جائزتا نوبل للسلام والأدب: الأكثر قيمة والأكثر إشكالية

تم نشره في الأحد 9 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 08:00 صباحاً
  • جائزتا نوبل للسلام والأدب: الأكثر قيمة والأكثر إشكالية

 صلاح حزين

   في الخريف من كل عام، وهو الوقت الذي يعلن فيه اسم الفائز بجائزة نوبل للآداب، يتجدد الحديث عن جائزة نوبل. وتمنح جائزة كل عام لمن قدم إسهاما ذا قيمة استثنائية في عدد من الحقول هي الفيزياء والكيمياء والطب أو التشريح، والسلام، والاقتصاد الذي أضيف إلى قائمة الحقول التي تمنح عليها الجائزة منذ العام 1969، ويمنح قيمة هذه الجائزة بنك السويد.

وفي الخريف من كل عام تثور ضجة على جائزة نوبل للآداب  في صورة خاصة. وربما كان ذلك بسبب ما للأدب من نفوذ وتأثير على المواطن العادي عموما والمثقف في صورة خاصة، وربما كان أيضا بسبب ما يعتقده العرب في أنفسهم باعتبارهم أصحاب ثقافة عظيمة وضاربة في القدم، وصاحبة ديوان لا مثيل لغناه بين الأمم الأخرى في حقل مهم من حقول الأدب هو الشعر، ولكنه ربما كان يعكس أيضا نوعا من الاعتراف الضمني والمرير بألا مجال أمامهم للفوز بأي جائزة في الحقول الأخرى وخاصة العلمية. ولكن، هذا الاحتمال تبدد تماما مع نيل العالم المصري أحمد زويل جائزة الفيزياء عام 1999.

   بحصول محمد البرادعي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية يفتح مجددا ملف جائزة نوبل للسلام، وهي الجائزة الأكثر إشكالية بين جوائز نوبل التي تمنح كل عام، فمنحها يتم على أسس كثيرا ما تكون سياسية صارخة، ويكفي أن نذكر أن من بين من حصلوا عليها سياسيون مثل مناحيم بيغن وأنور السادات وليخ فاونسا وإسحق رابين وشمعون بيريز. وإن كان من الصحيح أنها منحت أيضا لأشخاص آخرين مثل نلسون مانديلا وياسر عرفات فإن هذا لا يكفي لإثبات أنها تمنح على أسس عادلة.

وللحقيقة فإن ألفريد نوبل نفسه كان قد عبر عن خشيته من أن تؤدي الطبيعة السياسية الواضحة لجائزة نوبل للسلام إلى إضعاف أثرها كأداة فعالة في نشر وتعزيز ثقافة السلام وتحولها بالتالي إلى أداة سياسية تتحكم فيها أهواء السياسيين.

ومن الطريف أن جائزة نوبل للسلام قد منحت للعديد ممن أساؤوا لمفهوم السلام مثل مناحم بيغن الذي حصل عليها مناصفة مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات، كما حصل عليها رئيس وزراء إسرائيل الأسبق إسحق رابين ووزير خارجيته آنذاك شمعون بيريز، وقد اقتسماها مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، كم حصل عليها إف دبليو دي كليرك آخر رئيس أبيض لجنوب إفريقيا والذي حصل عليها مناصفة مع نلسون مانديلا.

   وفي العام 1987 منحت الجائزة لإيلي فايزل، وهو رئيس منظمة الذاكرة المعنية بتخليد المحرقة اليهودية باعتباره أحد الناجين من معسكرات الاعتقال النازية في الحرب العالمية الثانية. لكن فايزل هذا روائي أيضا، ومن بين مؤلفاته رواية تحمل اسم "شحاذ في القدس"، والرواية في واقع الأمر قصيدة مدح في الجيش الإسرائيلي الذي "حرر مدينة القدس من أيدي العرب بعد ألفي عام من الاحتلال." كما جاء في الرواية. وبالطبع فإن مثل هذه الرواية جديرة بأن تخرج الكاتب من دائرة الإنسانية وتضعه إلى جانب الكتاب النازيين والعنصريين والمؤيدين للحرب واحتلال المدن وتشريد الشعوب.

