انفلونزا الطيور: مرض جديد يثير الجدل

تم نشره في الجمعة 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 09:00 صباحاً
  • انفلونزا الطيور: مرض جديد يثير الجدل

عمان-الغد- هذا المرض حتى الان ينتشر فقط بين الطيور، وانتشاره بين البشر لا يشكل سوى حالات معدودة في دول جنوب شرق اسيا ،ولم تسجل حتى الان اي اصابة به في الاردن. ويهدف هذا المقال الى اعطاء المعلومة المستندة على نشرات منظمة الصحة العالمية، والتوعية والتثقيف .

انفلونزا الطيورأصبح حديث المجالس وقضية الدول،أحدث صدى كبيرا في العالم بسبب تخوف الجميع من أن يتحول إلى وباء عالمي بين البشر، ولا شك أنك سمعت عنه في الأخبار أو قرأت عنه في الصحف والمجلات. وقبل التعرف عليه وعلى طرق انتقاله والوقاية منه لا بد من التطرق قليلا إلى الأنفلونزا بشكل عام.

الأنفلونزا عبارة عن مرض حاد يصيب الجهاز التنفسي، يصاحبه أعراض عدة تتمثل في الحرارة والصداع وآلام في العضلات، والرشح، والسعال، والتهاب في الحلق، وعادة ما يتعافى المريض من هذا المرض تلقائيا خلال يومين إلى سبعة أيام. ويصاب معظم الناس بالأنفلونزا بسبب فيروسات تصيب الجهاز التنفسي، الذي ينتقل من المريض إلى غيره عن طريق الرذاذ المصاحب للعطاس أو السعال، وهذه هي الطريقة الشائعة لانتقال المرض، لكنه أحيانا ينتقل من مجرد لمس الشخص فمه أو أنفه بعد لمسه أية أداة يحمل سطحها فيروس الأنفلونزا، ومن الممكن أن تنتقل العدوى بين المصابين من اليوم الأول للإصابة، أي قبل ظهور الأعراض أو خلال الإصابة، بمعنى آخر أنه من الممكن أن ننقل العدوى لبعضنا البعض قبل أن نتأكد من إصابتنا بالرشح أو قبل أن نعرف بذلك أصلا.

وينقسم فيروس الأنفلونزا إلى ثلاثة أنواع، يعرف بـ (أ) و (ب) و(ج)، والنوعان الأوليان من الأنفلونزا (أ) و(ب) مسؤولان عن أوبئة الأمراض التنفسية التي تحدث كل شتاء، مع ما يصاحبها من نسب مرتفعة في حالات دخول المستشفى ولربما الموت أحيانا، أما النوع (ج) فهو يختلف عن النوعين (ا) و(ب) في بعض الجوانب الهامة، إذ يؤدي عادة هذا النوع إلى الإصابة بمرض بسيط في الجهاز التنفسي قد لا تصحبه أية أعراض أحيانا، كما أنه لا يتسبب في أية أوبئة وليس له أثر كبير على الصحة العامة كما يفعل النوعان (أ) و(ب).

وتتغير فيروسات الأنفلونزا مع الوقت، وذلك من خلال عمليات التحول أو التغير، وهذا التغير المستمر يؤدي إلى أن يهاجم الفيروس الجهاز المناعي في جسم الإنسان، وبالتالي يصبح الناس سريعو التأثر بفيروس الأنفلونزا طوال حياتهم، بيان ذلك: أنه عندما ينتج الشخص المصاب بفيروس الأنفلونزا أجساما مضادة ضد هذا الفيروس فإنها تقاومه وتهزمه، ولكن مع تغير الفيروس وتحوله لا يتمكن هذا الجسم المضاد " القديم" من التصدي للفيروس "الجديد" وبالتالي تحدث العدوى مرة أخرى، مع أنه من الممكن أن توفر الأجسام المضادة حماية جزئية ضد العدوى الثانية.

وحاليا، هناك ثلاثة أنواع مختلفة من الأنفلونزا منتشرة حول العالم: نوعان من فيروس (أ) ونوع واحد من فيروس (ب)، وتنقسم فيروسات النوع (أ) إلى أنواع فرعية تعتمد في أقسامها على فروقات في نوعين من البروتينات الفيروسية، والتي تدعى هيمجلوتينين ويرمز لها بالإنجليزية بالحرف (H)، ونيورامينيدايس ويرمز لها بالحرف (N)، ويشار إلى الأنواع الفرعية من أنفلونزا (أ) بـ( A(H2N1) و (A(H3N2).

