جلعاد: انا من جيل انحازت جل تحاربه نحو قصيدة النثر

تم نشره في الأحد 16 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 09:00 صباحاً
  • جلعاد: انا من جيل انحازت جل تحاربه نحو قصيدة النثر

شاعر اردني تصدر له مجموعة شعرية بعنوان "كما يخسر الانبياء"

 

حاوره: زياد العناني

   عمان- يعتبر الشاعر حسين جلعاد ان الشعر رؤيا، وليس محض خواطر يمكن ان تدفع للنشر بمجرد تواردها مضيفا ان التحرير والاختزال والحذف عوامل تساهم في متانة النص الشعري، لافتاً الى انه قد التزم على الدوام عدم نشر اي مجموعة شعرية ما لم تكن معبرة عن ماهية الشعر وحقيقته.

"الغد" التقت صاحب مجموعة "العالي يصلب دائماً" وكان هذا الحوار الذي تطرق فيه الى تجربته مع قصيدة التفعيلة وتحوله الى قصيدة النثر اضافة الى مجموعته الجديدة التي ستصدر في القاهرة محتوية على تجاربه الجديدة في هذا المضمار.

* بعد مجموعتك الاولى "العالي يصلب دائماً" توقفت عن النشر اين انت الان من الشعر وماذا تكتب؟

-صدرت مجموعتي الشعرية "العالي يصلب دائماً" في اواخر 1999 وبدايات العام 2000 م وهي خلاصة رؤياي الشعرية آنذاك والتي اعتمدت فيها منهجاً قاسياً في التحرير والاختزال والحذف،انحيازاً للتكثيف والمتانة والاتيان بما اعتقده جديداً ومميزاً لصوتي الخاص.

وقد أردت على الدوام التأكيد على أن الشعر هو رؤيا بالاساس وليس محض خواطر يمكن أن أضعها للنشر بمجرد تواردها في خاطري او افراغها على الورق.

لقد التزمت على الدوام بقضية تجاه كل ما يمكن تسميته شعراً وبالتالي، فإن دفعي بالنشر يمر عبر قرار حاسم واعٍ يتبصر بماهية الشعر وحقيقته.

منذ اصداري الاول ذاك وحتى الان، مررت بتحولات شعرية أجدها ثرية من حيث نمط الكتابة وطبيعة التجربة التي اخوضها. لقد ابتعدت عن مساحتي الغنائية السابقة، واراني ميالاً على نحو واع نحو مزيد من التجريب في قصيدة النثر، اصبح الشعر في كتاباتي الحالية صوتاً ينحو للتأمل والبوح اكثر مما يعلي عقيرته بالغنائية، على أن كل ذلك طبعاً لا يلغي انني لم اواصل تعميق الحفر في مسارات كانت ظهرت في تجربتي الشعرية الاولى.

اما بخصوص ما تراكم الان من تجربتي الشعرية الجديدة، فقد اخترت لها اسماً بعنوان "كما يخسر الانبياء" وهي تنقسم اجرائياً الى كتابين او لنقل الى فصلين شعريين، احدهما يتتبع صوت الفتى الذي في داخلي او الذي كنته، فيما يتببع الآخر صوتاً، يمكنني ان اسميه تاريخياً، ويجمع هذين الصوتين تجربة الرؤيا الواحدة لثيمات اراها مشتركة، او لنقل اراها ملازمة لوجدان الانسان واسئلته الوجودية ونظراته تجاه الكون والتاريخ والحياة.

وبخصوص النشر، فأنت تعلم انه قرار لا يخص الشعر بقدر ما يخص الحامل الاجتماعي له؛ بمعنى ان الشاعر في هذه المرحلة سيدفع الى الارتطام بمحددات شروط النشر وعلاقات الناشرين وشروط او مواصفات المؤسسات الثقافية الداعمة.

لقد كنت اتخذت قراري منذ زمان طويل الا اخضع لذائقة مقيمي هذه المؤسسات، ووطدت النفس من زمان الا انشر كتبي عن مؤسسات كتلك، وهو رأي يدعمه واقع ما تصدره بعض المؤسسات الذي آنف ان يقارن ما اكتبه بكثير من الغثاء الذي تصفعنا به صباح مساء، طبعاً ذلك لا يلغي ان بعضاً من الاصدارات تستحق النشر والاهتمام والاحتفال فعلاً  لكن لي رأياً بعدم الاقتراب من كهنوت المؤسسات التي يتساوى عند كثير منها القمح  والزؤان.

وعليه فإن قرار النشر هنا سيكون خاضعاً لمجهودي الشخصي، وهو امر اسعى اليه، وهناك الان اتصالات لنشر تجربتي اما في بيروت او القاهرة ولا اريد استباق الامور حول ذلك وساعلنه في حينه.

