مغامرون ينبشون الأرض بحثا عن فرَج مرصع بالذهب والفضة

تم نشره في السبت 11 شباط / فبراير 2006. 10:00 صباحاً
  • مغامرون ينبشون الأرض بحثا عن فرَج مرصع بالذهب والفضة

أكثر من 900 موقع أثري في إربد معرضة للاعتداء والتدمير

 

فاطمة أبوعايشة وأحمد التميمي

   إربد- ما انفكت حفنة من المغامرين في إربد تنتظر فرجا يأتيها من الأرض مرصعا بالذهب والفضة والمجوهرات رغم تفنيدات علماء الآثار للقصص والحكايات القائلة بوجود دفائن ذهبية بكثرة في مختلف القرى والمناطق الأثرية في محافظة إربد.

   وما يغري أولئك المغامرين ويحفزهم على المضي في بحثهم المكانة الأثرية والتاريخية لكثير من مناطق إربد، فضلا عن حكايات الغنى المفاجئ الذي ظهر على عدد من العائلات في إربد وجوارها.

   ويصف مفتش آثار إربد وجيه كراسنة حكايات الدفائن الذهبية وما يحيطها من رؤية رصد حارس عليها يظهر على شكل حيوان ما أو أفعى أو رجل أسود، بأنها "خرافات نبعت من كثرة الأماكن الأثرية في المحافظة التي ضمت جزءا من تحالف (الديكابولس قديما)". ويؤكد أن هذه الحكايات التي لا تحمل أي تدعيم علمي أو ديني لها ترسخت بفعل "اعتقاد الكثير بأن إنسان الحضارات القديمة لدى خروجه من موطنه خبأ ثروته في بواطن الأرض ليعود لها في وقت آخر وأن تلك الثروة كانت عملات ذهبية وقطعا فخارية وأواني معدنية من الخام الخالص".

   كما يسود اعتقاد لدى هؤلاء الباحثين عن الثروة بأن الأتراك عندما خرجوا من المملكة دفنوا مقتنياتهم الذهبية (الذهب العصملي) في بواطن الأرض "وهذا ما جعل المواقع القديمة التي استخدمها الأتراك من منازل ومساجد ومراكز أمنية عرضة أكثر من غيرها للاعتداء ومحاولات التنقيب فيها، إذ تم كشف الكثير من تلك الاعتداءات إما مباشرة من خلال الجهات الأمنية أو من خلال الأثر الذي تركته" وفقا للكراسنة.

   وعلى نقيض رأي أهل الاختصاص، يؤكد كثير من المواطنين في المدينة وقراها بأن الأرض مليئة بالمدفونات الذهبية والأثرية التي كانت سببا رئيسيا لغنى مفاجئ ظهر على بعض من عثروا على الذهب لدى قيامهم بأعمال الحفر لغايات البناء في أراضيهم أو تدعيم منازلهم وأن هذه الحالات معروفة في المدينة بالاسم والعنوان وما يزال "أغنياء الصدفة" أحياء شاهدين على ذلك.

   وهذه الحكاية وغيرها هي ما دفع  منتصر الشرع لمواصلة محاولاته المستمرة منذ قرابة 5 سنوات في بحثه عن دفائن ذهبية وقطع أثرية في عدد من المناطق الجبلية والأثرية، متسلحا بعدد من الأجهزة الحديثة والمتطورة للكشف عن المناطق التي تتمركز بها الدفائن الأثرية والذهبية رغم عدم عثوره على شيء.

   ويباشر الشرع عمله بعد منتصف كل يوم مستعينا بأصدقائه من العاطلين عن العمل لمعاونته في عمليات الحفر التي تحتاج إلى أكثر من شخص لما تشكله من إرهاق وما تحتاجه من زمن. وتمتد عمليات الحفر، بحسب الشرع، إلى أكثر من 4 ساعات، فضلا عن أن "بعض العمليات تحتاج إلى يوم آخر لما تشكله بعض المناطق من صعوبة في الحفر، نظرا للطبيعة الجغرافية والصخور"، بالإضافة إلى قصر الفترة الزمنية التي تمتد بعد منتصف الليل حتى ساعات الفجر الأولى.

   ومنتصر، الذي يستعين بأدواته التي رافقته على مدار 5 سنوات للحفر كالفأس والصوبة والكريك والفانوس وأخرى كجهاز التنقيب عن الذهب، الذي لم يحظ به حتى الآن، لا يخفي تخوفاته من الحملات التي تقوم بها الجهات المعنية من إلقاء القبض عليه أثناء قيامه بعمليات الحفر، خصوصا وان بعض مناطق الحفر تكون قريبة من الأماكن السكنية والأثرية، إذ يقوم بعض السكان بإبلاغ الجهات المختصة بوجود أشخاص في تلك المنطقة لا سيما أن عملية الحفر الليلية تحتاج إلى إضاءة.

   ويتعرض منتصر وغيره من الذين يقومون بعمليات البحث عن ذهب لعمليات نصب واحتيال من قبل من يدعون "معرفتهم بوجود دفائن ذهبية وقطع أثرية ومقدرتهم على استخراج هذه الدفائن"، إضافة لمعرفتهم بالرصد وإمكانية استخراجه وقتله وسحب الثروات من باطن الأرض أو من قبل من يحاولون بيع قطع فخارية أو معدنية يزعمون أن لها قيمة مادية بينما تكون بالأساس مجرد قطع مصنوعة حديثا دفنت في الأرض لبعض الوقت ".

