كان الفرنسية: مجتمع الأثرياء يعيش على التقليد والتهريب!

تم نشره في الأحد 18 كانون الأول / ديسمبر 2005. 10:00 صباحاً

 كان (فرنسا)- بنطلون جينز "ديزل"، قميص "دولتشيه اند غابانا"، ساعة "ديور"، حقيبة يد "لوي فويتون"، حذاء "غيس"... جردة سريعة للماركات التي ترتديها فتاة في الخامسة عشرة تعيش في كان الفرنسية.

لا تختلف فاني عن غيرها من بنات سنّها اللواتي يعشن في هذه المدينة، ولا حتى عمن هنّ أكبر أو أصغر سنّاً منها. إذ أن المظهر العام لسكان "كان" يتماشى مع طبيعة هذه المدينة الجذّابة.

المتجوّل في شوارع كان يشعر بفخامة هذه المدينة وخصوصيتها التي تنبع من خصوصية زوّارها وقاطنيها على حدٍّ سواء. ويعتبر مهرجان "كان السينمائي" الحدث الأبرز الذي تستضيفه هذه المدينة، التي تستضيف مناسبات عالمية أخرى كـ "معرض السوق الحرّة" حيث تعرض الماركات العالمية منتجاتها من العطور وأدوات التجميل، وتُباع بأسعار خالية من الضرائب. وهذا الحدث واحد من الأحداث الكثيرة الأخرى التي تجذب السياح الى المدينة.

استبداد المظاهر

   لا شكّ في أنّ هؤلاء السيّاح على قدر لا بأس به من الغنى، ذلك ان كان تعتبر من المدن الأغلى في العالم. فالنظر في وجوه المارة وشوارعها والتأمّل في ملابسهم، لا سيما مع انعكاس صورهم على واجهات المحلاّت التجارية التي تحمل أسماء كبار المصممين ودور الأزياء في العالم، يوحي بمستوى اقتصادي واجتماعي عالٍ ينتمي إليه مواطنو وزوار كان.

لا يمكن فصل الكلام عن كان عن المظاهر الاجتماعية التي تحيط بتلك المدينة. وإذا ما دخلنا إلى كواليسها، تصبح الأمور أوضح. فمعظم الذي تراه أمامك ما هو إلاّ مظهر من التماهي مع الجوّ العام، الذي يتحكّم به السيّاح وليس المواطنين. فالمواطنون يسعون للظهور أمام زوّارهم متناسقين ومتماشين مع طبيعة بلدهم الراقية، في حين أن ظروفهم الاجتماعية قد لا تسمح لهم بذلك في معظم الأحيان.

جادة الكروازيت الشهيرة على شاطئ كان 

  يقول فيليب (رجل أعمال، 50 عاماً): "إن الطبقة الغنية لا تشكّل أكثر من 12 في المائة من السّكان، إلاّ أنها تتحكّم بالمستوى الاجتماعي للمدينة:. ويضيف: :ارسلت ابني الى باريس ليكمل دراسته الجامعية، هناك المصاريف أقل، بالإضافة إلى أنه سيرى هنا أصدقاءه يأتون الى الجامعة بالسيارات الفاخرة كالفيراري وغيرها وسيشعر حتماً بالدونية بينهم". فيليب ليس وحيداً بالتشكي من الوضع الذي يعيشه وهو قد يعتبر بين آخرين من الطبقة الميسورة جداً.

وتعتبر ناديا (48 عاماً، ربة منزل) أن الغلاء في كان فاحش، وهذا نابع من تمركز الماركات العالمية الكبرى فيها تماشياً مع مستوى الزوار الذين يرتادونها، ومن بينهم عدد لا بأس به ممن يملكون منازل وقصوراً ضخمة في كان. ناديا لا ترى أنّ الظلم اللاحق بسكان المدينة نابع من سيطرة "الأجانب" على المستوى الاقتصادي للمدينة.

