فيلم "مجزرة"..حكايات مرعبة "أصعب من القتل" !

تم نشره في الجمعة 23 أيلول / سبتمبر 2005. 09:00 صباحاً

مرتكبو جريمة "صبرا وشاتيلا" يتحدثون

  يوسف الشايب

رام الله - ليس عادياً .. صادم .. قاتل .. مرعب .. خرافي .. هكذا، وبأكثر من ذلك يمكن وصف فيلم "مجزرة" لمونيكا بورجمان، ولقمان سليم، وهيرمان ثييسن، والذي يعرض ضمن فعاليات مهرجان "شاشات" لسينما المرأة في فلسطين، الذي انطلقت فعالياته مساء امس، ويستمر حتى 29 من أيلول الجاري.

الفيلم "المذهل" يتحدث عن مجزرة صبرا وشاتيلا، من خلال منفذيها، الذين اشترطوا ألا تظهر ملامحهم، والذين اختلفت واختلطت مشاعرهم وطرق تعبيرهم، وهم يتحدثون عن تفاصيل ما حدث، حتى أن أحدهم قال بأن "الحديث عما حصل قد يكون أصعب من القتل، فالمعركة العسكرية انتهت، لكن معركتي مع نفسي لم تنته .. لم يحاكمني أحد على ما فعلت، واليوم، وأنا أتحدث في هذا الفيلم أشعر أن الحكم يصدر وينفذ".

يبدأ الفيلم مع شخص يضع سيجارة في يده اليسرى، ويرسم بيمناه دائرة يصور بها(الجورة) التي القيت بها جثث الضحايا، ويحيطها بنقاط تبدو أصفاراً، هم الفلسطينيون، ويقول" كانوا يجبرون على الوقف حول (الجورة)، وكنا 6 أو 7 نطلق عليهم النار تباعاً، ونجبر كل واحد منهم على إلقاء جثة من بجانبه في (الجورة)، وهكذا ..". ويبدأ برسم خرائط لا يعرفها إلا هو وقلة من أصدقائه، ربما، ثم يروي الحكاية متحدثاً عن "مارون"، الذي يتضح لاحقاً أنه مارون مشعلاني، وعن يوم الخميس 16 أيلول، يوم وقوع المجزرة، وعن الشعار "كبير صغير .. مقمط بالسرير .. ما في يمة ارحميني"، وعن 25 مسلحاً يملكون (كلاشينات)وقنابل، وبعضهم يملك (ام 16)، وبحوزتهم (ام 7)، لم يضطروا إلى استخدامها.

ويقول آخر" كنا على قناعة بأن هذا الصغير إن لم نقلته اليوم، سيقتلنا عندما يكبر، وهذه الفتاة لو تزوجت ستنجب أطفالاً قد يقتلونا، وهكذا" في حين يردد آخر" كنا سعداء بالحرب .. كنا نقلد أفلام (الويسترن) .. كانت أياماً حلوة وخطرة .. جميل أن تحارب الفلسطينيين، فهم بارعون في حرب الشوارع، ولا ينجو من الحرب معهم إلا اللي ع قد حاله .. كان الجو العام يشعرنا بالنشوة، ويعطينا ثقة أكبر بأنفسنا، حتى أن بعضنا لم يعد قادرا على النوم دون سماع إطلاق النار".

وتحدث القتلة عن دور الرئيس اللبناني السابق، بشير الجميل، في تشكيل فرقتهم التي عرفت بفرقة "الصدمة"، والتي كان يريدها حرساً شخصياً له، ولتنفيذ عدد من الاغتيالات السياسية خارج لبنان، مؤكدين أنهم تلقوا تدريبات قاسية في إسرائيل، وبالتحديد في حيفا، وإيلات، حيث نقلتهم البوارج الإسرائيلية إلى هناك، كما تحدثوا عن تدريبات "حرب البقاء" في الأحراش الإسرائيلية، وقسوتها، فكانوا يجبرون على المكوث لأكثر من يومين في برميل ممتلئ حتى النصف بالماء، في حين كانوا يلقون جميع أصناف التعذيب، الذي من الممكن أن "يتعرضوا له على يد القوات، والأجهزة الأخرى".

وتحدث أحدهم عن "تيخا"، المجندة الإسرائيلية التي خاضت معهم تدريباً عارياً في إيلات، وعن استجمامهم في شاطئ العراة هناك، وتحدث آخر عن تعرضهم لأفلام عن المحرقة اليهودية في ألمانيا، كما زاروا المتحف الإسرائيلي، والكنيست، وذلك لكسب تعاطفهم مع المعاناة اليهودية، وقد نجحوا إلى حد ما في ذلك.