   وتختلف طرق النصب والاحتيال على المتهافتين لاستخراج ما يعتقدونه مدفونا، إذ يقول فراس السالم الذي تعرض لعمليه نصب ان أشخاصا قاموا بالتردد عليه، مؤكدين له وجود صناديق من الذهب في قطعة الأرض التي يمتلكها وأنهم على استعداد لإعطائه الحصة الأكبر من الذهب مقابل السماح لهم باستخراجه وتزويدهم ببعض النقود التي يحتاجها ما يسمى "بالفتاح" لشراء البخور الذي يمكنه تحديد موقع الذهب والكشف عنه من خلال إخراج الرصد وقتله.

   وأضاف انه "بعد التردد الطويل قمت بالاقتناع موهما نفسي بإمكانية تصديقهم ودفعت مبالغ تجاوزت 5 آلاف دينار وتبين انه لا وجود للذهب".

ومن طرق النصب الأخرى قيام بعضهم بشراء قطع ذهبية من السوق ودفنها في مواقع محددة من قبلهم ثم محاولة إيجاد من يمكنهم الاقتناع بوجود ذهب مدفون. وبعد أخذهم الموقع يتم استخراج القطع المدفونة كخطوه أولى للإيقاع بهم يتبعها إقناعهم بوجود كميات كبيرة في الموقع ولكن إخراجها يتطلب مبلغا من المال، وهناك كثيرون ممن تعرضوا لمثل هذه العمليات.

   يشار إلى أن بيع وتهريب القطع الأثرية يتم بصورة سرية تمكنت الجهات الأمنية ومديرية الآثار الحيلولة دون تهريب عدد كبير منها إلى خارج البلاد من خلال ضبطها في المراكز الجمركية. وأشار احد الأشخاص (فضل عدم ذكر اسمه) ممن لديهم باع في هذا المجال انه  تعرض للسجن أكثر من مرة "لمحاولتي بيع بعض القطع الاثرية"، مشيرا إلى أن "عمليات البيع تتم عاده بشكل سري لعملاء من دول أجنبية لا تعرف أسماؤهم أو أماكن إقامتهم".

   ويوضح مفتش الآثار وجيه كراسنة أن القيمة التاريخية والأثرية لمحافظة إربد هو ما جعل من أكثر مواقعها الأثرية السياحية عرضة للاعتداء من خلال محاولات التنقيب عن الذهب والقطع الأثرية إلى جانب التخريب، إذ تضم المحافظة 900 موقع أثري منها مواقع سياحية ظاهرة يزورها المواطنون كأم قيس وطبقة فحل وقويلبة وبيت راس التي اكتشف فيها العام 2000 مدرج روماني يعود للحقبة الرومانية المتأخرة (العصر الروماني من 63 ق. م حتى 324 م ) إلى جانب بعض المواقع كتل الحصن وتل إربد القديم وغيرها التي  يزورها أهل الاختصاص من علماء الآثار المحليين والأجانب وطلبة الآثار.

   وتعد هذه المواقع، إلى جانب بعض عيون الماء كعين راحوب بالمغير وعين قويلبة، الأكثر عرضة للتنقيب عن الذهب من قبل المواطنين، إذ تم ضبط عدد من الباحثين عن الذهب من دون تصريح رسمي في فترات المساء، وبخاصة من قبل حراس تلك المواقع الذين قاموا تسليمهم للجهات الأمنية لإصدار الحكم المناسب سواء بالحبس أو الغرامة، إلى جانب اكتشاف العديد من الحفريات في تلك المواقع التي دلت على عمليات تنقيب.

   وأكد كراسنة حرص الآثار على المحافظة على المواقع الظاهرة والمدفونة، مشيرا إلى أن هناك عمليات تخريب واعتداءات تتعرض لها المواقع الاثرية أثناء قيام الأشخاص بعمليات البحث العشوائي الذي يلحق الضرر بالمواقع الأثرية.

   وحذر كراسنة من عمليات النصب والاحتيال التي تجري عند بيع وشراء قطع يدعي مالكوها أن لها قيمه أثرية أو تاريخية بينما تكون هذه القطع مزورة ومصنوعة من مواد أخرى أو حجارة تقليدية وتحف وأوان حديثة. ويوضح أن تجارة القطع الأثرية بدأت بالانتشار بعد أن فقد الكثير من الباحثين عن الذهب الأمل في العثور عليه، مؤكدا وجود رقابة من الجهات المعنية على محاولة بعضهم تهريب آثار إلى خارج البلاد. وأفاد بأنه تم تعيين حراس على المواقع الاثرية للمحافظة عليها. ويشير إلى أن محاولات بعض هؤلاء المغامرين الاعتداء على المواقع وسرقتها "تتم ليلا وفي الأجواء الجوية الماطرة".

   ودعا كراسنة كل من يعتقد ويمتلك أدلة بوجود دفائن ذهبية في موقع ما إلى الذهاب لوزارة الداخلية للحصول على تصريح "البحث عن دفائن ذهبية" والتعرف على الطرق القانونية لذلك إذا كانت المدفونات ضمن ملك خاص أو عام .

   ورغم دعوة الكراسنة هذه للسير بالطرق القانونية للتنقيب عن الذهب، إلا أن أكثرية الراغبين بذلك لا يتبعونها، مؤكدين أنهم إذا ما عثروا على أي كميات من الذهب فإن الأجهزة ستصادرها. ويستند هؤلاء على حادثتين تقول الأولى بأنه تم العثور على كميات من الذهب في منطقة المغير قبل عدة أعوام وفورا حضرت الأجهزة بمساندة إحدى الطائرات ونقلوا ما تم العثور عليه. والأخرى تقول بأنه لدى مواصلة عمليات الحفر لغايات البناء في منطقة قريبة من وسط البلد اصطدم سائق (الجرافة) بصناديق معدنية مدفونة في الأرض، حيث تم على الفور محاصرة المكان وسحب تلك الصناديق ومصادرتها.

التعليق