الصائغ: لا بد من الشعر لأي فن من الفنون

تم نشره في الأحد 5 شباط / فبراير 2006. 09:00 صباحاً
  • الصائغ: لا بد من الشعر لأي فن من الفنون

شاعرعراقي من الجيل الثاني بعد الرواد يرى أن التعويل على السرد يفسد البلاغة

 

 

   عمان-الغد- يعد الشاعر يوسف الصائغ من ابرز الشعراء العرب المعاصرين تنوعا إبداعيا، فبعد إن رسخ صوته الشعري في المشهد الشعري العربي انطلاقا من تخوم جيل الرواد حتى الآن واصدر " قصائد غير صالحة للنشر"، و"اعترافات مالك بن الريب"، سيدة التفاحات الأربع، اعترافات المعلم – وجد إن طاقته الإبداعية لا يستوعبها الشعر وحده، فجرب معظم الفنون القولية – المسرحية، والروائية، والنقد والمقالة – وأجاد فيها كما جرب الفن التشكيلي واجاد فيه بشهادة المختصين، وخلق له هذا التنوع شخصية إبداعية متفردة لم تأخذ حظها من الاهتمام والدراسة حسبما جاء على موقع "ايلاف" الثقافي. 

*ينطوي شعرك على الكثير من عناصر الدراما، لاسيما وانت من كتاب المسرحيات النثرية الناجحة، لكنك لم تجرب المسرحية الشعرية، ترى ما تفسير هذه المفارقة؟

- لم تستطع نماذج المسرح الشعري التي تعرفت عليها في المراحل الأولى من نشأتي،أن تجتذبني، وكنت أحس أنها تفتقر إلى السلاسة والإقناع من ذلك (مسرحية مجنون ليلى، وقيصر وكيلو بترا – وبشكل خاص مسرحية الأسوار). ولئن كنت في مطلع اهتماماتي بالكتابة، قد تهيبت المغامرة في تجربة الكتابة المسرحية. إن فكرة كتابة مسرحية شعرية،على المنوال نفسه، ما كانت تخطر لي على بال. ولقد كان لي في تفسير ذلك الكثير من الأسباب.. لا يبدل من هذه الحقيقة، أنني أعجبت منذ مرحلة مبكرة ببعض ما ترجم من نماذج المسرح الشعري العالمي، والفرنسي بشكل خاص، من ذلك مثلا مسرحية (هوراس) لكورنيه – التي جرى تقديمها في مدينة الموصل في أواسط الأربعينيات. وقدر لي أن أواكب أعدادها وتمارينها، حتى لقد حفظت المسرحية بكاملها عن ظهر قلب. يضاف إلى ذلك ما أطلعت عليه من ترجمات لمسرحيات شكسبير – سواء في الثانوية أم في دار المعلمين العالية. وحين جربت الكتابة المسرحية في مرحلة متأخرة، كان واضحا في ذهني أنني لن أنجح في تحقيق الانسجام مع خبرتي ومزاجي لإنجاز نص، يكفيني الآن حين استعين بالقدر المناسب من طاقة الشعر، وحساسية، من اجل أن أوفق في (شحن) المشاهد والشخصيات، وسائر مفردات الفعل المسرحي بالقدر المناسب من التأثير والحيوية. وهذا ما احسبني نجحت فيه لدى كتابتي لـ (الباب) ثم ما أعقبها من مسرحيات.

 صحيح.. لقد خطر لي مرات عديدة، أن الشعر الحر أي (شعر التفعيلة) قد يصلح لخوض مغامرة مسرحية وكان يغريني، أن اجرب تجربتي، اعتمادا على ما بدا لي أحيانا إنني حققته في عدد من القصائد الطويلة. التي تنطوي على بعض عناصر العمل المسرحي، من نوع قصيدة (خواطر بطل عادي جدا) و (بين جلدي و قلبي).. لولا إنني بقيت أتحفظ على ما يمكن أن تخلقه موسيقى الشعر.. من مناخ، يجور على التنويع والعفوية.. ويضع الكاتب في موضع (الالتزام) بما لا داعي لأن يلتزم به.