ومن ضمن هذه الفيروسات نصل إلى  فيروس أنفلونزا الطيور، الذي يحتوي 15 نوعا فرعيا من فيروس النوع (أ) على اختلاف في درجة خطورة كل نوع،  ويعود سبب تسمية هذا النوع من الأنفلونزا بأنفلونزا الطيوربسبب إصابته "الطيور" فقط؛ إذ تحمل الطيور البرية الفيروس في أمعائها بدون أن تتأثر به ولا أن تمرض منه، ومع ذلك فهذا الفيروس معد بشكل كبير بين الطيور، وقد يصيب طيورا منزلية مثل الدجاج والبط والديك الرومي بالمرض الذي قد يصل إلى درجة الموت.

وكان الاعتقاد السائد أن هذا الفيروس لا يصيب إلا الطيور، إلا أنه وجد عام 1997 ثماني عشر حالة بشرية مصابة بهذا النوع من الأنفلونزا في هونج كونج، وكان الفيروس المسؤول عن الإصابة بتلك الحالات من نوع (AH5N1) ، ومنذ ذلك الوقت بدأت حالات أخرى عديدة بين البشر بالظهور، وفي أواخر عام 2003 وبداية عام 2004 انتشر المرض في ثماني دول آسيوية - مصيبا الطيور الداجنة- هي:  كامبوديا، والصين، وإندونيسيا، واليابان، ولاوس، وجنوب كوريا، وتايلاند، وفيتنام، وفي ذلك الوقت تم التخلص من حوالي 100 مليون طير في تلك الدول بسبب الفيروس من أجل الحد من انتشار المرض، وظهرت عدة حالات إصابة بشرية مؤخرًا بهذا الفيروس في كل من: كومبوديا، وتايلاند، وفيتنام بسبب الكميات الكبيرة للدجاج في تلك الدول، كما أعلنت منظمة الصحة العالمية عن ظهوره بين البشر في إندونيسيا.

وكان السبب وراء ظهور جميع هذه الحالات الاتصال المباشر بين البشر والطيور الداجنة المصابة بالعدوى أو بينهم  والأسطح الملوثة بالفيروس،  وحتى اللحظة فإن الرقم وصل إلى حوالي 118 شخصا مصابين بفيروس أنفلونزا الطيور من نوع (AH5N1).

والسؤال الملّح الذي يطرح نفسه : كيف يمكن أن ينتقل مرض خاص بالطيور للإنسان؟ وللإجابة على هذا السؤال لا بد أن نفصل القول في القصة من بدايتها، إذ تحمل الطيور المصابة الفيروس في أمعائها وتخرجه عن طريق: لعابها والمخاط الخارج من مناقيرها وبرازها، فتتأثر غيرها من الطيور السليمة بها وتصاب بالعدوى، في حال اتصلت اتصالات مباشرة مع تلك الإفرازات الملوثة في المخاط الملوث أو النفس الملوث أو البراز الملوث، إلا أن أكثر طرق الانتقال شيوعا هي التي تكون من البراز إلى الفم، إذ تأكل الطيور السليمة برازًا ملوثا، أو الاتصال بالأسطح الملوثة بالبراز الملوث.

أما عن انتقالها للبشر، فقد وجد أن معظم حالات العدوى نتجت عن الاتصال المباشر مع الطيور الداجنة المصابة أو لمس الأسطح الملوثة بالفيروس، لذا فإن أكثر الناس عرضة للإصابة بهذا المرض هم الأشخاص الأكثر اتصالا مباشرا مع الطيور الداجنة، كمن يعمل في مزارع الدجاج أو الطيور أو الديوك الرومية، فإذا كانت تلك الطيور مصابة بالعدوى فإنه من الممكن بل من السهل أن ينتقل المرض إلى البشر ما لم تتخذ الإجراءات الاحترازية اللازمة.