عوداً على الجزء الاخير من سؤالك حول ما اكتب الان، فإنني اود الاشارة الى انني منهمك بعدد من الكتابات الجديدة الى جانب الشعر اهمها مشروع كتاب عن الشاعر العالمي النيكاراغوي ارنستو كاردينال والذي يعد شاعر الاسبانية، حيث ستتضمن الدراسة حواراً موسعاً حول تجربته الشعرية والحياتية التي تمتد لما ينوف عن نحو نصف قرن من الزمان.

وفي الخضم فإن ضجيج "حرب السلفيات" الدينية والسياسية الذي يملأ العالم، اراه يهز وجداني بعنف، واسعى بين الحين والاخر الى كتابة مقالات ودراسات سياسية قد تؤسس لدراسة عن تحولات الاصطفاف الايديولوجي والسياسي والمعرفي للقرن الاميركي الجديد.

* قلت بأنك الان تمر في طور تجريبي من قصيدة التفعيلة الى قصيدة النثر ترى هل تعتقد أن في ذلك توسعاً نحو التجريب ام تطوراً للشعرية المعاصرة.

-لنعترف بداية ان جيلنا التسعيني- في أبرز تجاربه قد انحاز مبكراً نحو قصيدة النثر، ووصل الامر عند بعض شعرائنا الى قطيعة احترابية مع انماط القصيدة السابقة، لقد اعلينا من شأن قصيدة النثر باعتبارها الشكل الارقى والأكثر تطوراً مما وصلت اليه تجربة الشعرية العربية. ولكن دعنا نمشي على الارض قليلاً، لنر الامور في سياقاتها الواقعية.

القول ان قصيدة النثر هي قمة التطور، امر فيه انحياز ايديولوجي ادبي، وانني لأراه شكل آخر من اشكال الاقصاء التي مارسها علينا دعاة السلفية الشعرية بأشكالها المتعددة؛ العمودية، والتفعيله.

منطق الاشياء يقول ان قصيدة النثر شكل من اشكال الشعرية العربية الحديثة الى جانب اشكاله الاخرى، لكنه ليس شكلها النهائي أو الأسمى.

لقد استطاعت قصيدة النثر ان تحفر لها مجرى عميقاً في تحولات الشعرية، وبالتالي فإنها تقف اليوم على قدم المساواة مع انماط شعرية "تاريخية".

المفارقة الان فعلاً ان بعضاً من الاسماء الشعرية المهمة التي طالت ونافحت عن زعامة ريادتها في كتابة قصيدة النثر على الأقل في الساحة الثقافية الاردنية، قد بدأت بالعودة الى قواعدها التفعيلية سالمة، وهو امر قد يقرأه البعض باعتباره "ردة شعرية" ما، غير انني اوسع مدى الرؤى لاحتسابه تنقلاً في انواع كتابية تنتمي لتيار الشعر العظيم.

* بماذا تفسر عودة رموز قصيدة النثر الى قصيدة التفعيلة؟

-سأنطلق مما انهيت به جملي في سؤالي السابق، دعنا اولاً نؤكد بديهية تجاور اشكال القصيدة العربية، اما تفسير عودة بعض رموز "النثر" الى "التفعيلة" فهو منوط بالتبصر بتجربة كل شاعر بعينه.

بعضهم عاد الى قصيدته الاصلية، لان "الهوجة" انتهت بالنسبة له، ولم يعد ما في داخله متوافقاً مع حماسته الانية، فيما عاد آخرون- ربما- لعدم "اصالة" هذا النوع من الشعرية في خياراته، لقد تأستذ زمناً، ونال مغانم الاستذة، اما نار شعرية قصيدة التفعيلة فقدت اوارها، لان شاعريته محكومة ببشروطها الداخلية لتاريخ الشخص.

* في اكثر من مناسبة قلت انك تكتب رواية جديدة اين هي هذه الرواية ولماذا لم تظهر الى الان؟

-لم تظهر الرواية حتى الان لأنني وجدتني متورطاً بنيران العالم الجديد التي اشعلها جورج بوش الابن وطائرات اسامة بن لادن في غزواته.

كنت فعلاً قد انغمست عميقاً برواية تمر احداثها وتحولاتها منذ بدايات القرن العشرين وحتى اواخر الثمانينيات، وهي تعرض لتحولات ثلاثة اجيال اردنية بكل مالها وما عليها، لكنني وجدتني بعد احداث 11 سبتمبر ميالاً الى قراءة جديدة، او اكثر التصاقاً برؤية جيلي، اردتني ان ابدأها من جديد لأنظر ما جرى بعين الراهن والحاضر، وهكذا دخلت نصاً آخراً جديداً وطرياً ومختلفاً تماماً. فركنت ما كنت انجزته بانتظار اكتمال ما هو قادم وجديد.

لم اعد كتابة ما كنت انجزته سابقاً، فقد اصبح نازجاً وبعيداً عني، لكني بدأت عملاً اخر،ربما يتواصل تاريخياً مع الاجيال السابقة، لكنه مهموم برؤى اخرى اكثر اتساعاً واكثر استجابة لتحديات القرن الجديد.

التعليق