*هل تفكر شعريا بالرسم أم تشكيليا بالشعر؟

- لقد كان من حظي، إنني طوال الدراسة المتوسطة، تتلمذت على أحد مدرسي الرسم الجادين، الذي لم يكن يرتضي لدرس الرسم أن يكون مجرد قضاء الوقت … بل قادته خبرته واخلاصه – لان يقدم لنا، نحن طلبة ذاك الزمان، خلاصات نظرية عن الفن التشكيلي.. فلعام كامل، نحن طلبة ذاك الزمان كنا مضطرين على دراسة (المنظور) و(الضوء والظل) ثم درسنا في العام التالي (اللون … ومدلولاته) وخواص الألوان.. وأنواعها.. ثم درسنا في الصف الثالث (بناء اللوحة) و(توازنها).. وإذا كان أغلب الطلاب، قد ضاقوا بهذا المدرس، واعتبروا درسه جزءا من (مصيبة) حلت بهم، دون موجب، فأن هذه الدروس كان لابد لها أن تضع في خبرتهم جميعا بذورا من المعرفة، لن تلبث أن تتفتح في السنوات المقبلة … خصوصا لمن كان مثلي، ينطوي على اهتمامات متشعبة، تتداخل عواملها وتأثيرها، لتشكل خبرة – لها قاعدة لاتخلوا من رصانة.

 فلقد استطاعت تلك الدروس أن تشكل ضميرا فنيا، ومزاجا معرفيا، لمن هم أمثالي، فهم يتذوقون النتاج التشكيلي بأعمق مما يتذوقوه سواهم، وهم، حتى دون وعي منهم مؤهلون لأن ينقلوا قناعاتهم ومعرفتهم الفنية من المجال التشكيلي إلى مجالات إبداعية أخرى … وهكذا كان ممكنا إن اكتب قصة أو قصيدة، وفي ذهني نوع من الإحساس بالبناء الذي اعتمدته لقصيدتي … وبالتناغم (الهارموني) في توزيع اللون.. أو النغم.. أو تركيز أجزاء الصورة الشعرية … وزاد من تأثير هذا كله.. إنني لدى التحاقي بدار المعلمين العالية – وجدت طريقي إلى مرسم الكلية، ورحت اجرب الرسم، تحت أشراف الفنان العراقي – جواد سليم – مكتشفا قربه بمقدار ما اعطتني إياه دروس الرسم في المتوسطة … متنفسا ليس وحده بل في المسرح … والشعر … والموسيقى …وان يتفاعل هذا كله – ليصوغ لكل منا آنذاك، ثم بعدئذ، مزاجا فيه غنى وحيوية.. وقدرة على التنقل بين الأساليب والفنون … لأنه كما في الشعر.. كذلك في الموسيقى.. كذلك في الرسم.. كما هذه كلها.. كذلك في المسرح.. لابد من الحركة.. والتناقض.. والنحو.. والبناء.. والتناغم.. والتركيز.. والحذف.. والتكرار . 

* اعتمدت في بعض من قصائدك على الموروث العربي (شخصيات وحكايات ورؤى)، كما قدمت في قصائد أخرى حكايات مخلّقة. هل طبيعة تجربة القصيدة ووضعها الفني هو الذي يحدد نمط الصياغة الحكائية؟

- يمكن القول إنني اعتمد كثيرا على الموروث – لكن ليس شرطا أن يكون عربيا … إن ما استطعت (تمثله) من مأثور هو حقيقة ثقافتي ومزاجي، وهو كما يبدو الآن متداخل ومتفاعل، بحيث يصعب فصله عن بعضه ويمكنني الساعة أن ألاحظ مصداق ذلك،فمثلا في قصيدة من نوع (انتظريني عند تخوم البحر) حيث تزدحم إلى حد ما مصادر التجربة وتلتبس، بين ما هو محلي أو عربي أو عالمي قديم أم حديث ويصدق ذلك على قصائد من نوع (سفر الرؤيا …) وسواها.

