"ميونيخ" يجدد السجال حول مشروعية المقاومة والصراع العربي الإسرائيلي

تم نشره في الأربعاء 25 كانون الثاني / يناير 2006. 10:00 صباحاً
  • "ميونيخ" يجدد السجال حول مشروعية المقاومة والصراع العربي الإسرائيلي

مخرجه سبيلبرغ وصفه بأنه "صلاة من أجل السلام"

 

تغريد الرشق

 

   عمّان- وصف المخرج ستيفن سبيلبرغ فيلمه الجديد ميونيخ"MUNICH" الذي بدأ عرضه في الولايات المتحدة الاميركية في الثالث والعشرين من كانون الاول(ديسمبر) الفائت بـ"صلاة من أجل السلام".

ويعد هذا الفيلم الذي يتناول الحادثة التاريخية الشهيرة التي وقعت خلال الالعاب الاولمبية العام 1972 عندما اقدمت مجموعة من الفدائيين الفلسطينيين على قتل رياضيين اسرائيليين، الأكثر سرية وتكتما بالنسبة الى سبيلبرغ الذي لم يصرح بأي معلومات اثناء وقبل  فترة التصوير، باستثناء مقابلة  مع مجلة "تايم".

كما لم يسبق العمل حملة دعائية كالتي تسبق وترافق في العادة افلامه، ربما لأن الفيلم يطرق باب قضية حساسة، ما استدعى ان يشاهده قادة مسلمون ويهود ودبلوماسيون ومتخصصون في السياسة الخارجية قبل عرضه في الصالات بفترة وجيزة.

   ويتناول الفيلم انتقام اسرائيل بعد ان اتخذ الفدائيون الفلسطينيون في ميونيخ العام 1972 وخلال دورة الألعاب الأولمبية أحد عشر رياضياً اسرائيليا كرهائن وانتهت العملية بمقتلهم مع خمسة من منفذي العملية ورجل شرطة الماني.

وفي المقابل تكلف فرقة سرية اسرائيلية ملاحقة أحد عشر فلسطينيا للشك بأنهم مخططو العملية وقتلهم واحدا واحدا.

ويبين الفيلم مدى تأثير هذه الملاحقة على الفرقة ذاتها وعلى حياة قائدها تحديدا. ولم يوضح مخرج الفيلم سبيلبرغ كيف يمكن ان يتحول  فيلم عن انتقام الاسرائيليين الى صلاة للسلام خلال مقابلته مع مجلة "تايم" التي قال فيها"هناك وسط ذلك التصلب لا بد من مكان لصلاة من أجل السلام".

كما اضاف انه ومن وجهة نظره فان "العدو الأكبر ليس الفلسطينيين ولا الاسرائيليين بل التصلب والعناد".

كما ذكر سبيلبرغ في المقابلة ذاتها انه يربط فيلمه هذا بمشروع مستقبلي يهدف عبره الى شراء 250 كاميرا فيديو وتوزيعها على أطفال فلسطينيين واسرائيليين والطلب اليهم تصوير حياتهم اليومية "مجرد افلام وثائقية قصيرة عنهم عن اهلهم ومدارسهم ومعتقداتهم وأكلهم والافلام التي يحبونها والموسيقى التي يستمعون اليها...". بعدها سيتبادل الاطفال الافلام بحسب خطة سبيلبرغ.

   وأكد المخرج كذلك على ان"هذا النوع من العمل يمكن ان يكون برأيي مؤثراً وان يفهم هؤلاء انه ليست هناك فوارق انسانية بين الطرفين". كما قال ان الشريط لا يعمد الى تقديم اي من الطرفين بصورة الوحش او الجلاد، فـ "كلهم أفراد ولهم عائلات".

ويعد هذا الفيلم الذي يمثل فيه ايريك بانا ودانييل كرايغ وجيوفري راش العمل الثاني لسبيلبرغ الذي يتطرق لموضوع يهودي بشكل مباشر بعد تجربته الأولى التي كانت في العام 1993 بفيلمه الشهير "لائحة شندلر" الذي جلب له جائزة الأوسكار عن افضل اخراج .

