أدبيات الإغراء الشرقي بين الاحتفاء بالجسد وابتذاله

تم نشره في الجمعة 9 كانون الأول / ديسمبر 2005. 09:00 صباحاً
  • أدبيات الإغراء الشرقي بين الاحتفاء بالجسد وابتذاله

الفيديو كليب العربي اليوم

 

 

جمانة مصطفى

   عمان- يرى مراقبون ومهتمون بالمشهد الغنائي العربي أن الفيديو كليب بشكله الحالي الذي يعتمد مفهوم تسليع المرأة واستخدام الإيحاءات الجنسية، انما هو نتيجة معطيات سياسية واجتماعية وثقافية باعتباره الجسد حاجة غير مشبعة في العقل الجمعي العربي.

   وإذا كانت هذه الصورة التي تدفعها الشاشات العربية يوميا عبر بثها التلفزيوني منتقدة من اوساط كثيرة فلماذا يتزايد ازدحامها على الشاشة. تجيب الإعلامية ورئيسة تحرير مجلة الجرس اللبنانية نضال الأحمدية بان" الفيديو كليبات التي تعتمد على ابتذال الجسد هي جزء من سياق مجتمعي كامل".

   وتحمل الاحمدية البعد السياسي جزءا مهما من هذا الانتشار وتقول "بعد هزيمة حزيران حصل ما يشبه اليوم في السينما العربية موجة من الانحلال، كالذي يحدث في لبنان اليوم بعد حرب الربع قرن".

   وتعتقد الاحمدية أن "الشعوب المهزومة دائما ما تتفلت أخلاقيا، نتيجة انتشار الألم والفقر واليتم والتفسخات المجتمعية التي تخلفها الحرب".

   بدوره يقترب د.خليل أبوزناد من البعد النفسي الكامن وراء انتشار ظاهرة التعري في الفيديو كليب لافتا الى ان هذه الأغنيات تداعب المناطق المغفلة في نفسية الإنسان العربي والمتعلقة بالجسد.

   ويضيف استشاري الطب النفسي "أعتقد أن هذا هو السبب الرئيسي في تقبل الناس لهذه الأغنيات فلو كانت مرفوضة على كل المستويات لم تلق هذا الرواج".

   ويحيل ابوزناد هذا الرواج إلى قانون العرض والطلب. مشيرا أن "أحدا لا ينكر أن لهذه الكليبات قبولها الذي يعتمد عليه منتجوها لما تدره عليهم من نقود، ويقول "هم يعلمون جيدا أن تأثيرها على عقل ونفسية الإنسان العربي أشبه بالمخدر".

   إلا أن التجاوب مع هذه الكليبات اختلف باختلاف الأجيال إناثا وذكورا تجاه هذه الموجة من الإغراء المصاحب للأغنيات المصورة. ففي الوقت الذي أظهرت فيه الفئة العمرية من المراهقين استيعابا تاما للموقف ولم يظهر من جانبها سوى تقييم موضوعي للكليبات، أظهر جيل الشباب من الفئة العمرية ما فوق الـ25 انبهارا ورغبة شديدة في استمرار هذه الموجة. أما الجيل الأكبر ما فوق الـ45 عاما فقد أظهر تناقضا واضحا ما بين الرغبة في المشاهدة ومنع الصغار منها بحجة أنها تعلمهم الأخلاق السيئة.

   سندس عطية (16 عاما) تقول "لا أعتبر أيا من مغنيات الاغراء مثلا أعلى لي، بل على العكس يقدمن فنا رخيصا، واستهحن العمليات التجميلية التي تلجأ اليها الفنانات ليكن اكثر اغراء على الشاشة ".

   أما (نعيم حبيب 15 عاما) فيقول "بالطبع أحب النظر إلى هيفاء وهبي ونانسي عجرم لكنني أفضل المغنيات الأجنبيات فهن طبيعيات أكثر".

