ألمانيا تستكشف سحر لغات الصحراء

تم نشره في السبت 8 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 08:00 صباحاً
  • ألمانيا تستكشف سحر لغات الصحراء

 بون-المانيا  ترتبط دول الخليج في أذهان الكثيرين بالبترول والثروات الطبيعية، بينما يعتبر وجود فنانين تشكيليين بها أمراً مجهولاً، لذلك يقدم معرض "لغات الصحراء" في بون هذا الفن الخليجي الحديث للعالم الغربي ليكتشفه

تعتبر دول الخليج بالنسبة للكثيرين مجرد دول غنية تقتصر على وجود البترول والثروات الطبيعية، ويقتصر الفن بها على التراث الشعبي. لكن كون هذه المنطقة غنية بالفنانين التشكيليين يعد أمراً غريباً بالنسبة للعالم الغربي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالفن الحديث. لذاك سعى مدير متحف الفن الحديث بمدينة بون البروفسور د. ديتر رونته إلى نقل هذه الصورة الفنية الخليجية للعالم الغربي. فقام بالتعاون مع الخبيرة بالفن الحديث والعالم الإسلامي كارين أدريان فون روك ومع معهد العالم العربي بباريس بإعداد معرض للفن الخليجي في أوروبا. ومن المتوقع أن ينتقل هذا المعرض في عدة دول أوروبية، متيحاً الفرصة للأوروبيين لاكتشاف هذا العالم الفني المجهول. وقد افتتح المعرض في مدينة بون الألمانية. "لغات الصحراء" كان الاسم الذي اختاره منظمو هذا المعرض الذي ينقلك إلى عالم الصحراء بأعمال أبدعها أبناؤها.

الفن العربي يجذب الجمهور الألماني

 شهد افتتاح المعرض حضوراً كبيراً، إذ اجتمع عدد كبير من هواة الفن المتشوقين للتعرف على الفن العربي، خاصة الخليجي. وفاجأهم ما شاهدوه: من ناحية لأنهم لم يتوقعوا التنوع والتعددية التي وجدوها في الأعمال الفنية وفي الوسائل الحديثة التي استخدمت، ومن ناحية أخرى لأنهم وجدوا أنه بالرغم من أن أدوات الفنان لا تتغير كثيراً، إلا أن هناك نوعا من التميز والاختلاف الواضح في هذا الفن العربي الأصيل.  وعبر أحد الفنانين الألمان عن انبهاره بقوله: "إنني فوجئت بهذا الفن، وأنوي المجيء مرة أخرى في وجود عدد أقل من المتفرجين حتى يمكنني التمعن في الأعمال بشكل أكبر." وأضافت سيدة: "إننا أنفسنا فنانون ولذلك فلدينا تخيل ما عن الفنون الغريبة، ولكن الأمر مختلف تماماً عما توقعناه، وهذا فأجأني، بشكل إيجابي بالطبع"

الخط العربي أكثر من مجرد حروف

ويعد الخط العربي هو أكثر ما يميز هذا الفن، كما يؤكد الفنان السوري خالد الساعي الذي يعيش في الإمارات ويعتبر أحد ممثليها في المعرض. وقد شارك بعملين، كتب فيهما اثنين من أشعار جوته المترجمة وحاول عبر الحروف والألوان نقل المعنى الشعري بشكل بصري. أما عمله الذي جذب الجمهور بشكل متميز، فهو العمل الإبداعي الحائطي الكبير "نزهة في الصحراء"، إذ شعر المتفرجون بدفء الصحراء من خلال تشكيلات العمل الفني وألوانه التي توحي بسقوط الشمس على الرمال. ودفع العمل الزائرين للوقوف طويلاً أمامه دون أن يفهموا المعاني، تملأهم متعة غير مفسرة. وهو ما يسعد خالد الساعي، الذي يجد في توظيف الحرف العربي خارج إطار المعنى إحياءا لهذه الحروف وتحويلها إلى لغة فنية يفهمها الجميع. ولم يكن خالد الوحيد الذي عشق الحروف العربية، بل شاركه الفنان القطري علي حسن هذا العشق. بل وغلبه إذ خصص لوحاته منذ ستة عشر عاماً لحرف النون فقط: "أريد أن أقول أن الحرف العربي غني، ويمكن للفنان أن يكتفي طوال حياته بالعمل على حرف واحد".  وهو ما تعجب منه كثير من زائري المعرض، الذين وجدوا بالفعل الحرف أداة يمكن أن يعبر بها الفنان عن أي شيء.

أعمال من قلب الصحراء

وبالإضافة للحروف، كانت الصحراء حاضرة في المعرض، حاضرة في اللوحات الفنية المرسومة وحاضرة أيضاً في الأعمال التي اعتمدت فقط على الأدوات النابعة من الطبيعة الصحراوية. واختارت الفنانة الإماراتية كريمة الشمالي تقديم عمل بسيط يترك الخيال يذهب بعيداً ليصل إلى عالم الصحراء، فقد احتوت لوحتها على الأجزاء العلوية من رؤوس الإنسان، تاركة للمتفرج أن يطلق عنان خياله ليتقمص شخصية ما من الشخصيات العربية. ويشاركها الفنان الإماراتي محمد يوسف الرأي في أن أدوات الفنان يجب أن تصدر جميعها من الطبيعة. ويرى أن هذا هو واجب الفنان الأصيل، حتى وإن كان يتبع مدرسة الفن الحديث.