 * في الكثير من قصائدك يظهر السرد قويا ومشرقا. كيف توظفه شعريا؟ والى أي حد يمكن اعتماده داعما للقصيدة من دون أن يطغي على شعريتها؟

 - السرد في خدمة التفاعل والنمو.. وباقتصاد.. لا موجب للسرد يمكن التنازل عنه.. ان التعويل على السرد، يفسد (البلاغة) ويزعج المتلقي ويسلبه حقه في المشاركة في (قيادة) التفاعل …

 إن مزالق السرد كثيرة وخطيرة … ابسطها القبول بالتراكم … والبناء أفقيا … وشفاء الغليل، بالتعويل على التعليق، والشرح.. استجابة للأعجاب بالذات..

*تقنية الحوار من التقنيات الفنية المهمة التي وفرت للقصيدة الحديثة فرصا جديدة لتطوير إمكاناتها وتفجير طاقاتها الشعرية؟ كيف تتعامل معها وأنت تستخدمها مسرحيا، وروائيا، وشعريا؟

- سحرني الحوار.. والطاقات الكامنة فيه والمعلنة منذ مرحلة مبكرة.. وصار ولعي به أساسا لصنعتي الروائية والمسرحية – في اللعبة مثلا.. ثم في المسافة.. حتى حدود محاولاتي المسرحية , حين وجدت الحوار مستعدا أتم الاستعداد لخدمتي، ولقد كان منطقيا أن يتدخل ولعي بالحوار في تجاربي الشعرية، ليكون أداة استخدامها في تكثيف الصراع بين جبهتين (النموذج الأرجح لذلك قصيدة بين جلدي وقلبي) ثم قصائد (التلفون) قصيدة (مريم) الأكثر وضوحا للمسرح … أو حتى السيناريو.. والمشهد السينمائي.. خذي قصيدة حبة القمح …

*مارست مجموعة من الفنون الإبداعية (القولية والجميلة)، فضلا عن الشعر، هل أكلت هذه الفنون من جرف الشعر، أم أن لها بالنسبة إليك وصفا إبداعيا مختلفا؟

- سأدعي أن الشعر هو درجة الحرارة اللازمة، لاختمار أيما تجربة إبداعية … لابد من الشعر لأيما فن من الفنون.. وكل بالقدر الذي يتطلبه.. لأن أي زيادة أو نقصان يمكن أن تفسد التجربة.

فأذا كان ذلك صحيحا قياسا لتجربتي. فليسمح لي إن ادعي، باني لم اعد شديد الحماسة للكتابة الشعر، باعتباره فنا قائما بذاته لأنه ببساطة لم يعد كذلك أو على الأقل لم يعد يكفيني … بل لعلي، أومن به باعتباره إحدى وسائلي للتعبير ... ولهذا فهو منذ سنوات خدمة اولاعي الأخرى- الرواية، المسرح، والنص النثري... والفنون التشكيلية.. إنني افرط في استخدامه. دون أي قلق على (الجرف).. مؤمنا بأنني حين اغرف من نبعه إنما استفزه لكي يزداد غزارة وفاعلية.

*تمخض شعرك عن مجموعة من الأشكال. كيف تنظر إلى هذا التنوع؟ وما هو اقرب الأشكال إلى روحك وحساسيتك؟

