قصة نجاح من رحم التفكك الأسري

تم نشره في الأحد 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 09:00 صباحاً

جمانة مصطفى

   عمان -  "طريق الالف ميل يبدأ بخطوة واحدة" يبدو هذا المثل شعارا لكثيرين في سعيهم لتحقيق نجاحاتهم الحياتية والاجتماعية، غير ان النجاح نفسه كما يرى كثيرون انما يتحصل من رحم المعاناة نفسها .

   ناصر حسن (21 عاما) الذي يعمل حاليا في محل لبيع المياه المعقمة، مثال حي لقدرة الإنسان على استحضار القوة الكامنة في داخله ليولد النجاح من رحم الصعوبات. وفصة ناصر كما يرويها "انفصل والداه وهو في الثانية من عمره بينما أخوه الأصغر لم يكمل عامه الأول بعد، في ذلك الوقت لم تكن ذاكرته حاضرة ليعرف كيف هو شكل والديه كما يقول .

   تمثل قصة ناصر انموذجا لقدرة الفرد في تخطي التداعيات التي يتركها التفكك الاسري على افراد العائلة. يقول ناصر بمجرد الطلاق سافر الأب الذي يعمل سائقا على إحدى الشاحنات إلى العراق بينما لم يرغب أهل الأم بالاحتفاظ بالولدين، وعن هذه المرحلة يتابع ناصر:"عشت وأخي في كنف امرأة اخرى في نفس العمارة، إلا أن أمي لم تتمكن من التكفل بمصاريفي وأخي، مما اضطر المرأة إيداعنا دار للأيتام". دار الأيتام التي كانت تسمى آنذاك "مركز رعاية الطفل" وتغير اسمها اليوم إلى "دار أنس بن مالك" ضمت الطفلين لست سنوات متتالية.

   ويصف ناصر تلك الأيام بأنها كانت من أصعب أيام حياته، ففي الوقت الذي قضى فيه الطفلان العام تلو الآخر في الملجأ انقطعت أخبار الأم عن ولديها تماما، وقضت السنوات وهي تبحث عنهما.

   يقول "في أحد الأيام جاء المغفور له الملك الراحل الحسين بن طلال لزيارة الملجأ، وعرفتنا أمي لدى ظهورنا على شاشة التلفزيون، أخذتنا إليها شهرين ثم عدنا بعدها إلى الملجأ".

   لاحقا عاد الأب من العراق فقرر ضم الولدين إليه، بعد أن تزوج للمرة الثانية وأنجب طفلة أنثى من زوجته الثانية لكنه ما لبث أيضا أن طلقها، وهكذا رجع الطفلان إلى حياة التشتت واللامنزل واللاعائلة مرة أخرى.

واستأنف الطفلان رحلة التنقل بين العمات والأعمام لعدة سنوات حتى انتقلا إلى العيش مع الأب مرة أخرى بعد أن تزوج من زوجته الثالثة.

   يقول "في البداية كانت زوجة أبي لطيفة معنا إلا أنها وبمجرد أن أنجبت تغيرت معاملتها معنا بالمطلق، كانت أسهل كلمة ينطق بها والدي (اطلعوا برا البيت)".

   في هذه المرحلة كان ناصر قد بلغ الخامسة عشرة من عمره، وهنا قرر الأخان أن يستأجرا منزلهما الخاص من المال الذي كانا يحصلا عليه نتيجة عملهما في الخياطة.

   وبالفعل قضى الأخان ستة أشهر في منزل منفصل لم يلبثا ان عادا بعدها إلى الأب الذي طلب منهما العودة إليه ومساعدته في أمور الحياة، وهنا تبدأ مرحلة جديدة من حياة ناصر حين تقدم لخطبة احدى الفتيات برفقة والده الذي طلب له الفتاة.

   يقول "بعد الخطبة بدأ والدي بطلب النقود مني أكثر من السابق، وحين لم يعد بمقدوري مساعدته لأنني أؤثث منزلي الخاص هددني بتطليقي من الفتاة". إلا أن اهل الفتاة الذين لمسوا التزاما من ناصر تفهموا القصة التي وراء الحالة وطمأنوه باتجاه أن الخطبة مستمرة.

   ناصر من جهته يرفض مبدأ الطلاق في الحياة، وكإحدى ضحايا التفكك الأسري يرى فيه تهديما لفكرة الأسرة كاملة، وهذا السبب تحديدا هو الذي يسوقه في معرض حديثه عن التزامه الأسري.

   أما الأم اليوم فتعيش حياة عائلية مستقرة لا تخلو من زيارة أبنائها لها بين الفينة والأخرى، في كنف زوج متفهم لأمومتها يصفه ناصر بالـ"صديق الرائع". أما الأخ فيعمل في مشغل خياطة في جبل الحسين. 

   وهنا يخبر ناصر عن أمنياته بالعمل بالمهنة التي درسها ويأمل بممارستها، يقول "أحب الخياطة والحمدلله أن بيدي صنعة تمكنني من أن أعيش وأؤمن لزوجتي في المستقبل حياة كريمة". إلا أنه وفي ذات الوقت لا يخفي حلمه الأول بأن يعمل في تصميم الأزياء، إلا أنه لم يتمكن من تأمين مصاريفه الدراسية في كلية القدس نتيجة ظروفه المذكورة.

   ومن هنا يؤكد ناصر وهو إحدى ضحايا التفكك الأسري وعدم الالتزام الأبوي تجاه الأسرة أن التفكك بحد ذاته لا يعطي حجة للأبناء للانحراف، سواء في المخدرات أو أساليب الكسب غير المشروع.

   ويقسم أنه سيكون أبا صالحا حنونا ويقدس فكرة الأسرة، بعدما أذاقته الحياة مرارة تهتك القيم العائلية.

التعليق