وفي العام 2002 قالت وكالة الصحافة الفرنسية إن عددا كبيرا من أعضاء لجنة نوبل أعربوا علنا عن أسفهم لمنح جائزة نوبل للسلام لشمعون بيريز سنة 1994 معلنين أنهم يرغبون في سحبها منه إذا كان ذلك ممكنا .

   وقالت هانا كفانمو احد أعضاء لجنة نوبل النروجية الخمسة الذين قرروا آنذاك منح هذه الجائزة الثمينة لوزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك "نعم اتمنى ان تكون هناك إمكانية لسحب الجائزة منه". وأضافت: "ما يحدث اليوم في فلسطين مشين ولا يصدق و بيريز مسؤول عنه بوصفه عضوا في الحكومة. لقد وافق على ما يقوم به شارون حاليا". وقالت "لو لم يكن متفقا مع شارون لكان ترك الحكومة".

وقالت هانا إن قرار تكريم بيريز "كان له ما يبرره آنذاك".

وأوضحت "كان احد الثلاثة الذين استحقوا حقا هذه الجائزة لأنه اتخذ المبادرة بإجراء المفاوضات التي أدت إلى اتفاقات اوسلو".

واعتبر عضو اخر في اللجنة وهو رئيس الوزراء الاسبق أودفار نوردلي في حديث لصحيفة دغسافيسن إن بيريز لم يحترم المبادئ التي أعلنها سنة 1994.

وقال اعتبر أسقف أوسلو غونار ستالسيت وهو عضو لجنة اوسلو منذ 1994 أنه ينبغي اعتبار بيريز مسؤولا عن الأزمة الحالية. وقال غونار ستالسيت لصحيفة دغسافيسن "بوصفه وزيرا للخارجية فإن بيريز يدعم كليا النزاع الذي أطلقه شارون. ولا يسعني أن اخفي شعوري العميق بخيبة الأمل والإحباط ". وأضاف: أرى انه ينتهك الجائزة شكلا ومضمونا. إن تصرفات إسرائيل تتعارض مع القوانين الدولية.

وفي ظني أن المشاكل العالقة بجائزة نوبل للسلام قد عكست نفسها على جائزة نوبل للآداب، فبدأ كثير من المواطنين العرب في النظر إلى جائزة نوبل للآداب باعتبارها هي الأخرى جائزة مسيسة تلعب الأهواء السياسية والأيديولوجية فيها الدور الأساسي بدلا من القيمة الأدبية والفنية والفكرية.

   وكثيرا ما يتم الاستشهاد ببعض المرات التي منحت فيها الجائزة لكتاب عنصريين مثل الشاعر البريطاني روديارد كيبلنغ صاحب المقولة الشهيرة "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا"، أو لكتاب صهاينة مثل وصموئيل يوسيف عجنون الكاتب الإسرائيلي الذي تقاسم الجائزة مناصفة مع الكاتبة اليهودية الألمانية أنا ساخس، أو لكتاب يهود مناصرين للمشروع الصهيوني من أمثال الروائي الأميركي الراحل سول بيلو الذي فاز بها في العام 1976، أو الأميركي البولندي المولد إسحق باشيفيز سنغر الذي فاز بها في العام 1978، أو لكتاب عرفوا بمواقف معادية للعرب أو المسلمين، كما حدث في العام الماضي حين فاز بها الكاتب الترينيدادي الأصل البريطاني الجنسية في إس نايبول.

ومع تسليمي ببعض الحق في ما يقال أحيانا من أن الجائزة تمنح لبعض من لا يستحقونها وأن هناك بعض الشبهات السياسية حول بعض الحالات التي منحت فيها الجائزة، فإنني أرى أن ذلك قد يكون صحيحا في حدوده الدنيا، فالجوائز ليست دائما معيار القيمة الأدبية أو الفنية، ويكفي دليلا على ذلك أن بعض أهم القامات في عالم الأدب على مر العصور لم يحصلوا على جائزة نوبل للآداب، ولذكر أمثلة قليلة فقط فإن الروائي الإيرلندي جيمس جويس صاحب رواية يوليسيسز أو "عوليس"، التي يعتبرها كثيرون أعظم رواية في القرن العشرين، بل في تاريخ الرواية على إطلاقه وهو لم يحصل على الجائزة، ونذكر أيضا الروسي ليف تولستوي صاحب رواية الحرب والسلام وأنا كارينينا، وعشرات الروايات والقصص الأخرى، وهناك جوزيف كونراد وفرجينيا وولف والروائي البريطاني الراحل غريام غرين وغيرهم، وتطول القائمة لو مضينا في إيراد أسماء كتاب حصلوا على جائزة نوبل للآداب في حين أن هناك كتابا أكثر أهمية لم يحصلوا عليها.

