الاقبال الجماهيري نعمة والسوق السوداء نقمة

تم نشره في الاثنين 13 شباط / فبراير 2006. 10:00 صباحاً
  • الاقبال الجماهيري نعمة والسوق السوداء نقمة

أمم افريقيا
 

 القاهرة - بحلوها ومرها.. انتهت كأس الأمم الافريقية الخامسة والعشرين التي استضافتها مصر خلال الفترة من 20 كانون الثاني/يناير إلى 10 شباط/فبراير 2006 بسلام.

وإذا كان حلوها قد تمثل في الاقبال الجماهيري الكبير على مباريات المنتخب المضيف والتوحد الوطني المصري وراءه بصورة غير مسبوقة فإن أبرز مرها تمثل في أزمة تذاكر المباريات التي خاضها الفريق المحلي وبعض المعوقات التي عانى منها رجال الاعلام وخاصة الاجانب منهم.

ومع كل هذا يمكن القول بأن مصر نجحت بجدارة في تنظيم هذا الحدث وتمكنت من محو أثار "صفر المونديال" الذي أصاب شعبها كله بصدمة عنيفة لان النتيجة لم يكن يحلم بها أشد المتشائمين بحظوظ مصر في استضافة نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2010.

لكن الاهم من ذلك يبقى هذا التضامن الشعبي والرسمي الذي فاق كل حدود منتظرة أو متوقعة وأكد أن المصريين ساعة الجد لا يغلبهم أحد.

ومن أبرز الايجابيات أيضا أن الجمهور كان النجم الاول بلا منازع فقد شجع لاعبيه بكل احترام وتقدير ولم يطلق أي ألفاظ بذيئة أو مسيئة طوال مباريات البطولة على عكس ما كان يحدث من قبل فكان سلوكه مثاليا مما دفع العائلات والفتيات إلى الحضور بكثافة لتشجيع منتخب بلادهم في الملعب.

وظل الاحترام المتبادل بين اللاعبين وجماهيرهم علامة مميزة وفارقة في هذه البطولة بالذات خاصة أنهم وجدوا جمهورا لم يعتادوا على مشاهدته من قبل وساندهم بكل قوة فكان جمهورا إيجابيا وليس مجرد متفرجين فاستحق لقب اللاعب والنجم الاول.

والواقع أن ارتفاع أسعار التذاكر أفرز جمهورا من طبقة اجتماعية أكثر قدرة وتثقيفا وتعليما وتهذيبا وهذا ما شاهدناه بوضوح في المدرجات في كل المباريات التي خاضها المنتخب المصري.

لقد حركت هذه الجماهير التي تميزت بوجود العنصر النسائي بكثرة لاول مرة في الملاعب المصرية نتيجة إفراز الطبقة الاجتماعية التي ذكرناها الحماس والاحساس بالمسئولية لدى اللاعبين والمسؤولين عنهم في كل موقع.

وأدى هذا الحماس إلى بذل كل جهد ممكن من جانب الجميع كي لا تخيب آمال المشجعين أولا ومن ثم تحقيق النصر المنشود الذي كانت تحتاج إليه الكرة المصرية بشدة بسبب ما تعرضت له قبل بدء الدورة من انتقادات وإهانات بالجملة والقطاعي.

ومن أهم المظاهر الايجابية أن هذا الانتماء للمنتخب لم ينحصر داخل الملعب وحده بل أمتد إلى أرض الوطن بأكملها وتحولت المسألة برمتها إلى قضية وطنية لم يسبق للمصريين أن تجمعوا حول أي قضية تخصهم مثلما حدث في هذه المرة.

ومن إيجابيات البطولة أيضا الالتفاف الرئاسي والحكومي حول المنتخب مما أعطى دفعة معنوية لكل الاطراف المعنية بالفريق وبالبطولة.

وحظيت هذه البطولة باهتمام الرئيس المصري محمد حسني مبارك وزوجته السيدة سوزان مبارك التي رفعت علم مصر في المباراة النهائية شأنها في ذلك شأن أي مواطن عادي.

كما أن مواظبة أبني الرئيس جمال وعلاء على حضور تدريبات الفريق كان له الاثر البالغ في نفوس اللاعبين خصوصا.

وأحلى ما في كأس الأمم الافريقية الخامسة والعشرين أنها أنست المواطن المصري همومه وشجونه وبات لا يفكر في رغيف العيش بقدر ما يفكر في المنتخب والسعي وراء الحصول على تذكرة لحضور إحدى مباريات البطولة.

وشعر الجميع في تلك الفترة أن مصر بلد لا يعاني من أي مشاكل اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية وأن كل الشعب المصري يعيش في رخاء.