- (الأشكال) هي مراحل تعبر عن (أزمات) مرت بها تجربتي في الحياة، ومن ثم تجربتي في التعبير.. لقد شغلت تجربة (القصائد الطويلة) كثيرا من نتاجي.. وكان من نتاجي.. وكان لها – (بتواضع) – تأثيرها في تجارب كثيرين.. إلى حد إنني ما عدت أطيقها لأنها صارت، مألوفة (سهلة) وغدت تثير في مزاجي إحساسا ثقيلا بالملل..لاسيما حين فاجأتني الحياة بتجربة (ذاتية) يصح أن أصفها بأنها كانت (مذهلة).. وكان طبيعيا أن تدفعني تلك،التجربة إلى انتظار (شكل) جديد يشبه (معاناتي) فجاءت قصائد (سيدة التفاحات) لتكون (الضد) من قصائدي السابقة،في الكثير من الجوانب..ان لم يكن كلها..والسر في هذه التجربة هو أن ظاهرها،يكشف اعتماد أسلوب (جديد) في كتابة الشعر،ظاهرة مجموعة قصائد (قصيرة) ذات مزايا خاصة... لكن حقيقة التجربة لابد أن تكشف للمتأمل أن هذه القصائد القصيرة في مجموعها، هي قصيدة (طويلة) يمكن تناولها داخل سياقها... لتقدم عند ذاك،مناخا شعريا، داخل مشهد متكامل. تطرحه العلاقة بين المحب والحبيبة..ولكن داخل إطار الموت والحياة..حيث يتخذ الحب والجنس ملامح شخص ثالث يبدو اشبه بالغجري حينا... يتدخل بين المحب وحبيبته حاملا لقب الموت.

*وهل أضافت إليك تجربة الكتابة الأكاديمية عن الشعر العراقي الحديث شيئا جديدا اسهم في تطوير نصك الشعري؟

- رغم أن دراستي لم تشغلني بدرجة كافية عن أولا عي واهتماماتي لكنها كانت عونا لي وأنا في تجربتي الخاصة، أن أتعرف إلى القيمة الحقيقية لعشرات من الشعراء العراقيين (المشهورين) آنذاك، فإذا بهم شبه مجردين عن بهرج (الإشاعات) التي جعلتهم اضخم من حجومهم، واقل شأنا مما أنجزوه.. عدا السياب.. لقد كبرت في عيني (إنجازات السياب) واقترنت بالإنجازات الحقيقية للشعراء الذين سبقوه اللبنانيين بوجه خاص … ولقد أتاح لي ذلك أن اجرب الافادة من تلك الإنجازات ولعل ابرز ما أفدته، هو الانتقال من وزن لأخر.. تبعا لحركة المشاعر والمواقف … واحسبني نجحت في ذلك إلى حد بعيد.

* ثمة من يقول بأن قصيدة النثر هي مستقبل القصيدة العربية. كيف تنظر إلى ذلك وأنت أحد فرسان القصيدة العربية الحرة؟

- مصطلح (قصيدة النثر) مصطلح مظلل … ثمة شعر … وثمة نثر.. والفرق بينهما واضح. رغم انه قد يبدو أحيانا (غامضا) بسبب ما وصفه النقاد في تحليلاتهم من أضاليل. وبقدر تعلق الأمر بي، أرى من المفيد أن أشير إلى انني في مطلع قراءاتي الشعرية، كنت اكثر اهتماما بما ينشر من (قصائد) من نوع ما يسمى الآن (قصائد النثر) وكان تعجبني حقا، وتثير في مزاجي ضمن الإحساس بالشعر، تلك القصائد المترجمة التي تنشرها مجلة الرسالة … ومن بين ذاك (الإلياذة – حروب طروادة) وعن قصائد لامارتين التي ترجمها الزيات.. إضافة إلى قصائد أخرى لكتاب عرب احسب إن أحدهم (وكان قريبا إلى نفسي) اسمه – على ما اذكر – حسين الهنداوي أو ما شابه ذلك.. ثم اكتشفت (الماغوط). في مرحلة متقدمة.. وتحت تأثير مجموع هذه النماذج. جربت كتابة عدد من القصائد، أهمها قصيدة طويلة تحت عنوان(شمة أفيون) بعثت بها إلى مجلة شعر عام (57) ونشرتها المجلة عام (61) أو (62).. وهي منشورة في مجموعة (قصائد يوسف الصائغ).

أما ما ينشر ألان من نماذج ما يسمى بـ(قصيدة النثر) – بتأثير نماذج أجنبية (مترجمة أيضا).. فهو نوع من (التغريب) لا احسب أن له أفقا … رغم ما تتضمنه هذه المحاولات من مغامرات – قد تكون ذات جدوى من اكتشاف علاقات (لغوية) أو (بلاغية) تترك لدى القارئ نوعا من الإحساس (بالصدق) … دون طائل!

التعليق