   وكثيرا ما تورد أسماء عدد من الكتاب اليهود الذين حصلوا على الجائزة من أمثال بيلو وسنغر وصموئيل يوسف عجنون وهو الكاتب الإسرائيلي الوحيد الذي حصل عليها، للقول إن هناك نفوذا يهوديا أكيدا خلف هذه الجائزة، وهو ما يعني ضمنا أن المعيار الأدبي أو الفني يأتي تاليا للمعيار السياسي.

إن موقفا مثل هذا لا يرد عليه مباشرة بالنفي أو الإيجاب، بل بإيراد قائمة من الفائزين بنوبل ممن عرفوا بعدائهم للسامية من أمثال الشاعر البريطاني الأميركي المولد تي إس إليوت

(1949)، والإسباني فيشنتى أليخاندري (1977)، والشاعر والمسرحي الألماني غيرهارد هاوبتمان (1912) المتهم بالدفاع عن النظام النازي، والكاتب الفرنسي كلود سيمون (1985) المعروف بنزعاته القريبة من الفاشية والمعادي المعلن للسامية. ولا بد هنا من طرح السؤال التالي: لو كانت الأكاديمية السويدية أو لجنة جائزة نوبل خاضعة للنفوذ الصهيوني أو اليهودي فكيف تمنح الجائزة لهذا العدد من المعادين للسامية؟ سؤال جدير بالطرح بغض النظر عن الإجابة التي تقدم عليه.

وقد أثيرت قضية المعيار السياسي هذا حين حصل على الجائزة الروائي العربي الكبير نجيب محفوظ، الذي شكك كثيرون في الدوافع الحقيقية لفوزه بالجائزة، ووجد هناك من ربط بين تأييد نجيب محفوظ لاتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل في العام 1979 وبين منحه الجائزة، ولكن أغلبية الأصوات التي يعتد بأهميتها أعربت عن يقينها بأن محفوظ يستحق الجائزة عن جدارة واستحقاق لا تشوبهما شائبة.

   أود أن أذكر أيضا أن نوبل، مثلها في ذلك مثل أي جائزة أخرى كثيرا ما تعرضت لانتقادات من جهات عدة، وقد كان أبرز المنتقدين في أيام الحرب الباردة الاتحاد السوفياتي والحركة الشيوعية واليسارية في العالم أجمع، وكان الانتقاد ينطلق من أن اللجنة كثيرا ما تخضع لنفوذ الأوساط المعادية للشيوعية وتختار للجائزة أعمالا أدبية تتميز بانتقادها للثورة البلشفية التي فتحت أبواب التاريخ على مصراعيه أمام أول تجربة لحكم الطبقة العاملة ومعها طيف من مضطهدي التاريخ، كما حدث مع رواية الدكتور زيفاغو التي حصل عنها الروائي والشاعر الروسي بوريس باسترناك على الجائزة في العام 1958، على الرغم من أن إنجاز باسترناك الرئيسي هو الشعر، فقد كان باسترناك شاعرا قبل أن يكون روائيا، وهو الذي قدم شكسبير إلى قراء الروسية. وكانت النتيجة أن منع باسترناك من التوجه إلى العاصمة السويدية لتسلم الجائزة وشنت الأوساط السوفياتية هجمات لا هوادة فيها على الجائزة ولجنتها على الرغم من أن تلك الفترة كانت فترة انفراج أعقب الانتقاد الذي وجه للستالينية في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي الذي عقد في العام 1956، وهو الانفراج  الذي عرف باسم ذوبان الجليد نسبة إلى رواية بالاسم نفسه للكاتب السوفياتي إيليا إهرنبرغ.

