سيرة نصف قرن من العمل في ربوع المملكة

تم نشره في السبت 6 آب / أغسطس 2005. 09:00 صباحاً
  • سيرة نصف قرن من العمل في ربوع المملكة

نازلي قعوار شيخة المتطوعات في الأردن

 

كوكب حناحنة

  عمان- في بيت يحتضن ارشيف العمل التطوعي في الاردن، عبر صور فوتوغرافية توزعت في ارجاء غرفه وصالوناته، تقطن ام لبيب، الرائدة في مجال العمل التطوعي الخيري في الاردن، تنظر بعين العاشق الى ماض تحن اليه، وعين اخرى متأهبة مترقبة دقات عقارب الساعة علها تحملها سريعا إلى موعد تلتقي فيه عملها الذي ما زال متوزعا بين العديد من المؤسسات الخيرية، ولم تثنها الثمانون عاما عن تأدية الرسالة التي بدأت بوضع خطوط لها في الخمسينيات وانتهجهتها الكثيرات من نساء الاردن.

  نازلي قعوار التي اختارت ان تشق طريق المحتاجين وتؤسس فعل الخير مع اعمدة هذا الوطن، أحبت الناس فأغدقت في العطاء الذي لم ينضب بعد، فجابت على مدار خمسين عاما من البذل حدود البلاد، والشاهد على ذلك زياراتها لكل قرية اردنية مقدمة يد العون والمساعدة لكل محتاج، فاستحقت وباعتراف كل ابناء المجتمع أوسمة التميز، فكرمها جلالة الملك عبدالله الثاني لمواصلتها العمل التطوعي رغم اعوامها الطويلة، والتفتت اليها مؤسساتنا لفتة حانية كلها اجلال وتقدير، فكرمتها وزارة التنمية الاجتماعية ومركز الحسين للشفاء والاتحاد العام للجمعيات الخيرية فاحتفلت الفئة المحتاجة ومختلف فئات المجتمع بأول متطوعة في المملكة.

   كان فرحها غامرا بتكريم جلالة الملك عبدالله الثاني لها وبصوت يفيض بالعرفان وحب الخير والناس قالت ام لبيب " كان اقصى الطموح لدي بعد مشواري في مجال العمل التطوعي هو رؤية جلالة الملك عبدالله وقد كرمني قبل عامين بوسام التميز في هذا المجال، وكانت فرحتي عندما التقيت جلالته ووالدته سمو الاميرة منى التي كانت الراعية والداعمة الاولى لي في مسيرتي في التطوع الخيري".

   وتواصل بعين الام الحانية وبكلمات تملؤها الانسانية "حياتي كرستها للناس، فرغم تقاعدي من العمل الا انني ما زلت اواصل مشواري واقدم كل ما بوسعي لمساعدة الاسر المحتاجة، واطلب من الله ان يعطيني الصحة والعافية لأقدم العون لمن يحتاجه، فخدمة الناس ومتابعة شؤونهم يستقر في وجداني".

    وعن الدافع الذي وضعها في قلب العمل الخيري التطوعي تقول ام لبيب " ان مرض ابنتي الوحيدة في العام 1949، بـ"السحايا" قادني الى هذا العمل، حيث حاولت علاجها خارج الاردن الا ان الاطباء هنالك نصحوني بالعودة بها ومتابعة امورها، ولدى عودتي كانت قد تأسست جمعية" التشيشاير" في الاردن لمساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة وبكل حماس انخرطت للعمل معها، وكانت الاميرة منى الحسين الداعمة والراعية لها، وبعد ذلك تم انتخابي لأشغل منصب مديرة الجمعية وأعطيت كل وقتي للعمل فيها".

   وخلال تلك المسيرة في العمل الاجتماعي وقعت احداث كثيرة ابرزها حرب 1967 وقمت بمساعدة عائلات اللاجئين في المخيمات وتزويدهم بالملابس وكل ما يلزم لهم من مساعدة طبية وخصوصا المصابين بحروق النابالم، وفي تلك الفترة انضممت لجمعية العناية بالاطفال الاجنبية برئاسة سمو الاميرة بسمة بنت طلال، وقدمت كل ما في وسعي لخدمة الطفولة، وفي عام 1972 تم تأسيس جمعية لمساعدة الايتام في الاردن ترأستها سمو الاميرة منى الحسين والاميرة ماجدة رعد، وانا ايضا، وتم جمع المساعدات لخدمة الايتام ورعايتهم.

