الطفيلة: عيون مائها بعدد أيام السنة

تم نشره في الجمعة 12 آب / أغسطس 2005. 10:00 صباحاً
  • الطفيلة: عيون مائها بعدد أيام السنة

 فيصل القطامين

  الطفيلة – للغد – الماء سر الحياة ومن أهم اسباب قيام الحضارات وسر استمرارها قال تعالى في محكم آياته" وجعلنا من الماء كل شيء حي" فلا يمكن تخيل الحياة بدون هذا العنصر الهام فأينما تجد حضارة إنسانية تجد مصادر للماء حتى يومنا هذا.

   في الطفيلة تستطيع أن تعد حوالي 365 عين ماء بعدد أيام السنة تتراوح بين العيون الغزيرة الى العيون الصغيرة ويصدق القول إنك تستطيع في الطفيلة أن تشرب كل يوم من نبع ماء جديد وعلى مدار العام.

تحمل العديد من عيون الماء أسماء محلية وحملت البلدات والقرى التي تجري فيها باسمها وقلما تجد قرية أو تجمعا للسكان إلا وارتبط وجوده بنبع ماء، بلدة "عين البيضاء" مثلا نسبة لـ"نبع" الماء الذي يجري فيها وحملت اسمه.

   وتتميز عيون الماء في الطفيلة بارتفاع نسبة الأملاح المعدنية فيها كعين ماء" لحظة" وعين ماء "غرندل" حيث بذلت جهود كثيرة لاستخراج وتعبئة المياه المعدنية منها بدون اي حاجة لمعالجتها، كما استطاع المزارعون في الكثير من المناطق التي تتواجد فيها عيون الماء أن يزرعوا الكثير من الأشجار المختلفة فغدت تلك المناطق جنانا خضراء.

ومن أشهر عيون الماء في الطفيلة "لحظة" و"الجنين" و"عين البيضاء" و"الجهير" و"العنصر" و"ضانا" وغيرها الكثير والحمة "البيضاء" "اللعبان" والحرير المعروفة بعذوبة مائها وغزارتها إضافة الى مياه"زبدا" التي تعتبر المزود الرئيسي للطفيلة بالمياه بغزارة تصل لـ"13" إنشا وتتميز بصفائها وعذوبتها.

   وتنشر هذه العيون في المناطق ذات الكثافات السكانية المرتفعة لارتباط استقرارهم بها، على أن هنالك عيون ماء أقل غزارة لكنها ذات أهمية كبيرة حيث تروي البساتين وبعض التجمعات السكانية الأقل كثافة هذا بالإضافة الى عيون المياه المعدنية الحارة كـ"عفرا" و"البربيطة" التي تصل درجة حرارتها الى 47 مئوية واحتوائها على العناصر المشعة ومادة الكبريت حيث تعتبر مياها صالحة لعلاج الكثير من الأمراض الجلدية وأمراض المفاصل والعضلات.

   ويرى الباحث الجغرافي والتاريخي سليمان القوابعة أن عيون الماء في الطفيلة تنبع من خزانات مائية قديمة أو ما يسمى بمياه" المستحاثات" أو المياه الجيولوجية التي تجمعت في خزانات مائية كبيرة عبر آلاف السنين مؤكدا وبشكل كبير على الارتباط العضوي بين التجمعات السكانية والحضارية، من جهة وبين وجود ينابيع المياه، مضيفا أهمية المنطقة الإستراتيجية التي تشكل الحماية والملجأ الآمن للسكان في تلك المناطق حيث كانت الجبال وسفوحها تشكل معاقل وتحصينات دفاعية هامة تؤمن موئلا يعيش به سكان تلك المناطق دون خوف لسهولة الدفاع عنها ولكونها تشرف على الكثير من الطرق والمسالك التي تسهل مراقبتها والسيطرة عليها.

   ويشير القوابعة الى أن التركيبات الجيولوجية للطفيلة عموما تتميز بكونها من الصخور الكلسية والرملية حيث تعتبر هذه التراكيب من افضل التكوينات القادرة الملائمة لتشكل خزانات مائية هائلة الحجم، كما أنها تتوفر في أسفلها طبقة صخرية صلدة لا ينفذ الماء منها، لذلك تشكل ارضية مناسبة لتكون القاع المتين للخزان المائي الهائل، ويربط ذلك جيولوجيا حيث يشير القوابعة" الى أن هنالك مصدرين للماء أولهما مياه الأمطار السنوية والتي تراجعت كثيرا حيث كانت المنطقة تسجل 500 ملم تناقصت الى اقل من 250 في المعدل والمصدر الثاني هو المياه الجيولوجية التي تعود لعصور جيولوجية قديمة فهي وبعد الزمن الجيولوجي الثالث بدأت بقايا المياه التي تخلفت عن البحر العظيم الذي غطى المنطقة تتسرب بين الطبقات لتستقر اسفل الارض، وزادها العصر المطير في النصف الأول من الزمن الرابع، الذي أغرق المنطقة بكميات هائلة من المياه ليتزامن ذلك مع العصر الجليدي في المناطق القارية التي تعرضت للزحف الجليدي فتجمعت تلك الكميات الهائلة من المياه في الشقوق والفجوات الصخرية الضخمة لتشكل تلك المياه".

   وعملت سنوات القحط المتتالية التي شهدتها المنطقة على جفاف الكثير من تلك العيون بل اختفائها تماما. وتتكاثر مختلف الأصناف من الأشجار حول تلك العيون كشجر الطرفا والدفلى والزقنان والقصب والشريط "بتشديد الراء" وضمها والمليس وهو نبات عطري واللافندر والقطف والعليق.

  وتقوم مياه الينابيع بدور رئيس في ري الكثير منها فقامت عليها بساتين الأشجار المختلفة الأنواع كالحمضيات في المناطق الدافئة في البربيطة وعفرا وقرقور واللوزيات والتفاحيات والرمان والعنب في الجبال  فأحالت المنطقة الى جنة غناء تراها داكنة الخضرة لكثافتها إضافة الى سقاية المواشي الى جانب الدور الهام بوصفها المصدر الرئيس لشرب الإنسان.

   والحضارات التي قامت في منطقة السلع وبصيرا كحضارة "الآدوميين" اعتمدت على مصادر للمياه بعيدة عن مكانها فكانت المياه تسحب الى مناطق تواجدها بواسطة الجر بالأنابيب الفخارية أو من خلال أقنية تحت الأرضية والتي اعتبرت آنذاك من أهم اسرار الدول لأنه بمجرد عثور العدو على تلك القنوات فإنه يلجأ الى خطة معروفة وناجحة وهي قطع المياه عن الحصن أو القلعة ما يعني بالتالي استسلام حاميتها وأهلها لينتهي الأمر بهم الى الهزيمة.

   وتحتاج الكثير من عيون الماء في الطفيلة للصيانة لما تعانيه من مشكلات تتعلق بإعادة ترميم الأقنية وإيجاد أبنية عليها لحفظها من التلوث والضياع بإنسيابها بدون استغلالها عدا عن الهدر الناتج عن التبخر.

التعليق