الزواج السياحي يغزو المدن اليمنية

تم نشره في الاثنين 5 أيلول / سبتمبر 2005. 09:00 صباحاً

 عمان-الغد-  يمثل الزواج مطلباً أساسياً يلبي حاجات الإنسان ويشبع غرائزه، أقرته الأديان السماوية والتشريعات القانونية في المجتمعات المعاصرة. إلا أننا نجد أن الزواج الذي يعتبر أقدس وأعلى العلاقات الإنسانية التي نظمها الله سبحانه وتعالى أصبح كالموضات والصرعات هذه الأيام، فبعد زواج المتعة جاء الزواج العرفي، ثم زواج المسيار، فزواج الفريند، بعدها جاءت موضة الزواج السريع، ليأتي بعد ذلك زواج السفري، وأخيراً زواج الصيف أو المصيف المسمى بالزواج السياحي الذي يتفاوت عمره الزمني بدءاً من أسبوعين إلى الشهر والشهرين.

وإذا تأخر هذا الزواج قد يصل إلى السنة والذي لاقى رواجاً كبيراً في الأوساط الخليجية، فما إن يدخل فصل الصيف حتى يبدأ الكثير من مواطني دول الخليج العربي بزيارات كثيرة إلى اليمن تحت أسباب عدة نعرفها، ولكن الأغلب من أفراد المجتمع اليمني لا يعرف السبب الرئيسي لمثل هذه الزيارات، والذي قد يعزى إليه انتشار ظاهرة الزواج السياحي كظاهرة غريبة وخطرة على المجتمع اليمني، ورغم أن معظم حالات هذا النوع من الزواج تتم بشكل علني بالنسبة لأقارب وجيران الزوجات، إلا أن البعض من المتزوجين يفضلون إبقاءها سرية ليتمكنوا من تكرار الزواج مرات عديدة بسبب الفقر الذي أصبح يطحن الأسر اليمنية الفقيرة هذه الأيام بسبب السياسات الاقتصادية التي تنفذها الحكومة بدءا من العام 1995 ضمن برنامج الإصلاحات الاقتصادية وفق توصيات البنك وصندوق النقد الدوليين المسمى شعبيا برنامج الإفقار الشامل.

   وكشف استطلاع أجري مؤخرا حول ظاهرة الزواج السياحي باليمن عن أكثر من عشرة أسباب لقبول الفتيات هذا النوع من الزواج معظمها يرجع للظروف الاقتصادية القاسية التي تحيط بالمجتمع اليمني حيث ان احصاءات البنك الدولي تشير الي ان أكثر من 42 في المئة من سكان اليمن البالغ عددهم نحو 20 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر كما تقدر نسبة الامية بحوالي 50 في المئة والبطالة بنحو 20 في المئة. ويقول حميد عبد الناصر (56 عاما) الذي انفصلت ابنته عن زوجها العربي مؤخرا انه سارع لزواج ابنته بسبب سوء الحالة المعيشية له وأسرته. وأضاف كنت سعيدا بزواجها.. فقد أزاحت عني هما طالما أرهقني وأثقل كاهلي لسنوات طويلة لكن الامور عادت لتسوء بعيدا عما كنت أحلم به من هذا الزواج.

   جدير بالذكر أن ظاهرة الزواج السياحي في اليمن قد جلبت انتباه الكثير من المؤسسات الأكاديمية التي نظمت ندوات لنقاش هذه الظاهرة. فعلى سبيل المثال قال الدكتور أحمد شجاع الدين رئيس جامعة إب :" إن الزواج السياحي بات ظاهرة مستفحلة في العديد من محافظات الجمهورية، حيث باتت العديد من الأسر تعاني من التبعات السلبية الخطيرة لهذا الزواج القائم على إغراء المال وإغفال المقومات الإنسانية للزواج وتحويله إلى إجازة سياحية، تنتهي برحيل السائح بعد قضاء إجازته مخلفا وراءه زوجة صغيرة السن يتقاذفها المصير المجهول، مشيرا إلى اكتشاف أكثر من أربعين حالة زواج سياحي مؤخرا بمحافظة إب فقط، الضحايا فيها فتيات تتراوح أعمارهن ما بين 15 - 24 عاما".

وحذر الدكتور، وكما ذكرت وكالة رويترز للأنباء، المواطنين بالمحافظة لا سيما الآباء منهم من مغبة هذا الزواج الذي يتمثل في تزويج الفتيات صغيرات السن من يمنيين مغتربين في دول الجوار ومن مواطنين من تلك الدول لمدد قصيرة قد لا تتعدى الشهر الواحد بسبب إغراء المال.

هذا وأوضح بحث أجرته الجامعة أن أن نسبة أكبر من العائلات التي ترتضي الزواج السياحي لبناتها هي عائلات متوسطة الحال بنسبة 57.5%، تلتها بفارق كبير العائلات الفقيرة التي شكلت نسبة 30% فقط من عدد العينة المدروسة، وشكلت العائلات الغنية مستوى أدنى بقليل من نصف العائلات الفقيرة بنسبة 12.5% من إجمالي عينة البحث.

ومن خلال المعطيات الإحصائية تبين أن غالبية فتيات الزواج الصيفي من ذوات التعليم الثانوي بنسبة 30%، تلتها ذوات الشهادة الابتدائية بنسبة 22.5% وحلت ثالثاً الفتيات من ذوات الشهادة الإعدادية بنسبة 17.5%، تلتها الجامعيات بنسبة 12.5%، ثم من يجدن القراءة بنسبة 7.5%، فيما تساوت نسبة الفتيات اللواتي يحملن شهادات الدبلوم مع مثيلاتهن الأميات بنسبة 5%.

   وإزاء انتشار هذه الظاهرة ، التي ظهرت في اليمن أول مرة قبل نحو عامين في بعض البلدات الرئيسية أهمها محافظة إب الجبلية الوسطى التي تركزت بها حالات كثيرة لجمال فتياتها، بدأت الحكومة مراقبة تداعياتها حسبما قال مدير مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية، وتعمل وزارة الداخلية على إيجاد اللوائح لمثل هذا الزواج حتى يأمن الأب على مستقبل البنت، التشديد على أن تكون الوزارة على علم بهذا الزواج، وكذلك سفارة بلاد الراغب في الزواج بما يضمن الحقوق الزوجية والاجتماعية للطرفين.

   إلى ذلك بدأ البرلمان اليمني مناقشة القضية مؤخرا، حيث تم تكليف لجنة تقنين أحكام الشريعة الإسلامية للتقصي حولها ورفع تقرير بما تتوصل اليه اللجنة الى المجلس. وعلى الرغم من أن رئيس كتلة المؤتمر الحاكم النائب سلطان البركاني اعتبر أن ظاهرة الزواج السياحي ليست موجودة في الواقع، مضيفا أن اللجنة القضائية لم تتلق أية شكوى ولم تضبط أية واقعة، وأن ما يثار حول الموضوع يقصد به الإساءة والتشهير بالبلاد، فإن زميلا له في الكتلة البرلمانية لحزب المؤتمر اعتبر مناقشة مثل هذه القضايا ليست عيبا، إنما العيب هو غض الطرف عن قضايا موجودة في مجتمعنا، على حد قوله. 

هذا ويطالب الكثير من الناشطين اليمنيين إلى وضع نص قانوني يعاقب من يقوم بتسهيل هذا الزواج" ، واكدوا على ضرورة اضطلاع مختلف الجهات المسؤولة في اليمن ومعها مؤسسات المجتمع المدني بتوعية المجتمع بالآثار الاجتماعية السيئة المترتبة على الظاهرة .

التعليق