وهو ما يمكن لمسه عند رؤية عمله الفني والذي يستلهمه من البحر والصحراء ومن سور القرآن الكريم. فعمله ينبع من رحلات الصيف والشتاء ويقول محمد يوسف: "البر والبحر بداخلي، منذ أن كنت طفلاً صغيراً". ويرى الفنان القطري يوسف أحمد أن هذه الطبيعة الساكنة هي ما يبحث عنه الغرب. فالحياة السريعة والمغلقة التي يعيشها سكان المدن، تجعلهم في حاجة إلى هدوء الصحراء. "بالصحراء تجريد جميل، كما أن بها جمال لا تراه إلا عين الفنان، فألوان الصحراء تتغير آلاف المرات خلال اليوم الواحد بسقوط الشمس عليها."

وجود نسائي قوي في المعرض

وفي الوقت الذي اختار فيه البعض الأدوات النابعة من الطبيعة للتعبير عن أنفسهم، اختار البعض الآخر الوسائل الحديثة. وتميزت الفنانة القطرية في هذا الأمر، إذ اختارت أن تعبر عن نفسها بطريقة جديدة. فاختارت "مسرحة لوحاتها" وهو ما يعنى أن تحول لوحاتها إلى عرض مسرحي، فيحرك أشخاص اللوحات بطريقة معينة،  بمصاحبة الموسيقى والشعر الذي تلقيه الفنانة بصوتها. فهذا وحده كان السبيل للتعبير عن المشاعر المتفجرة بداخلها. هذه الفكرة سبقتها إليها فنانة أمريكية منذ بضعة أعوام، لكنها كانت غريبة على فنانة عربية، فحتى تسجيل صوتها كان أمراً غير معتاد بالنسبة لفاطمة. وتعتبر المشاركة النسائية قوية في هذا المعرض، وقد لفت وجود الفنانة السعودية شادية عامر أنظار الجميع. خاصة وقد اختارت أيضاً أن تقدم عملاً غير تقليدي.  عملها ينبع من فكرة الأقدار والمكتوب، وهل يغيره الإنسان أثناء حياته. واختارت شادية أن تقدم هذه الفكرة عبر صور "نيجاتيف" تعبر عن مراحل من حياتها، وكونت منها  الفنانة وسادة كبيرة مع إضاءة خاصة. كما دعت الجماهير للمشاركة معها بإحضار لقطات من حياتهم ووضعها في اللوحة. وأحب المشاهدون عملها، كما وجدوا في فكرته دعوة للتفكير والمشاركة. أما شادية فهي سعيدة بالفن الذي اختارها، فالفنان لا يمكن إلا أن يكون فناناً. وهي ترى في ظروف حياتها في السعودية ظروف مثالية للفنانة التي تحتاج لأوقات من الانعزال والإبداع. أما حريتها الحقيقية فهي تجدها في الفن، وتقول عن الفنانة بداخلها: "حرة وألعب، وحريتي تنبع من كوني لا أخشى شيئاً، ولا أخشى تجربة أي شيء في أعمالي."

الفن لغة عالمية

وبدت آثار الثقافة الإسلامية واضحة على الأعمال الفنية، حيث خلا المعرض تماماً من رسم الإنسان أو الحيوان. ولجأ بعض الفنانين إلى التصوير ليعبروا عما يجول في خواطرهم. من بين هؤلاء طارق الغصين، وهو فلسطيني ولد في الكويت ودرس في الإمارات ولم يعش أبداً في فلسطين. لكن الحنين إلى الوطن ظهر في أعماله الفوتوغرافية الرمزية، حيث انتقد بصوره الإعلام الغربي الذي يصور كل فلسطيني باعتباره إرهابي. واستطاع من خلال تصويره لنفسه من الخلف واقفاً أمام البحر ينظر لبلده دون أن يتمكن من عمل أي شيء للوصول إليها، أن يوصل رسالته للكثير من المشاهدين الذين أكدوا إيمانهم بأن الفن هو اللغة الوحيدة التي يمكن أن يفهمها الجميع. وهو ما تؤكده إحدى زائرات المعرض وهي تتأمله صورته إذ تقول: "أعتقد أن الفن هو أول الطريق للتقارب والتعرف والاتصال"ويؤكد الفنانون المشاركون، وعددهم 21 فنان وفنانة بأهمية هذا المعرض في مشوارهم الفني. كما يجدون له دوراً كبيراً في توصيل الفن العربي بتميزه. أما الرسالة الأهم فهي رسالة السلام التي يعمل الفن دائماً على إيصالها ويقول محمد يوسف: "يجب أن نغير رأي الغرب عنا، لسنا مجرد بترول وأربعة نساء، فنحن بشر نشعر، ولدينا نحن أيضاً فن."


 

التعليق