مؤرخ يشدد على أهمية منطقة سيناء في كتاب يعود إلى 90 عاما

تم نشره في السبت 20 آب / أغسطس 2005. 10:00 صباحاً

  القاهرة- في حين تشهد شبه جزيرة سيناء المصرية تفجيرات متعاقبة يأتي كتاب ألفه مؤرخ منذ حوالي 90 عاما ليشدد على أهمية هذه المنطقة التي خضعت مباشرة للسلطة العسكرية المركزية حتى أن دخولها قبل مئة عام كان يحتاج إلى إذن خاص من مدير المخابرات في القاهرة كما حاولت جمعية صهيونية إقامة مستعمرة في شمالها.

    وقال المؤرخ الشامي نعوم شقير في كتابه (تاريخ سيناء القديم والحديث وجغرافيتها) إن سيناء مجهولة عند عامة المصريين ولكنها "حصن طبيعي لمصر" مدللا على ذلك بأن أول ما يجب على طالب السفر إليها الحصول على "إذن الدخول إليها من مدير المخابرات في نظارة (وزارة) الحربية بمصر القاهرة."

    وكان لشقير بحكم عمله بقلم المخابرات البريطانية في مصر دور فاعل في بعض الوقائع والأزمات كما كان في الكثير منها شاهد عيان ولهذا كتب في كثير من المواضع بصيغة المتكلم "دعاني فلان.. حكى لي فلان.. أخبرني.. أثبته في يوميتي."

    وتحت عنوان (الجمعية الصهيونية في رفح) أشار المؤلف إلى أنه "حضر حديثا بعض رجال الجمعية الصهيونية إلى رفح واشتروا من أهلها بعض الأراضي بقصد تأسيس مستعمرة لهم هناك. وكان بعض تلك الأراضي للحكومة وبعضها منازع على ملكيته فلم يثبت لرجال الجمعية من الأرض ما يكفي لإنشاء مستعمرة فوقف عملهم."

    وأشار مدير وحدة البحوث الوثائقية بدار الوثائق المصرية صبري أحمد العدل الذي حقق الكتاب إلى أن "هذه المحاولة الصهيونية حدثت عام 1908 وقد سبقتها محاولات أخرى أهمها مشروع العريش الذي تبناه تيودور هرتزل في عام 1903."

    وجاء هرتزل (1860 - 1904) مؤسس الحركة الصهيونية إلى القاهرة في مطلع القرن الماضي بعد أن أصدر عام 1895 كتابه (الدولة اليهودية) وطالب أغنياء اليهود في مصر بمساعدته في الحصول على موافقة الخديوي عباس حلمي الثاني (1892 - 1914) على منح سيناء وطنا قوميا لليهود.

    وقال شقير في الكتاب الذي كتبه منذ حوالي مئة عام وصدرت طبعته الأولى في مارس آذار 1916 إن المصريين "أصحاب سيناء قلما يزورونها أو يعلمون شيئا من أمرها مع أن الافرنج يدخلونها أفواجا كل سنة قصد الصيد والنزهة وزيارة الدير أو البحث عن المعادن أو التنقيب عن الآثار..."

    ووقعت تفجيرات في عدد من المناطق بسيناء في الشهور الأخيرة ففي أكتوبر تشرين الأول 2004 استهدف تفجير منتجع طابا على حدودها الشرقية مع إسرائيل وأدى إلى مصرع العشرات بينهم سياح إسرائيليون. كما وقعت ثلاثة تفجيرات في يوليو تموز الماضي بمدينة شرم الشيخ السياحية في أقصى الجنوب وأسفرت عن قتل نحو 64 مصريا وأجنبيا.

    وفي شمال سيناء انفجرت الاثنين الماضي عبوة ناسفة حطمت مركبة تابعة للوحدة الكندية العاملة بالقوة متعددة الجنسيات التي تتولى تطبيق البنود الأمنية في معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية الموقعة عام 1979.

    وشهدت منطقة طابا ثلاث أزمات حدودية في نحو مئة عام. فعند تولي الخديوي عباس حلمي الثاني عام 1892 تفجر ما عرف بأزمة فرمان تولي الخديوي. وفي عام 1906 قامت قوة عثمانية باحتلال طابا ووجهت بريطانيا إنذارا إلى الباب العالي وتمت تسوية الأزمة التي كان المؤلف شاهدا عليها باعتباره سكرتير اللجنة التي وقعت اتفاقا أنهى احتلال القوة العثمانية لطابا.

    وتفجرت أزمة ثالثة حول طابا في نهاية الثمانينيات بين مصر وإسرائيل بسبب خلاف حول علامات حدودية وأيدت هيئة التحكيم الدولية وجهة نظر القاهرة باعتبار طابا أرضا مصرية.

    وأعادت دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة نشر الكتاب في سلسلة مركز تاريخ مصر المعاصر. وتقع الطبعة الجديدة في 798 صفحة من القطع الكبير وتضم خرائط وصورا فوتوغرافية لمسؤولين مصريين وأجانب وأماكن ومعالم وعملات أثرية.

    وكان شقير (1864 - 1922) يعتبر منطقة الشام التي تضم سورية وفلسطين والأردن ولبنان كتلة سياسية وجغرافية واحدة يطلق عليها اسم سورية حتى أنه في أكثر من موضع يشير إلى أن شبه جزيرة سيناء "هي تلك البادية الشهيرة التي تصل القطر المصري بقطري سورية والحجاز" كما أن منطقة رفح على الحدود الشمالية الشرقية لمصر هي "الحد بين مصر وسورية".