   ويلفت الناقد السينمائي ناجح حسن الى ان السينما الاميركية"هوليوود" اصبحت تلتفت الى الشرق الأوسط بصورة اكبر بعد احداث 11 /9 ، فـ "في السابق كانت لديهم رؤية مسبقة من خلال الكتب والروايات الخيالية مثل قصص الف ليلة وليلة"، إذ سادت الصورة النمطية عن العرب التي تمثلت في الغموض والسحر المحيط بالشرق،اضافة الى المبالغة في ادانة العرب وعاداتهم.

ويرى حسن ان السينما الاميركية اصبحت على تماس مباشر مع الوضع في الشرق الأوسط من خلال الاحداث السياسية والحروب التي تلت 11/9 ،ما حذا بهذه السينما الى تكييف شخصياتها لتصبح اقرب الى العربية.

كما يلفت حسن الى ان هوليوود بدأت تسير متخذة مسلك اليسار بالنسبة للادارة الاميركية واصبح الحزب الديمقراطي هو المسيطر على هوليوود. ويؤكد أن الصورة اصبح فيها شيء من الحقيقة رغم محاولات التجني احيانا".

   ويضفي فيلم ميونيخ ، بحسب حسن، بعض الملامح الانسانية على ضحايا الانتقام بالنسبة للطرفين الفلسطيني والاسرائيلي، فقد "اسبغ على الضحايا ملمحا انسانيا اظهر انهم اناس لهم عائلات واطفال يحبونهم".

ويزيد بأن الفيلم يدين طريقة القتل المتبادل بين الطرفين من دون ان يأخذ صف اي منهما. وفي هذا السياق ينوه باهمية الجائزة التي منحت اخيرا للمخرج الفلسطيني هاني ابو اسعد عن فيلمه "الجنة الان". ويعتقد ان هذا دليل على ان هوليوود استطاعت النظر بموضوعية إلى القضايا العربية اكثر من السابق.

   وأثار الفيلم آراء متناقضة لجهة استحسانه ورفضه، فقد اشيع ان جزءا كبيرا من اللوبي الصهيوني رفض الفيلم، بينما كان رد الفعل العربي "متسما بالرضى" على حد تعبير الناقد ناجح حسن الذي عزا ذلك إلى أن "السينما الاميركية تبتعد لأول مرة عن مجاملة اسرائيل في كل خطوة تخطوها،بل تجاوزت هذا وركزت على الضحايا ومن الطرفين".

فـ"هذا الشريط يملك رؤية عن الصراع العربي الاسرائيلي بطريقة حيادية".

ويؤكد حسن على ان العربي عندما يقدم نفسه بالسينما فإن الصورة لا تكون بالتأثير نفسه الذي ُيجنى عندما يقوم مخرج اجنبي بتقديمها لجهة إقناع المشاهد الأجنبي. ويستشهد بشخصية صلاح الدين الأيوبي في فيلم "مملكة السماء" الذي قدم شخصية هذا البطل المسلم بصورة عجزت عنها السينما العربية،وفق تعبيره، لأن"الأجانب تعرفوا على صلاح الدين من خلال هذا الفيلم وبهروا بشخصيته".

   يذكر ان المخرج سبيلبرغ منع اي من الممثلين او الطاقم العامل بالفيلم من الادلاء بتصريحات صحافية او بمكنون قصة الفيلم قبل ان يصبح الفيلم جاهزا للعرض، لمعرفته المسبقة بأن "اللوبي الصهيوني سيشن عليه حملة اتهامية".

