قاضي القضاة يخالف "فتوى" المفتي حول الفنون الشعبية الفلسطينية

تم نشره في الخميس 14 تموز / يوليو 2005. 09:00 صباحاً

مجلس الوزراء الفلسطيني يكلف وزير الحكم المحلي بمتابعة القضية

 

يوسف الشايب

    رام الله - كشفت مصادر مطلعة لـ"الغد"، أن مجلس الوزراء الفلسطيني، كلف قبل أيام، وزير الحكم المحلي، خالد القواسمي، مراجعة رئيس وأعضاء مجلس بلدية مدينة قلقيلية، والتعبير لهم عن استنكار الحكومة الشديد لمنعهم إقامة نشاطات ثقافية فنية، في إطار فعاليات مهرجان فلسطين الدولي، والتأكيد لهم أن الحكومة ترى في هذا المنع تعبيرا عن تفكير "رجعي متزمت"، مطالبة القواسمي باتخاذ الاجراءات اللازمة للتأكيد على دعم مجلس الوزراء لحرية التعبير الأدبي والفني، في إطار القانون، وبما يعزز الهوية الوطنية، وفي الوقت الذي وعد به رئيس الوزراء أحمد قريع (أبو العلاء)، بنقل موقف الحكومة للشيخ عكرمة صبري، مفتي القدس والديار الفلسطينية، الرافض لموقف البلدية وموقفه المؤيد لها، عبر فتوى شرعية، نشرت مؤخراً.

     وفي الإطار نفسه، استنكر قاضي القضاة، الشيخ تيسير التميمي، وصف الفنون الشعبية الفلسطينية بـ"الرذيلة"، مؤكداً أن لا تعارض بين هذه الفنون، التي هي من صلب عاداتنا وتقاليدنا، ورمز لأفراحنا وهويتنا الوطنية، وبين الشريعة الإسلامية، ما دامت ملتزمة، وبعيدة عن مظاهر الإثارة الجنسية، وقال: الفنون الشعبية جزء من أصالتنا، ولا يجب نعتها بهكذا نعوت، خاصة وما شابه.

    وأكد التميمي على أن الإسلام لم يحارب الفنون، ومنها الغناء والموسيقى، وأن أدلة عديدة تؤكد ما يقول.وحذر الشاعر محمود درويش، خلال استقباله في مكتبه برام الله، الفنان عمار حسن، قبل أيام، مما أسماها "بوادر طالبانية"، وقال: نحن بحاجة إلى الجمال، الذي يطلق العنان لروح ثقافية، وحضارية، ووطنية سوية، ونرفض أية محاولات لمصادرة هذا الجمال .. هناك "بوادر طالبانية"، ومؤشرات خطيرة، لابد أن نتصدى لها جميعاً، خاصة المثقفين، والفنانين، والكتاب، والمبدعين.

    من جهته يرى وزير الثقافة، يحيى يخلف، أن الفتوى التي أصدرها الشيخ عكرمة صبري، "مجندة لخدمة اتجاهات أصولية بعينها"، داعياً إياه إلى إعادة النظر في تأييده لموقف بلدية قلقيلية، التي وصفت الفنون الشعبية بالرذيلة.

 

    من جهته أصر الشيخ عكرمة صبري، مفتي القدس والديار الفلسطينية، على تأييده لموقف بلدية قلقيلية من المهرجان، وأن الإسلام حرم هذا النوع من الفنون، لما فيها من اختلاط، والتقاء بالأيدي بين الشبان والفتيات.

فتاوى متناقضة

     استنكر قاضي القضاة، الشيخ تيسير التميمي، وفي حديث خاص، قيام المجلس البلدي لمدينة قلقيلية، والشيخ عكرمة صبري، مفتي القدس والديار الفلسطينية، وجهات أخرى، بوصف الفنون الشعبية الفلسطينية، بـ"الرذيلة"، عبر رفضهم لفعاليات مهرجان فلسطين الدولي للموسيقى والرقص، مؤكداً أن لا تعارض بين هذه الفنون، التي هي من صلب عاداتنا وتقاليدنا، ورمز لأفراحنا وهويتنا الوطنية، وبين الشريعة الإسلامية، ما دامت ملتزمة، وبعيدة عن مظاهر الإثارة الجنسية، وقال: الفنون الشعبية جزء من أصالتنا، ولا يجب نعتها بهكذا نعوت، خاصة وما شابه.

    وأكد التميمي على أن الإسلام لم يحارب الفنون، ومنها الغناء والموسيقى، ولعل المثل البارز على ذلك، عدم اعتراض الرسول صلى الله عليه وسلم، على استقباله بالغناء وقرع الدفوف، من رجال ونساء المدينة المنورة، عندما هاجر إليها قادماً من مكة، إضافة إلى جملة من الأحاديث التي تتحدث عن أنه لا حكم شرعياً ضد الموسيقى، ومن بينها "اشهروا النكاح ولو بالدفوف".

