التصفية.. حرب أرييل شارون ضد الفلسطينيين

تم نشره في السبت 13 آب / أغسطس 2005. 09:00 صباحاً

أبها - لا تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه يقدم وصفاً حقيقياً لما آل إليه المجتمع اليهودي، خاصة في ظل حكومة اليميني أرييل شارون، فكثيرة هي الكتب التي تناولت هذه المسألة بالنقد والتحليل، واستشراف مجموعة من التصورات التي تنذر بتفكك المجتمع الصهيوني، ومن ثم انهيار الدولة الإسرائيلية، ولكن جل هذه الكتب كانت تصدر إما عن كتّاب عرب، مما يعطي انطباعاً - ولو غير حقيقي - بالتحامل على إسرائيل، أو كتّاب غربيين يمكن أن تتصف كتاباتهم بالحياد، ولكن ربما يكون اختلاف العقيدة الدينية عبئاً على صدقية طروحاتهم، ومن ثم فإن أهمية هذا الكتاب تكمن في كون مؤلفه مفكراً يهودياً توراتياً، أي إن طروحاته الفكرية مؤسسة على عقيدة، وهذه العقيدة تعتبر أن إقامة إسرائيل في شكلها الحالي مخالفة لمشيئة الرب الذي لا بد له من الانتقام ممن يخالف إرادته. لذا، فإن اليهود التوراتيين - على قلة عددهم - هم الوحيدون الذين يمكنهم التعجيل بنهاية إسرائيل، من منطلق عقدي.

وتتركز الغاية الرئيسية في هذا الكتاب، الذي لا يقدم نقداً فاجعاً لشارون فحسب، بل يقدم فهماً جاداً لتاريخ الاحتلال الصهيوني لفلسطين، على تقديم وتحليل العوامل الخلفية المتعددة والبحث في كيفية وصول الدولة الإسرائيلية ومجتمعها اليهودي إلى حد الهاوية وسبب ذلك، في الوقت الذي ما زال فيه معظم الإسرائيليين غافلين عن الاتجاه الذي يسير ضمنه مجتمعهم.

وكما يظهر في هذا الكتاب فإن التصفية عملية متعددة المستويات ولا تعتمد بالضرورة على مبدأ الترابط المنطقي الاجتماعي السياسي.

ففي إطار المحاولة الأولى للتصفية يرى المؤلف أن الطموحات الأيديولوجية للصهيونية المحلية هي الحصول على أكبر إقليم يهودي متصل خال من الوجود العربي كشرط ضروري لإنشاء الدولة، وأن فكرة ترحيل السكان هي الفكرة السائدة التي بدأ تطبيقها في حرب 1948 والتي تعتمد سياسة التطهير قاعدة لكل صيغ مبادئ الأمن القومي وللجهاز العسكري الإسرائيلي، وأن هناك تأكيداً دائماً على أهمية المستوطنات باعتبارها جزءاً من جهود إسرائيل ونظامها الدفاعي، ووسيلةً لتأكيد حدودها الجغرافية والاجتماعية والسياسية، وفي هذا السياق يذكر المؤلف أنه من بداية الاحتلال لم تحظ المنظمات السياسية والفدائية الفلسطينية إلا بقليل من النجاح، وأن أعداداً متزايدة من العمال الفلسطينيين بدأت البحث عن عمل داخل إسرائيل، وأن حملة الاستيطان لم تحقق غايتها الأساسية في بناء الوجود اليهودي الكثيف داخل الأراضي المحتلة.

ويؤكد المؤلف أن إسرائيل بعد حرب 1967 تورطت في أزمة وجود مستمرة ومتعمقة، وإن كان سبب هذه الأزمة مجموعة من التناقضات الداخلية والرئيسية التي ترافقت مع الامتصاص التدريجي والمنتقى للأراضي الفلسطينية المحتلة وعمليات التوطين.

وسبّب هذا الامتصاص ازدهاراً اقتصادياً مفاجئاً وزاد الحراك الاجتماعي، وبدأت الاعتبارات الاقتصادية والسياسية والديموغرافية تتناقض، دون أن يكون هناك أي اعتبارات أخلاقية, وشكلت هذه الاعتبارات الثلاثية أزمة خفية، وتركت المجتمع الإسرائيلي غير قادر على اتخاذ القرارات السياسية المهمة والضرورية.

وكانت العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين - كما يقول المؤلف - قائمة على السياسة الإسرائيلية في إشراكهم في الاقتصاد الإسرائيلي واستبعادهم التام عن جميع المجالات الأخرى، وبدأ هذا النظام بالتصدع مع بداية الانتفاضة الأولى في التاسع من ديسمبر 1987 وانهار تماما مع بدء الانتفاضة الثانية, ثم تكيف الاقتصاد السياسي الإسرائيلي مع استقدام العمال الأجانب الذين لا يشكلون تهديداً على الأمن العام، لكنهم أصبحوا يشكلون تهديداً للتركيب الديموغرافي للمجتمع.

ويخلص المؤلف إلى أن المجتمع اليهودي في فلسطين كان مبنياً - مؤسساتياً وإدراكياً وعاطفياً - على "وهم" يهودي حصري، وأن الخطط من أجل الدولة الجديدة كانت حصرية أيضاً، وأنه كان من المفترض أن تكون الدولة اليهودية يهودية خالصة، وأن الوسائل السياسية أو البيروقراطية لم تكن جاهزة للاحتمال الوارد في جميع اقتراحات التقسيم بأن الأقلية العربية الكبيرة سوف تبقى داخل حدود الدولة اليهودية.

التعليق