وأشار أحدهم إلى أن أوامر صدرت لهم، وفور اجتياح إسرائيل لجنوب لبنان، بأنه جيش حليف، وجاء ليحقق الحلم في القضاء على الفلسطينيين جميعاً.

وروى القتلة حالة الفوضى والهيجان التي أصابتهم عند اغتيال الجميل، حتى ان البعض يتحدث عن أن الحزن يرافقه إلى هذه الأيام بسبب مقتل هذا الرجل، ويقول "لم تعد الروح تدب فينا بعد مقتله .. كان كل واحد منا قنبلة موقوتة"، فانطلقوا إلى صبرا وشاتيلا على اعتبار أنهم ذاهبين للأخذ بالثأر من مقتل الجميل.

اجتمع بهم مارون وأخبرهم أنهم ذاهبون للثأر للجميل، وأن عليهم أن يعدوا أنفسهم لذلك، وكان يرافقه مسؤول في جهاز الأمن اللبناني يدعى جورج ملكو، وجوده كان يوحي للقتلة بأن شيئاً ما "مش نظيف، وشيء فوق الطبيعة" سيحدث.

روايات

وروى بعضهم حكايات عن المجزرة نفسها، منها كيف انهم لم يكترثوا لعويل النساء الفلسطينيات، عند خروجهن من منازلهن، فيردوهن قتيلات، ومن ثم بقية أفراد العائلة .. يقول أحدهم" كان لدينا أوامر بقتل كل شخص نراه، مهما كان عمره وشكله .. كنا نريد إيصال رسالة، لا نعرف إلى من، بأننا غاضبون".

وتحدث أحدهم، ويهو يقلب كاسا بين يديه عن مشهد لا ينساه، يتلخص في اكتشافه لأسرة قتلت، في وضعية كان الأب والأم والأطفال الأربعة يحتضنون بعضهم البعض، في حين أكد ثان أنه فقد الوعي، حين رأى صديقه، ويعمل جزاراً، يقتل الفلسطينيين بساطوره، ويقطع أوصالهم .. "كان يتعامل معهم كخراف أو عجول" .. كان وحده من يقتل بهذه الطريقة، في حين كان 4 يقتلون بالرصاص، والآخرون يلقون الجثث في (الجورة).

وأشار آخر إلى أن مشاهداتهم لا يمكن أن تصفها الكلمات، فهناك" أثداء نساء مقطعة على الأرض، وأمخاخ خارج رؤوسها، ويدين قرب قدمين مختلفتين"، إلا أنه يؤكد أن "صعوبة القتل تنتهي عند حاجز القتيل الأول، ويبدو الأمر عادياً بعدها".

وتحدثوا أيضاً عن سرقة الفلسطينيين قبل قتلهم، وعن اقتحام الدكاكين، والسطو على كل ما فيها من أطعمة ومشروبات .. كما لم ينس هؤلاء حوادث الاغتصاب، وتلك الفتاة الفلسطينية الشقراء التي اغتصبها صديقه، وقتلها، وتلك التي توقعت أن عدم المقاومة أثناء الاغتصاب سينجيها من الموت، لكن مغتصبها قتلها على الفور، بعد أن أفرغ شهوته فيها.. يقول أحدهم" كنا نعلق إنسانيتنا، ومشاعرنا، وعقولنا على فوهة بنادقنا .. نحن لم نخلق سفاحين، ولا نعشق القتل، لكنها الحرب".

إسرائيل متورطة

وتحدث أحدهم، في الفيلم الذي يستمر قرابة 100 دقيقة، عن أنه تم تجهيزهم بآليات إسرائيلية، وبأن المطار الذي كانت تسيطر عليه قوات إسرائيلية كان محطة استراحة وانطلاق لهم، وأن جرافات إسرائيلية رافقتهم في هدم منازل صبرا وشاتيلا، دون الاكتراث إن كان أصحابها داخلها أم لا، وإن كانوا أحياء أم أموات.

في حين تحدث آخر عن الضابط الإسرائيلي "شلومو"، الذي طلب مرافقتهم إلى صبرا وشاتيلا، وعن موافقتهم على ذلك للانتقام لقائدهم بشير الجميل، رغم معارضة البعض.

في حين اكد ثالث أن الإسرائيليين كانوا يطوقون المنطقة، وأنهم الوحيدون الذي تمكنوا من دخولها، مشيرا إلى أنهم انتظروا لبعض الوقت قبل اقتحام المخيم، لحين انتهى اجتماع إيلي حبيقة بقادة من الجيش الإسرائيلي، بينما نقل رابع عن حبيقة قوله "لا نريد أن نرى أحداً منهم بعد اليوم .. أريد أن أحول صبرا وشاتيلا إلى حديقة عامة".

التعليق