   وفي شوق جارف الى السنين الخوالي تزيد قعوار "في عام 1979 اغلقت وزارة الصحة القسم الداخلي في المستشفى لمؤسسة "التشيشاير" التي ترعى(ذوي الاحتياجات الخاصة) وتم استئجار سكن لثلاثين منهم، وشغلت منصب مديرة الجمعية آنذاك، وفي اوائل عام 1984 قامت مؤسسة الملكة علياء بإنشاء منزل كبير يحتضن اعمال ونشاطات الجمعية، واصبحت من اوائل الجمعيات التي تستقبل طلابا من(ذوي الاحتياجات الخاصة) كأي مدرسة عادية، حيث يرجع بعضهم للمبيت في منازلهم وبعضهم الآخر يبقون للمبيت في السكن الداخلي، وكان العدد اربعين طالبا وحينها شعرت ان هذا المشروع الذي قمت به قد اكتمل بحمد الله، وشعرت ان علي ان أبدأ بعمل آخر مفيد للمجتمع.

    وتتابع وهي تمعن في ارشيف ذاكرتها الخيري" في عام 1986 تمت دعوتي للعمل في الاتحاد العام للجمعيات الخيرية وشغلت اخيرا منصب مديرة مكتب رئيس المجلس التنفيذي، والآن جاء الوقت كي استقيل وظيفيا، الا اني واصلت العمل التطوعي من المنزل وانا فخورة ان اكون اول متطوعة في الاردن، وما زلت اقدم العون لمن يتصل بي طالبا المساعدة، كما انني حاليا عضو بالهيئة الادارية لمؤسسة الحسين الاجتماعية".

    ولم تواجه ام لبيب خلال مسيرتها الحافلة أية صعوبات وتبين"الصعوبات لم تعترضني لأنني متفائلة، ولذلك كل الابواب كانت مفتوحة امامي، فالبرغم من صعوبة التنقل في عمان في الستينيات لقلة وسائل النقل الا انني كنت سعيدة عندما ارى الابتسامة والسعادة في عيون الآخرين، والآن الشيء الوحيد الذي يضايقني هو الوحدة والبعد عن الناس".

    وتشير قعوار الى" العمل التطوعي قديما يختلف عما هو الآن، كنا نعاني عند الخروج للعمل  من حر الصيف وبرد الشتاء، لعدم توفر المواصلات وكنا رغم كل ذلك نعمل بإخلاص ولا ننتظر أي مقابل، والآن اصبح من الصعوبة ان تجد من يعمل دون مقابل، وذلك كون الاوضاع الاقتصادية الصعبة وغلاء المعيشة غيرت الكثير من الامور، واتمنى ان يعمل الناس بإخلاص دون النظر الى المردود المادي، ومن تعمل في هذا المجال عليها ان تحتمل كثيرا ولا تنظر الى صغائر الامور، فأهم شيء في العمل التطوعي والرصيد الحقيقي هو السيرة الذاتية والاسم والسمعة".

    وأم لبيب لم تنس بيتها وابناءها فأولتهم جل الرعاية والاهتمام فهي ام لأربعة ابناء اكملوا تعليمهم الجامعي وانطلقوا في العمل وكونوا اسرا واخذوا عن والدتهم حب الناس والسعي لمساعدتهم.

    ورغم انشغال وانهماك ام لبيب في العمل الا انها ترى في الطبيعة وازهارها العلاج الشافي من أي ضيق وكآبة، هذا ما حملها الى حب الناس والتضحية لأجلهم، ولذلك تشعر براحة ضمير كما تقول عندما تضع رأسها على "الوسادة"، الى جانب ذلك فإن الرفق بالحيوان من اهم الاساسيات التي تحافظ عليها فهي تقوم بنفسها بالعناية بالقطط والكلاب التي تعكف على تربيتها في فناء منزلها، كما انها تهوى سماع الموسيقى الكلاسيكية الهادئة التي تبعث الراحة في النفس.

التعليق