صخر وحفنة من تراب: كتاب نقدي يبحث في أزمة الشعر الحديث

تم نشره في السبت 20 آب / أغسطس 2005. 09:00 صباحاً

راجعه- زياد العناني

    يرى د. عيسى بلاطة في كتابه "صخر وحفنة من تراب" الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ان ازمة الشعر العربي الحديث ليست وهمية او مفتعلة بل هي جزء من الازمة العامة التي تجتاح الفكر العربي في هذا الزمن مشيرا الى عدم صحة ان الاجناس الادبية الاخرى كالقصة والرواية والمسرحية لا تواجه ازمة مماثلة فهي ايضا تعاني من الازمة العامة نفسها الا ان ازمتها قد تكون أقل حدة من ازمة الشعر لأن هذه الاجناس العربية الاخرى جديدة نسبيا في الادب العربي لا يعرقل نموها تاريخ طويل وتراث راسخ كتاريخ الشعر العربي وتراثه.

    كما يرى د. بلاطة بأنه من غير المعقول ان يكون الفكر العربي في ازمة ويكون الآدب العربي بجميع اجناسه بخير وعافية والا كان ادبا هامشيا لا يعبر عن المجتمع ولا عن افراده من مبدعين وقراء مؤكدا على الازمة هي ازمة سياسية في اعرض معانيها اي سياسة المجتمع وتوجيهه نحو هدف معين ووفق مبادئ معروفة متفق عليها واساليب مقبولة لافتا الى ان القائمين على امور المجتمع العربي يتخبطون في هذه السياسة وهذا التوجيه لأن الهدف غير واضح امامهم ولا المبادئ التي ينادون بها معروفة ولا أساليبهم في تطبيقها مقبولة.

     ويشير د. بلاطة الى ما حققه الشعر العربي الحديث من ابداع لا سيما في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي معتبرا انه كان من اكثر وجوه الحياة الحديثة اشراقا اذ استطاع ان يرتفع الى مستوى حاجات العصر من توليف بين القديم والجديد واستشراف لآفاق المستقبل تحقيقا للحداثة في الشعر ودعوة لحداثة في سائر وجوه الحياة العربية.

     كما يشير د. بلاطة الى ان قراء الشعر قلة موضحا بأن الازمة ليست ازمة اشكال فنية جديدة, وحسب وانما هي ازمة اعمق من ذلك بكثير تمس جوهر الحياة العربية ذاته لافتا الى ان انصراف الكثير من القراء عن الشعر الحديث ان صح هو انصراف عما لا يجدي فيه ولا يعبر عما يحس به هؤلاء القراء من احاسيس يودون لو يستطيع الشعراء ان يخرجوها الى النور ويطلقوا لها العنان لتكون احد العوامل لحل الأزمة العامة.

    ويتطرق د. بلاطة الى الحداثة مؤكدا على انها ليست مصطلحا فارغا لا في الشعر العربي ولا في الحياة العربية بعامة بل انها حقيقة هذا التغير الذي ترتجيه الامة العربية في جميع اقطارها ولا ينالها منه الا القشور التي يسمح بها من وقت لآخر اذا ابقت على لباب الامور والوضع الراهن لافتا الى ان الحداثة هي هذا التغير الجذري الذي تبتغيه الامة العربية في جميع مناحي حياتها والذي يصل الى بنية المجتمع ومؤسساته وما يسندها من قيم خلقية وتقاليد ومواقف ورؤى مضيفا بأن الحداثة قبل كل شيء هي الحرية بجميع صورها او انها اطلاق للامكانات الحبيسة او المهدورة في هذه الامة وازالة للعوائق التي تحول دون تحقيق الذات العربية سواء كانت هذه العوائق داخلية او خارجية.

     ويصف د. بلاطة الحداثة الشعرية بأنها التعبير عن هذه الحياة الجديدة الطليقة واستشراق آفاقها كما يصفها بأنها الغوص في الواقع العربي للوصول الى معرفة حقيقته بلا مواربة ثم استنهاضه لمعانقة القيم الجديدة او هي اكتشاف نسغ الحياة النابض في تراثه العريق ودفعه الى التآلف مع حاجات الحاضر المتغير والمستقبل المرجو وهي ايضا التخلي عن الاغصان الميتة في شجرة الثقافة العربية والتطلع الى الافنان اليانعة التي ستحمل الثمر والتي تنبت الاصل من الجذع نفسه المتبخر في الأرض العربية.

    وفي ما يحض الاشكال الفنية يرى د. بلاطة ان الاشكال والاساليب تتغير بتغير المضمون ما دام مضمون الحياة في طريقه الى التغير مشيرا الى انه لا بد ان يؤول ذلك الى تغير مضمون الشعر الحديث والى تغير اشكاله الفنية واساليبه معتبرا ان ذلك لن يتحقق الا حين يعي الشاعر الحياة بحدسه الخاص ويحس بتراث ثقافته وحاجات عصره ثم يجمع بين هذه وتلك بما وهب من مقدرة في اللغة وصياغتها وما ثقف من ادب امته وغيرها وعندها يكون الخلق الشعري والحداثة الشعرية ويكون الشعراء العرب قوس قزح من الألوان الشعرية.

التعليق