    وأهدى المؤلف كتابه "إلى محب العرب الكبير ومروج الإصلاح في سيناء والسودان حضرة صاحب المعالي الجنرال الفريق السير ريجنولد ونجت باشا حامل نيشان الحمام الأكبر ونيشان فكتوريا ونيشان القديسين ميخائيل وجورج ونيشان الامتياز إلخ. سردار الجيش المصري وحاكم السودان العام. مع جزيل احترام المؤلف المخلص."

    وأشار إلى أن قناة السويس التي أطلق عليها اسم "ترعة" كانت تحقيقا لحلم قديم مشيرا إلى أن وصل البحرين المتوسط والأحمر كان "أمنية كل ملك عظيم قام على مصر منذ أيام الفراعنة. كان أول من حقق هذه الأمنية رمسيس الثاني (1304 - 1237 قبل الميلاد)."

    وأضاف أن امتياز القناة التي افتتحت في نوفمبر تشرين الثاني 1869 مدته 99 عاما وكان يديرها مجلس عام مؤلف من 32 عضوا من جميع الدول المساهمة ولم يكن "للحكومة المصرية ولا للمصريين سهم واحد منها. وفي الاتفاق الدولي الذي أمضي في 29 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1888 تقرر أن يكون حق المرور بالترعة (القناة) شائعا لجميع الدول فتمر فيها بواخرها المسلحة وغير المسلحة في زمن الحرب أو في زمن السلم."

    وأشار إلى أن الشركة اقترحت على الحكومة المصرية عام 1909 أن تطيل الامتياز 40 سنة مقابل أربعة ملايين جنيه "مع قليل من الأرباح".

وأضاف أن الرد المصري جاء بالرفض "بحجة أنه مجحف بحقوق مصر. قالوا يكفي الذي خسرته تجارة مصر بفتح هذه الترعة وأنه ليس لمصر الآن سهم واحد من أسهمها فلا نطيل أجل خسارتنا بيدنا أربعين سنة أخرى. قالوا ذلك وهم آملون دخول الترعة في حوزة مصر عند انتهاء مدة الامتياز."

    وأعلن الزعيم المصري جمال عبد الناصر عام 1956 تأميم الشركة العالمية لقناة السويس التي أصبحت منذ ذلك الوقت شركة مساهمة مصرية. وترتب على ذلك العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي على مصر.

    ويتناول الكتاب تاريخ سيناء وحدودها وطبيعتها الجغرافية ومدنها ومعالمها الدينية والأثرية وخرافات سكانها وتجارتهم وعاداتهم وحروبهم إضافة إلى خاتمة موجزة عن تاريخ مصر والشام والعراق وشبه الجزيرة العربية.

    ووصف شقير سيناء بأنها "بلاد عربية محضة يعيش فيها الإنسان على الفطرة كأنه معاصر لإبراهيم وموسى وله عقل الشيوخ وقلب الأطفال. بلاد تتجلى فيها الطبيعة بأبهى مظاهرها.وروى بعضا من عادات أهل سيناء في تلك الفترة منها أنه "جرت عادة النساء أن يحرقن صغار العقارب ويصحنها بهاون ويرششن منها على حلمات أثدائهن عند إرضاع أطفالهن تطعيما لهم حتى لا يؤذيهم لسع العقارب."

    وتحت عنوان (ضرب النساء) قال إنه "إذا ضرب رجل زوجته بكفه ولم يسبب الضرب جرحا كانت رضاوتها قرشا واحدا عن كل كف وإذا سبب الضرب جرحا وكان خفيفا كانت رضاوتها نعجة رباعية أو جنيها واحدا."

    وأشار إلى وجود ما وصفه بدوام الفوضى التي لا تساعد على أن "يستتب الأمن في باديتهم... القانون وحده مهما صلح حاله لا يكفي لإصلاح قوم مازالوا على البداوة... إن كل قبيلة من قبائل البادية دولة مستقلة بذاتها وإن قبائل سيناء مرتبطة بعضها ببعض بحلف حفظا للسلام... وإذا رفقت السياسة بسيناء وقدر لها أن تكون همزة وصل لا همزة قطع رأينا فيها سكة حديد تربط القطرين الشقيقين قريبا إن شاء الله."

    وقال أستاذ التاريخ أحمد زكريا الشلق المشرف على مركز تاريخ مصر المعاصر في مقدمة الكتاب إن "اشتغال مؤلفنا في خدمة السلطات البريطانية في مصر طوال ثلاثين سنة جعله يعرض لتاريخ الاحتلال لمصر باعتباره مسألة طبيعية. ولم يفكر شقير في التعليق على سياسة بريطانيا (الاستعمارية) في مصر وعدم وفائها بوعودها بالجلاء." وأضاف أنه أيا كانت مواقف شقير السياسية وعلاقاته "التي غالبا ما كانت تمليها مصالحه الخاصة ووظائفه وانتماؤه لأقلية أرثوذكسية شامية تقيم في مصر فإنه قدم للتاريخ المصري وللمؤرخين كتابا مهما عن تاريخ سيناء يرقى إلى درجة المصادر التاريخية خاصة في الجزء الذي عاصر المؤلف أحداثه ووقائعه. كان شاهد عيان يمتلك حسا تاريخيا مرهفا."

التعليق