    وهناك أدلة كثيرة على عدم تحريم الموسيقى، فالفقيه أبو محمد بن حزم، أشار إلى أن استماع الموسيقى مباح مثل التَّنَزُّه في البساتين ولبس الثياب الملونة، وقال عن الأحاديث التي وردت في النهي: لا يصح في هذا الباب شيء أبداً وكل ما فيه فموضوع ومنقطع.

لم يسألني أحد

    من جهته أصر الشيخ عكرمة صبري، مفتي القدس والديار الفلسطينية، على تأييده لموقف بلدية قلقيلية من المهرجان، ووصفه الفنون الشعبية بالرذيلة، وأن الإسلام حرم هذا النوع من الفنون، لما فيها من اختلاط، والتقاء بالأيدي بين الشبان والفتيات.

    وحول تعارض موقفه كموظف في السلطة الوطنية الفلسطينية، وموقف السلطة، الذي عبر عنه رئيس الوزراء، أحمد قريع (أبو العلاء)، برفض قرار البلدية، وتأكيده على أهمية الفنون الشعبية، يقول صبري: لا علاقة لي بموقف السلطة .. ما حدث أن مجلس بلدية قلقيلية طلب مني فتوى شرعية في موقفه، فأفتيت وفق الشريعة.

    وحول تعارض موقفه وموقف الشيخ التميمي، أجاب صبري: هو حر .. لا أدري ما دوافعه.

    ورفض صبري أنه بهذه الفتوى، يحقق مآرب شخصية، لا تبتعد عن كونه من قلقيلية، وأن مصالح عدة قد تربطه بأعضاء المجلس البلدي، وقال: هذا تفسير مجحف، وغير وارد على الإطلاق .. أنا لا أحابي أحداً.

وفي رد على سؤال حول أسباب عدم إطلاقه هذه الفتوى الشرعية، التي أشار أنها تنطبق على جميع المهرجانات والاحتفالات التي تشتمل على فرق مختلطة، وجمهور مختلط، وعلى جميع مناحي الحياة، قبل سنوات، أجاب: لم يسألني أحد ..!

    ورفض صبري توضيح ما قصده بأن هذا المهرجان والمهرجانات المشابهة هي تعبير عن إفلاس سياسي، وقال: القائمون على هذه المهرجانات يعملون على توجيه أنظار الفلسطينيين بعيداً عن قضيتهم، من خلال هذه الحفلات التي يحضرها الآلاف، ويرقصون، ويلهون، متناسين قضيتهم، وجهادهم ضد الاحتلال.

    وهاجم صبري بشدة مركز الفن الشعبي، وجميع العاملين في المهرجان، والإعلاميين الذين روجوا له، وهاجموا البلدية، وقال: هناك علمانيون، وإعلاميون، مواقفهم معروفة، ولا أريد الخوض بها.

    وفي رده على مقولات بأن موقفه لا يختلف كثيراً عن "الثقافة الطالبانية"، قال صبري: أنا لم أفرض رأيي على أحد، ثم أنني لا أمتلك سلاحاً لفرضه على أحد.

أمام القضاء

     ويفكر مركز الفن الشعبي، المسؤول عن تنظيم المهرجان، في رفع دعوى قضائية ضد بلدية قلقيلية، خاصة أن قانونيين يؤكدون أن ما أقدمت عليه البلدية مخالف للقوانين الفلسطينية، وعن هذا يقول عصام العاروري، مدير مركز القدس للمساعدة القانونية: قرار المجلس البلدي لمدينة قلقيلية، والقاضي بمنع إقامة فعاليات لمهرجان فلسطين الدولي للموسيقى والرقص، هو مخالفة صريحة للقانون الأساسي المعدل للسلطة الوطنية، والذي هو بمستوى الدستور، والذي ينص في مادته رقم 19 على أنه "لا مساس بحرية الرأي، ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه، ونشره بالقول أو الكتابة، أو غير ذلك من وسائل التعبير، أو الفن، مع مراعاة أحكام القانون.

     ويرى العاروري أن مخالفة أحكام القانون الأساسي، ترقى لمستوى الجرم، وبالتالي يستحق مرتكبوها أن يقدموا للعدالة. وتحدث العاروري عن أن قرار البلدية يخالف قانون الهيئات المحلية، والذي يحدد 27 مهمة للمجلس البلدي، احداها تشجيع الثقافة، والفنون، والموسيقى، ورعايتها، والعمل على تطويرها، ويقول: يحق للمجلس البلدي ألا يتعاون مع المهرجان، أو دعوة الناس لمقاطعته، من باب حرية التعبير، لكن لا يجوز أن يمنعه بالقوة، كما حدث.

     ويحذر العاروري من الدلالات والتبعات الخطيرة لقرار مجلس بلدية قلقيلية، خاصة أنه جاء بعيد اغتيال فتاتين فلسطينيتين في غزة، لمجرد التنزه مع خطيبيهما، داعياً المجلس البلدي، إلى إعادة النظر في قراره، والاحتكام للقانون الأساسي، خاصة أن فوزهم بمقاعد البلدية، كان في انتخابات تستند إلى هذا القانون.

التعليق