ولا ينكر حبيب أن أمه وأباه لا تستهويهما هذه الكليبات، مستهجنا ان يلجآ الى منعه من مشاهدة هذه الكليبات .

   ويتساءل "ما الجدوى من منعي؟ بصراحة تامة كل أشكال الإغراء موجودة على الانترنت، لكنني أكره المبالغة في المكياج، بعض الأغنيات جميلة لكن البعض الآخر مبالغ فيه".

   وعودا الى الاحمدية فهي تبدي خوفها على الجيل الجديد من أن تنسيه متعة العين والتوجه للغرائز عن إشباع حاجاته الروحية، ومن أن تفقده لذة البحث عن الذات. أما د. خليل أبوزناد فيرى ان الانفتاح قادم شئنا ذلك أم أبينا، إلا أن هذه السرعة هي أمر غير صحي على الإطلاق خصوصا للجيل الجديد، ومن الضروري جدا أن تخرج أصوات تنادي بالحفاظ على موروثنا الأخلاقي.

   الكثير من أصابع الاتهام تشير إلى أيد غربية تقبع خلف هذا التحول شبه المفاجئ على الشاشات العربية. بالمقابل فان للفنانين الذين يتبعون منهج الاثارة في الكليب مبرراتهم. يقول المخرج والمغني اللبناني جاد شويري والذي يعتمد في معظم تصويره على إبراز الجسد وجهة نظر مختلفة.

   يقول "لا أجد أي ابتذال في إبراز جمال المرأة داخل إطار الإغراء، فالإغراء موجود في الشاشات والتلفزيونات وفي الدعايات أيضا، أعتقد أن الناس ستعتاد على الأمر فهي مسألة وقت لا أكثر".

   جاد شويري، الذي قدم الكثير من الفيديو كليبات التي تعتمد على الإغراء المباشر، مثل كليب ماريا (إلعب) الذي ووجه بالنقد الشديد لكونه يدور حول فكرة الفتاة الطالبة المغرية. بالإضافة إلى كليب "أجيلك عطشان" الذي قدم نفسه من خلاله كنموذج للرجل المغري، يعبر عن قناعته التامة بأعماله بقوله "لا يوجد فن حقيقي وفن غير حقيقي، الضحك والكوميديا فن، الدراما فن، والإغراء كذلك فن خصوصا عندما يتم توظيفه لخدمة فكرة معينة".

   بالاضافة الى ماريا اللبنانية فان هناك قائمة كبيرة من الفنانات اللواتي لا يجدن حرجا في تقديم الاثارة في الكليبات الغنائية مثل روبي من مصر ونانسي عجرم في بعض أغنياتها وإليسا في بعضها كذلك، وتينا وماريا ونجلاء من تونس.

   وفي الوقت الذي يعد فيه انتشار كليبات الاثارة ظاهرة تسعينية، فإن  الكثيرات من مغنيات الثمانينيات يرفضن هذا النسق من الأغنيات أمثال نجوى كرم وماجدة الرومي وجوليا بطرس.

   من جانبها ايضا ترفض لطيفة التونسية هذا التوظيف للجسد في مدرسة الغناء، وهي التي تعتبر ابتذال جسد المرأة من خلال الأغنيات "مقززا" كما صرحت في مؤتمرها الصحافي الأخير الذي عقدته في عمان بمناسبة مهرجان الأغنية الأردني الرابع.

   وكانت مجلة الجزيرة الخليجية قد أعلنت عن تجربة فريدة من نوعها حيث أشهرت المطربة أصالة نصري جمعية (العفة) في باريس. تدعو لمحاربة العري في أغاني الفيديو كليب وقامت بإشهارها في فرنسا.. وانضمت لها آلاف السيدات للمحافظة على تكريم المرأة في وسائل الإعلام.

   وتهدف أصالة من خلال هذه الجمعية كما تقول إعلان غضبها من انتشار هذه الأغاني المصورة، ولقيت مبادرة أصالة الكثير من التأييد داخل الأوساط الفنية العربية.

التعليق