   ومن الطريف أن نذكر أنه في تلك الفترة تحديدا نشرت رواية "يوم في حياة إيفان دنيزوفتيش" التي تتحدث عن حياة المعتقلين في معسكرات الاعتقال الرهيبة في سبيريا. أما مؤلف الرواية فقد ذاع صيته في ما بعد باعتباره كاتبا منشقا، ومنح هو الأخر جائزة نوبل في العام 1970، هو الكسندر سولجنتسين، وذلك في حقبة انتشر فيها هذا التعبير وأصبح ملازما لعدد من الشعراء والكتاب الذين اتخذوا موقفا معاديا من النظام السوفياتي وربما كان أبرز هؤلاء إلى جانب سولجنتسين الشاعر جوزيف برودسكي الذي حصل على الجائزة في العام 1987، وكان قد غادر الاتحاد السوفياتي في مطلع السبعينات. وربما كان مناسبا هنا أن نذكر أن أصواتا ارتفعت محتجة أخيرا في الغرب تشكك في جدارة برودسكي في نيل الجائزة بعد أن أصبح الشاعر أميركي الجنسية.

المشكلة هنا أننا نتحدث عن نصف الحقيقة، وهي حصول كتاب أو شعراء على الجائزة على أسس ليست أدبية بل سياسية. أما النصف الثاني من الحقيقة فهو أن هناك أعدادا كبيرة من الكتاب التقدميين واليساريين بل والشيوعيين حتى بالمعنى التنظيمي للكلمة حصلوا هم أيضا على جائزة نوبل للآداب، فقد حصل عليها رومان رولان الكاتب الفرنسي التقدمي في العام 1915 أي قبل قيام الثورة البلشفية، وحصل عليها الكاتب الفرنسي اليساري أناتول فرانس القريب من الحزب الشيوعي الفرنسي في العام 1921 أي بعد الثورة، كما منحت لكتاب تقدميين من  أمثال جورج برنارد شو (1925) وثوماس مان (1929)، وهي إن كانت منحت للكاتب الروسي المهاجر إيفان بونين وكذلك لباسترناك على سبيل الإحراج فإنها منحت في العام 1965 للسوفياتي ميخائيل شولوخوف الذي كان أبرز أعلام الأدب والرواية السوفياتية في صورتها الرسمية.

كما حصل عليها من الكتاب التقدميين الإسباني خوان رامون خمينث (1956) والفرنسيان ألبير كامو (1957) وجان بول سارتر (1964) وهو الوحيد الذي رفضها طواعية، وحصل عليها التشيلي بابلو نيرودا (1971) والألماني هاينريش بول (972) والكولومبي غاربرييل غارسيا ماركيز (1982). وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي حصلت عليها نادين غورديمر القريبة من حزب المؤتمر الوطني الإفريقي المتحالف مع الحزب الشيوعي الجنوب إفريقي. وفي العام 1998 حصل على الجائزة خوسيه ساراماغو الذي يحمل بطاقة الحزب الشيوعي البرتغالي منذ العام 1958.

   لكنني أود أن أذكر أن العرب ليسوا الوحيدين الذين انتقدوا لجنة جائزة نوبل، ففي العام 1980 انتبهت الصحافة الأدبية البريطانية إلى أن أي كاتب بريطاني لم يحصل على الجائزة منذ جون غالزوورذي (1932)، فإن تي إس إليوت كان أميركي المولد، وكل من برتراند راسل (1950) وونستون تشيرتشل (1953) لم يكونا أديبين بل كان الأول فيلسوفا والثاني سياسيا، فشنت الصحافة البريطانية حملة شعواء على لجنة الجائزة واتهمتها بأنها تضم أعضاء كبارا في السن غير قادرين على متابعة ما يجري في العالم من مستجدات على الساحة الأدبية، كما اتهمتهم بأنهم لا يعرفون من اللغات ربما غير الإنجليزية وهو غير كاف في نظرهم، فضلا عن أن من الصعب تقدير القيمة الأدبية لعمل ما من خلال لغة أخرى غير لغة العمل الأصلي.

وقد ردت الأكاديمية يومها بنشر الطريقة التي يتم من خلالها اختيار الفائزين بالجائزة وهي طريقة معقدة حقا. ومن الطريف أن نذكر أن الجائزة منحت في العام 1983 أي بعد تلك الحملة بثلاثة أعوام للروائي البريطاني وليام غولدنغ .

التعليق