رفض العديد من الممولين المحليين والأجانب دعم المسرحية بسبب فكرتها "الجريئة"، كان سبباً في إصراره على تنفيذ العمل، والخروج عبره بصورة فنية عميقة وممتعة في آن، وبعيدة عن التكرار . ويقول "كانت ردود الفعل تتحدث عن المشاكل التي قد يثيرها العمل، وعن أنهم لا يمكن أن يساهموا في تمويل هكذا أعمال قد تسبب لهم إشكالات حقيقية بمواضيعها". وهنا ، يتابع معلم، "وجدنا أننا نسير في الطريق الصحيح، فالتجربة جديدة في كل شيء، وتعبر حتى في "الأكشن" الذي تضمنه عن الإيقاع المحيط بنا"، فضلا عن  "العمل يوصل رسالة بأن ما يحدث على أرض الواقع، لا يختلف كثيراً عن أفلام الويسترن ورعاة البقر الأميركية، وكذلك أفلام المغامرات الهوليوودية" حسب معلم الذي أكد بأن "ما سيحدث قريباً في فلسطين والمنطقة هو ما شاهدتموه في المسرحية".

التعليق