   غلاء الاسعار من جهة، والمحافظة على "اللوك" المطلوب في شوارع كان، أمران متقاطعان يزيدان من الضغط على سكانها الأصليين، لا سيما مع التدقيق الكبير الذي تخضع له المحلات التجارية والاسواق من أجل مكافحة تهريب البضائع وتقليدها. والشعور بهالة المستوى الاقتصادي العالي الذي يعيشه أهل كان لا ينبع من العدم إنما من المظهر العام للمارة على اختلاف أعمارهم.

لكن في الواقع، تختلف كواليس الحياة في هذه المدينة عن تلك التي نشاهدها على التلفزيون والتي نسمعها بالتواتر عن البلد السياحي الراقي، الذي يعجّ بالسياح في العديد من المناسبات التي يُفرش فيها السجّاد الأحمر ويتلألأ فيها كبار النجوم تحت أضواء عدسات الكاميرات.

ظاهرة النشل

   لا يوحي المشهد العام بعدم الاطمئنان الذي يعيشه أهل كان بسبب ظاهرة النشّالين في الشوارع، وهم ليسوا بمنأى عن السارقين والعصابات في منازلهم. "أدخل إلى السيارة وأقفل الأبواب لأنه خلال الوقوف على إشارات السير قد يأتي أحد ويفتح الباب لينشل الحقيبة ويفر على درّاجته النارية"، تقول آليس. وتضيف: "كي تكوني بعيدة عن أعين السارقين، لا ينبغي أن تبدي بمظهر الأغنياء، لأنهم يلحقون بالسيّارات الفخمة كي يستدلّوا إلى منازل اصحابها، والتي غالباً ما تكون بعيدة عن وسط المدينة، ويقومون بعدها بسرقة المنزل".

   أخبار السرقة والنشل أصبحت من البديهيات في يوميات أهل كان. وعند التعليق بأن المظهر العام للشوارع والمارة لا يوحي بذلك، تعلّق باسكال بالقول: "طبعاً لأنكِ لا ترين المتسولين، الذين تعج بهم المدينة، لكن الشرطة تمنعهم من الظهور أيام الاحتفالات والمهرجانات الكبيرة، لا تغرنّك المظاهر".

المظاهر التي طالما أُلصقت بالمواطنين العرب بشكل عام، واللبنانيين بـشـكل خاص، "اكتسبت معنى أعمق في كان"، حيث أن المجوهرات البرّاقة والحقائب الجلدية والجينزات والقمصان والساعات الدقيقة، في أيـدي معظم سـكان كان، هي تقليد وليست حقيقية. وإذا ما أردنا أن نحسب سعر ثياب "فاني" المذكورة أعلاه، لتخطينا الخمسة آلاف يورو، إلاّ أن مشترياتها لم تتعدَ الـ800 يورو مع الأكسسوارات التي تضعها.

   وكما تشترك فاني مع غيرها في المظهر، تشترك معهم في السوق الإيطالية التي ترتادها، وهي عبارة عن "كونتينرات" في خلاء يتخفى فيها البائعون الذين يحملون بضائع مسروقة أو مقلّدة. ويرتاد سكان كان هذه الأسواق للتبضّع بأرخص الأسعار فينخفض مثلاً سعر حقيبة "لوي فويتون" من 1400 يورو إلى 300 فقط، والجينز الديزل من 100 يورو إلى 20، وهكذا دواليك. فما عليك إلا الذهاب بأقل كمية ثياب ممكنة مع حقيبة يد كبيرة، حتى تخرجي من بعدها مرتديةً جاكيت وأكسسوارات وفي حقيبتك ما يحلو لكِ، طالما أنه يمكنك القول بأنها كانت معك ولم تشترها من السوق الايطالية.

   يقول البعض إنّ الشركات العالمية هي التي تسمح بذلك وإنّ هذه البضائع ليست تقليداً بل هي كميات تطرحها الشركات الكبرى من دون أن تصرّح عنها، وتصرّفها بهذه الطريقة. فيما يؤكد البعض الآخر أنها مقلّدة من صانعي الأصلية منها. الا أنّ الكلّ يجمع على أنها لا تختلف بشيء عن الأصلية. وبالتالي يبقى اللوك في مأمن ويصبح التماشي مع المجتمع الراقي أرخص، من دون أي هبوط في مستوى المظاهر، وهذا هو الأهم.

التعليق