على أي حال يمكن أن نستفيض في سرد إيجابيات البطولة وقد نحتاج لذلك إلى صفحات وصفحات لكن الاكثر أهمية هو التعرض للسلبيات التي وقعت فيها الاطراف المعنية بالبطولة حتى لا تتكرر مرة ثانية.

ولعل أبرز هذه السلبيات تمثل في المعركة الحقيقية التي نشبت بين الجماهير المحبة لكرة القدم وبين المسؤولين عن بيع تذاكر المباريات لدرجة أنها تحولت إلى نقمة واقعية عاني منها القاصي والداني.

وقبل يوم واحد من المباراة النهائية صار البحث عن تذكرة لدخول هذا اللقاء أشبه بالبحث عن "خاتم سليمان" في كومة من القش. ولم تعرف الجماهير أين ذهبت "التذاكر المسحورة".

ومع تصاعد هذه الازمة بدأت الجماهير تنقلب على الاتحاد المصري لكرة القدم واتهمته بالسرقة خصوصا بعدما ظهرت التذاكر في "السوق السوداء" بخمسة أضعاف سعرها.

لكن المصيبة الحقيقية تمثلت قبل المباراة النهائية حيث توجهت الجماهير التي كانت محظوظة بالحصول على التذاكر إلى الاستاد لكن أكثر من 15 ألف متفرج منهم لم يتمكنوا من دخول المباراة على الرغم من وصولهم إلى الملعب قبل الموعد المحدد لاغلاق أبوابه بساعات.

وأكد أحمد شوبير نائب رئيس الاتحاد المصرى لكرة القدم في برنامجه الذي يقدمه على قناة دريم أن أولاده توجهوا إلى الملعب في الساعة الثانية ظهرا ولم يتمكنوا من دخول الملعب على رغم وجود التذاكر معهم.

وعادت هذه الجماهير أدراجها وهي أكثر حنقا على المنظمين وعلى العاملين على بوابات الدخول لدرجة أن بعضهم تمنى خسارة مصر إذ تحول كل هذا الحب للمنتخب إلى كره بغيض بعدما اشترى كل منهم تذكرة دخول الدرجة الثالثة ب200 جنيه بدلا من سعرها الاساسي وهو 30 جنيها من أجل حب مصر.

لكن ما يدعو إلى التساؤل والدهشة في وقت واحد أنه لم يكن هناك "خرم أبرة" فاضي في المدرجات.. فمن أين أتت هذه الجماهير البديلة؟

أما مشكلات الاعلاميين فكانت متنوعة لكن أكثرها سوءا كان التعامل مع العنصر البشري في بعض المواقع الحساسة لكنها توجت بمنعهم من حمل الهواتف المحمولة التي تمثل جزءا أساسيا من أدوات عملهم داخل الملعب في المباراة الاخيرة بسبب الاجراءات الامنية الرئاسية.

وقد اشتكى الاعلاميون إلى مسئولي الاتحاد الافريقي لكرة القدم الذين أكدوا أن الامر لا يخصهم وأن عليهم أن ينصاعوا إلى الاجراءات الامنية.

ومن أبرز سلبيات البطولة أيضا تلك الخلافات التي شابت التعامل بين بعض المسؤولين في الاتحاد المصري لكرة القدم وبين اللجنة المنظمة للبطولة وبين بعضهم والجهاز الفني للمنتخب.. وكذلك بين اللجنة المنظمة واللجنة الاولمبية المصرية بسبب الخلاف حول حق كل منهما في توجيه الدعوات لرؤساء اللجان الاولمبية العربية والافريقية.

واعترضت اللجنة الاولمبية على توجيه الدعوات من جانب اللجنة المنظمة للبطولة وأيضا لان الاخيرة أرسلت للاولى تذاكر مباريات البطولة بالدرجتين الثانية والثالثة بما لا يليق بمكانة العاملين فيها وهي الجهة المشرفة أساسا على اتحاد الكرة.

على كل حال لقد انتهت البطولة بحلوها ومرها ومن حسن حظ المصريين أن حلوها طغى على مرها بفضل الانجاز الكبير الذي حققه المنتخب المصري بتسجيله رقما قياسيا جديدا بفوزه باللقب الافريقي الخامس.

وأضاف النجم المخضرم حسام حسن ثلاثة أرقام قياسية تمثلت في خوضه لسبع بطولات متتالية وحصوله على كأس البطولة ثلاث مرات في فترة زمنية بلغت 20 عاما كما أصبح أول لاعب يقترب عمره من الاربعين عاما يسجل هدفا في البطولات الافريقية..فنسي الجميع ما حدث والتفوا حول علم مصر وجالوا شوارع القاهرة وغيرها من المدن والقرى والنجوع يهتفون باسم مصر.

التعليق