وفيما يخص انتقال أنفلونزا الطيور من شخص إلى آخر، لم يثبت ذلك بعد بشكل قاطع. إلا أن ما يخيف في الأمر هو ما قدمناه سابقا؛ إذ من الممكن أن تتغير فيروسات الأنفلونزا، ومنه فمن الممكن أن يتغير فيروس أنفلونزا الطيور، بحيث يصبح سهل الانتقال بين البشر، وذلك بأن يصيب فيروس أنفلونزا الطيور شخصا مصابا بأنفلونزا البشر، لتتحول هذه الفيروسات معا وتتغير لتنتج نوعا آخر يصيب البشر ويؤثر عليهم.

وتشابه الأعراض الأولية لمرض أنفلونزا الطيور مع أعراض الأنفلونزا العادية، بمعنى أن الإصابة بالحرارة، والصداع، والآلام في العضلات، والرشح، والسعال، والتهاب الحلق.. أمر حاصل للمصاب بأنفلونزا الطيور- لا محالة- كما هو الأمر في المصاب بالأنفلونزا العادية ، إلا أنه من الممكن أن يتطور المرض هنا إلى الإصابة بحرارة عالية جدًا، والتهابات في الصدر، والتهابات في العين مثل التهاب الملتحمة، وفشل في الجهاز التنفسي مثل ضيق نفس، والتهاب رئوي، وفشل في عدة أعضاء، حتى يصل الأمر إلى الموت..، وتعتمد الإصابة بالأعراض على نوع الفيروس المسبب لأنفلونزا الطيور. 

ومن الممكن أن يصيب هذا المرض الأشخاص الذين يلامسون الطيور المصابة بالعدوى أو الأسطح الملوثة، كما تقدم؛ فالعاملون في مزارع الدجاج هم الأكثر عرضة بالإصابة به بالدرجة الأولى..، وكما هو الحال في الأنفلونزا العادية، فإن الأطفال وكبار السن هم الفئة الثانية الأكثر عرضة بالإصابة بمرض أنفلونزا الطيور، لأن أجهزتهم المناعية تكون ضعيفة عادة، ومع ذلك فليس الأمر على إطلاقه؛ فإذا كانت أنفلونزا الطيور مثل الأنفلونزا العادية فمن الممكن أن يكون أي شخص معرض لخطر الإصابة بها، من البالغين والأطفال الذين يعانون من أمراض معينة مثل: أمراض القلب، والربو، والسكري، والإيدز، والسرطان.

ولربما يكون التساؤل الأهم بعد معرفة كل ما تقدم: هل يوجد علاج لمرض أنفلونزا الطيور؟ وفي الحقيقة أنه لا يوجد علاج لأي نوع من أنواع الأنفلونزا، على أن الدراسات المخبرية أظهرت أنه من المفترض أن تعمل الأدوية المعتمدة الخاصة لعلاج الأنفلونزا العادية في علاج أنفلونزا الطيور، لكن هذا المرض أكثر خطورة من الأنفلونزا العادية، وقد يحتاج المصابون به إلى العناية الطبية في المستشفيات.

وقد يكون لبعض الأدوية المضادة للفيروسات مثل "تامي فلو Tamiflu" و"ريلينزا Relenza" أثر في علاج الحالة في الوقت الحالي، مع مراعاة وجوب تناولها تحت إشراف الطبيب خوفا من أية آثار جانبية، ومع ذلك يتوجب على المصابين بالأنفلونزا العادية أن يأخذوا قسطا وفيرا من الراحة والنوم، مع الإكثار من شرب السوائل، كما يساعد تناول الأدوية المضادة للحرارة وأدوية السعال من تخفيف الأعراض، ويجب أن يحرص هؤلاء الأفراد على النظافة الشخصية، بتكرار غسل أيديهم لتجنب نشر الفيروس، وبالطبع عليهم الاستمرار في مراقبة وضعهم الصحي، فإذا ازدادت الحالة سوءا كأن استمرت الحرارة في الارتفاع، أو حصلت إصابة بضيق نفس فعليهم مراجعة الطبيب.

كما نقول دائما، فدرهم وقاية خير من قنطار علاج، لأن الأمر خطير فعلا، خاصة إذا علمت أنه لا يوجد مطعوم لهذا المرض، كما لا يمكن لمطعوم الأنفلونزا البشرية أن يمنع الإصابة بأنفلونزا الطيور، ولكنه يمكن أن يخفف من الإصابة به كما يخفف من الأنفلونزا البشرية.

