مكاوي: ثمة مرحلة لا يستطيع فيها الشعر ان يقف امام فوهة البندقية

تم نشره في الثلاثاء 23 آب / أغسطس 2005. 09:00 صباحاً
  • مكاوي: ثمة مرحلة لا يستطيع فيها الشعر ان يقف امام فوهة البندقية

شاعر اردني يخرج مؤقتا من عوالم القصيدة الى الارشفة

 

حاوره : زياد العناني

   بعد مجموعاته الشعرية: "لم يكن كافيا" و"الرحيل داخلا" و"اوشوش هذا الزقاق" يرى الشاعر طارق ان سوداوية بدأ تداهم الادب وتبعده عن جمهوره، مؤكدا انه يستطيع التواصل عبر تجربة اخرى وهي الاشتباك مع الذاكرة الشفوية خصوصا وانه قد بدأ سلسلة من حلقات تؤرخ للتاريخ المخزن لفلسطين في مدنها وقراها لافتا الى انه يشعر بمسؤولية كبرى تجاه هذه المعاناة الانسانية.

"الغد" التقت الشاعر مكاوي وكان هذا الحوار الذي تطرق فيه الى تجربته الشعرية وخروجه من عالم القصيدة الى الكتابة العامة اضافة الى ما يؤخذ على قصيدته من شبقية وتهومات حسية لافتة.

* بداية دعنا نسأل ما هو جديدك الشعري؟

- الان كتبت مجموعة متفرقة من القصائد، وليس لي رغبة في نشر مجموعة جديدة، ان كنت بذلك تقصد مجموعة شعرية؛ حيث انني بدأت احس بعدم الجدوى في نشر مجاميع اخرى  سيعلوها غبار الارصفة والمكتبات، نعم هناك قصائد اكتبها واحسها اكثر حميمية لي، لكن كما قلت بدأت لا احب ان تكون في مجموعة، لا اعرف.. لانني قد اكون قد اصبحت مهتما بالارشفة للذاكرة الشفهية .هناك حالة اعترتني وجعلتني اكثر اهتماما واكثر تركيزا لهذا العمل الذي لا يتوقف بين يدي لهذا الان، فحينما تفتح امامك خارطة فلسطين سترى ان هناك الكثير من الناس الذين لديهم حكاياتهم وتاريخهم المدفون في دواخلهم وبحاجة لان يحكى به ، ورغم توقف هذه الحلقات من النشر الا انني بدأت اشعر بمسؤوليتي الكبيرة اتجاه ارشفة تاريخ انساني محزن، معاناة الانسان الفلسطيني، هذا هو الجديد اذن الذي ابحث عنه، والرواية التي ابحث عنها لتشغلني بالكتابة والبحث فيها وحولها، ومع ذلك فانا لم اخرج من دائرة الشعر، بمعنى انني توقفت لكنني وجدت نفسي اكثر اندفاعا واندماجا بهذا العمل المتصل مع الروح ومع الانسانية التي بدأ تاريخها الانساني يضيع بفناء شخوصها.

* ما الذي جرك من دائرة الشعر الى دائرة الارشفة الفلسطينية ولماذا لم يعد الشعر عندك هاجسا كما كان؟

- قلت انني لم اخرج من دائرة الشعر، بمعنى انني متوجس للقصيدة، احس بها ناعمة تمر على زجاج قلبي، واحسها تراودني على شباكي، وياسمينة تندى باعطافها علي حين امر بها، اما خروجي الى خارج هذه الدائرة ،او دعني اقول اطلالتي على ارشفة الذاكرة الشفوية،  فقد كنت اتذكر جدي حينما كان يحدثني عن المقاومة في فلسطين وعلى معاناة الشعب الفلسطيني، كان يحدثني عن اشياء تبعث في داخلي الحزن والاسى، حينما يحدثني عن الخروج وانا طفل صغير، تحملني امي وقد قطعت الامل من بقائي حيا، حدثني عن خروجه مع عائلته وهو الرجل الوحيد الذي يعيل عائلة كبيرة والخروج الى الاردن هنا، والعلاقة التي كانت بين الاردن وفلسطين، بعد ذلك مات جدي وبقيت هذه الصور في داخلي الاكثر وهجا وسطوعا،وبدأت اتلفت للرجال الكبار والنساء ماذا تخبئ عيونهم من احداث قد رأوها والى اين سيذهب هذا التاريخ غير المكتوب بعد ذهابهم عن هذه الحياة، تحدثت الى احد الزملاء بهذا الهاجس فأخبرني بانها فكرة رائعة ومميزة ، وكانت هذه العبارات التي القت بي الى هذه الارشفة وهذا القصي غير المنتهي، والقصائد الاكثر حزنا.