   وكان مسؤولون إسرائيليون اتهموا سبيلبرغ بأنه ساوى بين عناصر الاستخبارات الاسرائيلية (الموساد) وخاطفي الرهائن الفلسطينيين. وقال القنصل العام لاسرائيل في لوس انجليس ايهود دانوخ بعد مشاهدته الفيلم إن "من الغرور محاولة تناول صراع مؤلم مستمر منذ عقود بشكل سطحي ضمن فيلم مدته ساعتان ونصف الساعة" وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

بيد ان سبيلبرغ قال لمجلة "دير شبيغل" الالمانية "لست مدعيا لدرجة تسمح لي بالقول انني اطرح خطة سلام للشرق الاوسط مع هذا الفيلم" الذي يعرض قريبا في الصالات الالمانية والاسرائيلية.

وتساءل "هل هذا سبب لترك المجال مفتوحا امام الذين يبسطون كل الامور؟ امام اليهود والفلسطينيين المتطرفين الذين يعتبرون حتى اليوم اي حل تفاوضي خيانة؟ (هل هذا سبب) للسكوت لكي لا نواجه مشاكل؟".

وتابع "صدقوني لم اتطرق الى هذا الموضوع بسذاجة. انني يهودي اميركي اعرف جيدا الحساسيات في النزاع الاسرائيلي الفلسطيني" مشيرا الى انه مستعد "للموت في سبيل اسرائيل".

   ويرى الناقد السينمائي العربي صلاح هاشم المقيم في باريس ان سبيلبرغ الذي لم يذكر اسم فلسطين في فيلمه السابق "لائحة شندلر" قد يكون راجع نفسه بعد الهجوم الذي تعرض له بسبب ذلك التجاهل المتعمد لفلسطين وللفلسطينيين.

ويرى هاشم أن سبيلبرغ يشير في فيلمه الجديد بأصابع الاتهام الى الموساد، مبينا "وجود كيان عسكري ارهابي داخل الكيان اليهودي"، ما ادى إلى تشويه صورة الجهاز العسكري الاسرائيلي من خلال هذا الفيلم".

   وفي ظل التصعيدات الاعلامية التي رافقت الفيلم دعا محمد أبو داود قائد المجموعة التي دبرت الهجوم على دورة الألعاب الأولمبية في ميونيخ سبيلبرغ إلى إنتاج فيلم عن القضية الفلسطينية والصراع العربي الفلسطيني، على أن يقوم به "بضمير وصدق"، كاعتذار عن فيلمه الجديد .

ورغم خلافه مع سبيلبيرغ في رؤيته للأحداث التي يتطرق إليها الفيلم، إلا أن أبو داود مؤلف كتاب (فلسطين من القدس إلى ميونيخ) لم يتردد في أن يصف سبيلبرغ بـ "رجل المشاريع المحترم". وشدّد على ضرورة أن يرى سبيلبرغ الحقيقة بعين حيادية، ليستطيع رصد مأساة الشعب الفلسطيني المشرد في أطراف العالم، ومأساة أطفال فلسطين "الذين يقتلون يومياً في الأراضي المحتلة".

   واعتبر أبو داود، عضو المجلس الوطني الفلسطيني السابق، أن اعتماد سبيلبرغ على كتاب (الانتقام) "ذو التوجه المشبوه، أفقده كثيراً من المصداقية، بدليل أن سبيلبرغ استحضر أرامل الضحايا الإسرائيليين ولكنه لم يفكر أن يسمع صوت أهل الضحايا الفلسطينيين، مع أن الطرفين هم ضحايا لمؤامرة". وأكد أن المخرج المعروف لم يحاول بأي طريقة مباشرة أو عبر وسطاء التحدث معه، رغم أنه كان "يتوقع ويأمل ذلك". ورغم أن أوساطاً إسرائيلية انتقدت بشدة فيلم سبيلبرغ، إلا أن أبو داود رأى أن "ذنب" سبيلبيرغ من وجهة النظر الإسرائيلية هو أنه "قال الحقيقة"، إلا أنه وصف حقيقة سبيلبرغ بأنها "ناقصة وعرجاء"، لأن من واجب المخرج "البحث في أسباب هذا العمل، والعودة إلى خلفياته بدقة".

التعليق