ومع ذلك يمكن اتخاذ الإجراءات الاحترازية، التي تتمثل في حماية ووقاية الجسم من الإصابة بالأنفلونزا ببناء مانع قوي للجسم، ويمكن الحصول على ذلك من خلال التوازن في تناول الغذاء، وممارسة التمرين باستمرار، والحصول على راحة كافية، والتقليل من شدة التوتر، وعدم التدخين..، وإذا كنت مصابا بالأنفلونزا يفضل تجنب الأماكن المغلقة، وبالطبع فالنظافة الشخصية ركيزة أساسية في الموضوع، فمن الضروري غسل اليدين دائما، واستخدام المناديل الصحية عند العطس والسعال والتخلص منها.

وأمر مهم آخر هو تجنب ملامسة الطيور الحية أو الطيور الداجنة أو فضلاتها من براز أو مخاط..، وإذا حصل اللمس فمن الضروري غسل اليدين مباشرة بالصابون بشكل جيد، وإذا كنت تقتني في منزلك بعض الطيور حاول أن تتجنب الاقتراب منها من غير حاجة، واغسل يديك جيدًا بالماء والصابون في كل مرة تزيل فيها فضلاته، وإذا كنت تعدين طعاما يحتوي الدجاج أو أي مشتقاته من بيض وغيره فلا بد من الحرص على النظافة؛ بغسل يديك بالإضافة إلى غسل لوح التقطيع والسكين المستعمل جيدًا وأي سطح لامس الدجاج أو البيض..، وإذا لم يتوفر لديك الصابون فيمكنك استخدام الكحول فهو أفضل قاتل للجراثيم.

كذلك فإنه من الضروري تثقيف الأطفال حول أهمية النظافة الشخصية، وتعليمهم آداب التعامل الصحي عند الإصابة بالزكام؛ كوضع اليد على الأنف عند العطس والسعال، واستخدام المناديل الصحية لتجنب نشر العدوى..، وهذا الأمر يتحمل مسؤوليته الجميع بالطبع، كما يجب تجنيب الأطفال ملامسة الطيور، أو الدجاج، أو برازهما..، وتنصح المدارس بمنع الأطفال من الاقتراب من أي طيور موجودة في المدرسة.

أما بالنسبة للطعام فينصح بطهي الدجاج والبيض جيدًا، وحتى إذا رغبنا في قلي الدجاج فيفضل أن يسلق على الأقل 30 دقيقة قبل قليه، ولن نقلقك بهذا الشأن كثيرًا هنا في بلدنا، لأن معظم الدجاج الذي نعده يكون مطبوخا جيدًا، ولكن علينا أن نتجنب قدر الإمكان تناول أي طعام يحتوي على بيض نيء مثل المايونيز والبوظة.

من الممكن أن تصاب أي دولة بهذا المرض بسبب التواصل والترابط العالمي في وقتنا الحاضر، وينسحب الأمر كذلك على الأردن، إلا أن هناك عوامل تحمي الأردن وتمنع وصول المرض إليها بسهولة؛ فالجو الجاف، والمزارع المغطاة..، إلى جانب انتشار أخلاقيات التعامل مع المرض والمريض عند الزكام وغيره، مع وجود طابع عام من المحافظة على النظافة الشخصية بشكل عام أرساها الدين الآمر بالنظافة مطلقا.

ومع ذلك فقد اتخذت وزارة الصحة إجراءات عديدة لتقلل من خطر أنفلونزا الطيور، فشكلت لجنة توجيهية طارئة، ولجنة فنية إرشادية دائمة، وقامت بتشديد المراقبة على مرض الأنفلونزا المنتشر بين البشر، ورصدت ظهور فيروس الأنفلونزا بين الطيور الداجنة، إلى جانب إعداد استراتيجية حول الأنفلونزا الموسمية وتطعيم التهابات الرئة، وإعداد إرشادات إدارة قياسية.

واليوم تتكاتف الجهود العالمية عبر المنظمات العالمية كمنظمة الصحة العالمية ومراكز السيطرة والوقاية من الأمراض في اتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من انتشار هذا المرض ووقف انتقاله للبشر.

التعليق