* لماذا اخذت دور المؤرخ ،الم يكن بالامكان صياغة هذه المعاناة صياغة شعرية؟

- انا لم اقصد ان البس ثوب المؤرخ بهذا العمل، بقدر ما كانت تعنيني التفاصيل الصغيرة.. هناك مرحلة يقف فيها الشعر امام الموت والجوع والتشريد، لا تقف القصيدة امام فوهة البندقية.. انا استمع بتفاصيل باكية لقصص انسانية من اين ستأتي القصيدة؟ بالتأكيد تأتي نتيجة مشاهدات تترك اثرها في خيال الشاعر، انا كنت بلا قصة اعبئ الورق وذاتي بمشاهدات لم اكن لأعرفها دون الولوج الى هذا العمق.. والى هذه التفاصيل التي لم اكن لاعرفها الان استطيع الكلام والتعبير عن هذه المعاناة بلغة شعرية لانني لمست التفاصيل الاكثر ايلاما ،وحينما كانت تخرج الآخ من رجل عجوز او امرأة اظن انها قصيدتي المبتغاة.

* لم لا تعترف بأنك قد ضجرت من عالم القصائد واتجهت الى عالم قد تجد فيه نفسك بطريقة افضل خصوصا وانك ذكرت انك بت تفكر في جدوى الشعر وما آل اليه مؤخرا؟

- لم اضجر من الشعر، فالقصيدة وسادة رأسي التي ارتاح عليها بعد تعب شديد وهي الوتر الحنون الذي تبقى لي.. لم يتبق غير القصيدة لي فهي الصديق المخلص والعقبة الارق قلبا.

انا لا انكر عدم جدوى الشعر الان فالمعرفي لم يترك دورا للمسموع وهناك حالة اخرى من عدم التوازن، ومن عدم التلقي حيث تبدأ بالكتابة للذات، وفي آن اخر تتهم بأنك غير مسموع، واذن لماذا لا احمل قصيدتي على ظهري لنجد لنا مكانا اخر نجد انفسنا به.

والشعر هو عبارة عن عائلة مشاغبة زوجة واطفال يعلنون لك العصيان، فترفع وتيرة الخروج عليهم، لكنه دائما يعود الى البيت يرتب اثاث روحه مرة اخرى

* يأخذ بعض النقاد عليك انك تزج في القصيدة تهويمات حسية لا مبرر لها سوى الخلاص من التضامنات السرية المخجلة؟

- لا ادري لماذا يؤخذ على اي كاتب الاشارة للدين او الجنس، فهما شيء يومي ومتصل بنا ونحن على مساس معه، هناك حالة من القمع الذي يفصم عرى الابداع والكاتب، اعود لي وما يؤخذ علي، هناك حالة انسانية اكون مشحونا بها، ويكون الانسان العادي مشحونا بها، وتكون المرأة مشحونة بها، ولا رغبة لي بشكل خاص ان اغمض عيني عن ذاتي/المرأة والتي هي تشكل ودائما الرجل، احاول كتابة هذه الحالة كما هي دون ان تكون محتشمة او متظاهرة بالاحتشام، انها حالة انكشاف تام واقتراب من نبض الحياة الاولى التي لم تأبه لاحد في عرائها وتلاقحها.

* لماذا تبدو هذه الحقيقة مشوهة في بعض الاحيان ومريضة في جملة احيان اخرى اهو الكبت والحرمان ام انك تقصد الاثارة؟

- الوصول الى كامل المرأة في القصيدة وامتلاكها قد يكون كبتا، من طفولتنا والكبار يواصلون سياسة الكبت والعيب، وانا قد اواصل الخروج من بؤرة الكبت الى الكتابة، انا اؤمن بالمرأة وحاجاتها التي هي عبارة عن هاجس اي رجل او طفل يبتدئ بتفقد حواسه فيجد الانثى امامه ليبدأ بسؤاله غير المنتهي ليرسم ذلك بالشكل الذي يتبناه مستقبلا،اذا التقاطع مع المرأة هو خوف من المجتمع والذات وهو رعب حقيقي يجلس في عمق الانسان العربي.

التعليق